‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأب يوسف الجزراوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأب يوسف الجزراوي. إظهار كافة الرسائل

قصيدة شربل بعيني في حفل توقيع ثلاثة كتب للأب يوسف جزراوي

القيت في حفل توقيع ثلاثة كتب للاب يوسف جزراوي
عَرَفتُه.. الصَّليبُ فوقَ صدرِه    
وحرفُه الأشمُّ تحتَ أمره
فقلتُ يا مشاعري ترنّمي
فلحنُه مُدَوْزنٌ كَشعرِه
وسطرُه كأنّهُ طريقُنا 
ونحنُ نمشي في خُطُوطِ سطرِه
تأوَّهَ العراقُ مِنْ غيابِه 
فَخِلْتُهُ المُصابَ مثلَ طَيْرِه
زوارقٌ تغتالُ نصفَ شعبِهِ 
واللصُّ يغفو في زوايا قصرِه
بغدادُ تجري في العيونِ دمعةً      
لكنّها البركانُ عِنْد ذِكْرِه
أتى الحياةَ كاهناً وعالماً  
وكاتباً.. مُباركاً في سيره
فإن حكى توقّفتْ عقاربٌ
وإن بكى.. فدمعُه بنثْرِه
يا مارَ ميلس صُنْتَهُ كيْ يرْتقي       
مجدَ العلى مُرسْمَلاً بفكرِهِ
طوباكَ طوبى، من رئيسٍ منصفٍ  
مرجُ الزُّهورِ يَنْتشي من عطره
يا مارَ ميلسْ لمْ تسلْ عنْ سُؤْدَدٍ     
أصبحتَ رمزاً، فَخْرُنا من فخرِهِ
أنتَ العظيمُ رِفْعَةً لمّاعةً 
يسوعُ قد أعطاكَ نورَ فجرِه
أَيوسُفٌ.. تدورُ في سمائه 
نجومُنا، وبِئرُنا كبئره
ونحن لا نخونُه كإخوةٍ 
فإسمُهُ يُضيءُ رغمَ قَهرِه
صلاتُه كقلبِه، كحبّه 
كضحكةٍ تلوحُ فوقَ ثغرِه
يقالُ قد تكَفَّرتْ عقائدٌ 
يا حَبّذا لو آمنوا بكُفْره
تخالُها كنائساً حُروفَهُ
عبيرُها يفوحُ مثلَ حِبْرِه
حتّى الشمُوعُ لا تنوصُ عندَهُ       
حين اصطفتْ بغدادُ شمعَ دَيْرِهِ
أُحبُّه محبّةً لا تنحني 
كوالدٍ.. أشُدّ أَزْرَ ظهره
لا لستُ أخشى الحاقدَ الثرثارَ إنْ    
غطَّى الجمالَ باسْودادِ مَكْرِهِ
أخشى عليه من غرورٍ طائشٍ      
أذلَّ كلَّ مَنْ رَمى في أسْرِه
من حقّه أن ينتشيْ معملقاً       
لِكيْ يدُوسَ فوقَ أَنْفِ هجرِه

قصيدة الشاعر سايد مخايل في حفل توقيع ثلاثة كتب للأب يوسف جزراوي

ـ1ـ
يا مار زيا بارك الليله الحضور
وعلّق ما بين الناس المحبه جسور
الليله "الأبونا"  حَبْ يجمعنا سوا
رشة حبق بين القوافي والسطور
"بكلكامش" ومضمونها قلبي ارتوى
والشعر ما بيطلع اذا غاب الشعور
لكن انت  ب كتبك   وبالمحتوى
رشيت عا عتم الجهل ومضات نور
 من هيك جينا نقدرك عالمستوى
وعا  نخبة اللي تجمعو تا يكرموك
وعالجاليه اللي ممثلي بأحلا حضور
ـ2ـ
يا ابونا ل قلمك  وقلبك  طري 
الليله الأدب عا بيدرك مدري دري
عا مدبح الإلهام ضوّيت  الشموع
 واليوم عن نسمع كلام  الجوهري
وانت الأديب العاشق  لربو الركوع
لا بتدعي ولا بتشمخ ولا بتفتري
ودرب الأدب عا طول صعبه وبالطلوع
ل منو اصيل بيوقع بنص الطريق
ولفوق ما بيوصال غير العبقري...
ـ3ـ
وعن شربل بعيني كتبت تاني كتاب
شربل وهج ، بالجالية وشيخ الشباب
شربل بيكمش حرف بيصفي دهب
شربل بيلبس كلمتو اغلا  التياب
ومش كل واحد كل ما كلمه كتب
صفى كبير ، وصار نعملو حساب
ومش كل شاعر شعر من غيرو نهب
صفّى لدنيا الشعر عندو انتساب ...
الشعر غير من الجرح ما بينسكب
الشعر دفقة نور عا شمس الغياب
الشعر الحلو بحبر العيون بينكتب
وكبّي  حبر يا عيون تا  تعبّي  كتاب
والشاعر ن ما كان عالي  بالأدب
ما بيقدر بيكتب قصيده عاليه
ومكشوف لولا دق راسو بالسحاب...
ـ4ـ
يا ابونا الناس صارو بيعرفوك
بيقرو الصلا عا وجك ونفحة الم
بتكتب عن معاني كبار بيشبهوك
وإلا لفعل الخير ما بترفع علم
يمكن الليله بالغرور بينعتوك
كيف جمعت بليلتك كل القمم
بهالجاليه لْ تلتينها  صارو ديوك
وكل واحد الامجاد عا  قياسو حسم
يا فكر  حقن  يجلدوك  ويصلبوك
ما زال فعل الخير عالأرض  انعدم
وما زال عا "تويتر" وخيو  "الفايس بوك "
كل البشر كتّاب  صارو بهالدني
وضربو الكتاب ... وشوهو  دور القلم... 

شربل بعيني رسّام الكلمات/ الأب يوسف جزراوي

"شربل بعيني رسّام الكلمات" كتابٌ يُعدّ وليدي الأدبي الثالث في عام 2016 منشورات مؤسّسة الغربة، الشكر للرب دائمًا وأبدًا على نعمه التي لا تُحصى.
وددتُ هنا أن اسوق لقرائي الأعزاء مقتطفات من الفصل الأوّل للكتاب:
أسمع من كثيرين ممن ألقاهم، أنّ شربل لم يعدّ متواجدًا كما في السابق!.
فيأتي جوابي:
إنّ هذا البعد جعلنا نلتمس لمس اليد أنَّ مكانته وقيمته تتزايدان، كلّما افتقدنا التواضع والكلمة النزيهة والعبارة الصادقة والمواقف الشريفة والسلوك المُحبّ. فضلاً عن أن موهبة شربل تتجلى في صومعة الوحدة، وإن كان إنكفاؤه قد خلق فجوة في الوسط الأدبي بدأت تتسع وتتعمق، لكنه وحده القادر على ردمها أو تضييقها على الأقل. ورغم أنه أخـفى جراحات الوطن وعذابات الغربة وراءَ ستار وحدته، إلّا أن شربل يظهر ويشارك في الاماسي الأدبيّة ومناسبات الناس ويلتقي الأصدقاء كلّما اراد ذلك.
فكما أنّ أدب البعيني يكتنفه شيء من الغموض الجذاب، إذ يملك عنصر المفاجأة في وقفات مقاطعه الشّعريّة أو بقفلات قصائدة، كذلك هي حياته، فقد يبقي شربل بعض الجوانب معتمة من حياته ذات التضاريس المتعرجة، فيها حكايات لم تحكَ بعد.
آمل أن ينشرها في سيرة ذاتيّة، سيّما ونحن جميعًا في قارب واحد نبحث عن مخرج من مأزق المنفى.
ومن لا يعرف فأنّ شربل كتب الأدب باجناسه المتعددة، ما خلا أدب السّيرة الذاتيّة، وإنّني هنا لست أريد أن اقحم ذاتي في إسداء النصيحة لأستاذي الجليل وأبي الروحي، لأن الإنسان بطبيعته يكره النصائح، ومَن أنا مِن ذلك الآتي من ينابيعِ الحرف المعبّقة برائحة الأرز، ولأنني لا أستطيب توجيه النصائح ولا استسهلها، تراني إسدي الرأي قائلاً:
ـ يا ليت يقدم الأستاذ شربل على كتابة سيرته الذاتيّة، وحبذا لو توقّف طويلاً عند الإنقلاب الإيماني الذي حدث في حياته عقب وفاة والدته - رحمها الله – وأن لا يمر عليه مرور الكرام، مستذكرًا مقولة بولس الرسول: "الويل لي إن لم أبشر" (1قور 9/16).
اللهم إني قد بلغت!.
محبتي وجلّ تقديري وسؤالي الصلاة.

شربل بعيني رسّام الكلمات آخر مؤلفات الأب يوسف جزراوي


كتب الأب يوسف جزراوي
"شربل بعيني رسّام الكلمات" كتابٌ يُعدّ وليدي الأدبي الثالث في عام 2016 منشورات الغربة، الشكر للرب دائمًا وأبدًا على نعمه التي لا تُحصى.
وددتُ هنا أن اسوق لقرائي الأعزاء مقتطفات من الفصل الأوّل للكتاب:
أسمع من كثيرين ممن ألقاهم، أنّ شربل لم يعدّ متواجدًا كما في السابق!.
فيأتي جوابي:
إنّ هذا البعد جعلنا نلتمس لمس اليد أنَّ مكانته وقيمته تتزايدان، كلّما افتقدنا التواضع والكلمة النزيهة والعبارة الصادقة والمواقف الشريفة والسلوك المُحبّ. فضلاً عن أن موهبة شربل تتجلى في صومعة الوحدة، وإن كان إنكفاؤه قد خلق فجوة في الوسط الأدبي بدأت تتسع وتتعمق، لكنه وحده القادر على ردمها أو تضييقها على الأقل. ورغم أنه أخـفى جراحات الوطن وعذابات الغربة وراءَ ستار وحدته، إلّا أن شربل يظهر ويشارك في الاماسي الأدبيّة ومناسبات الناس ويلتقي الأصدقاء كلّما اراد ذلك.
فكما أنّ أدب البعيني يكتنفه شيء من الغموض الجذاب، إذ يملك عنصر المفاجأة في وقفات مقاطعه الشّعريّة أو بقفلات قصائدة، كذلك هي حياته، فقد يبقي شربل بعض الجوانب معتمة من حياته ذات التضاريس المتعرجة، فيها حكايات لم تحكَ بعد.
آمل أن ينشرها في سيرة ذاتيّة، سيّما ونحن جميعًا في قارب واحد نبحث عن مخرج من مأزق المنفى.
ومن لا يعرف فأنّ شربل كتب الأدب باجناسه المتعددة، ما خلا أدب السّيرة الذاتيّة، وإنّني هنا لست أريد أن اقحم ذاتي في إسداء النصيحة لأستاذي الجليل وأبي الروحي، لأن الإنسان بطبيعته يكره النصائح، ومَن أنا مِن ذلك الآتي من ينابيعِ الحرف المعبّقة برائحة الأرز، ولأنني لا أستطيب توجيه النصائح ولا استسهلها، تراني إسدي الرأي قائلاً: 
ـ يا ليت يقدم الأستاذ شربل على كتابة سيرته الذاتيّة، وحبذا لو توقّف طويلاً عند الإنقلاب الإيماني الذي حدث في حياته عقب وفاة والدته - رحمها الله – وأن لا يمر عليه مرور الكرام، مستذكرًا مقولة بولس الرسول: "الويل لي إن لم أبشر" (1قور 9/16). 
اللهم إني قد بلغت!.
محبتي وجلّ تقديري وسؤالي الصلاة.
الرجاء قراءة التعليقات تحت المقال:

كلمة عزاء الى شربل بعيني/ الأب يوسف جزراوي

العودة إلى خزانة الذّاكرة أجد إنّني قرأت اسمه لأوّل مرّة في موقع إيلاف، ثمَّ تناهى إلى سمعي صوته يوم عرّفني به الصحافي جوزاف أبو ملحم المحترم. وذلك يومٌ أعدّه من أسعد الأيّام وأكرمها لدي. 
كان ذلك المساء مفتاحًا لحوارٍ جميل مع أديب أجمل، كان لقاءً اورق في النفس صحبة جميلة. 
إنّ محبتي الكبيرة للشاعر المبدع شربل بعيني بدأت لحظة قرأت له "كتابات على حائط المنفى"، وكيف توسد الغربة سنوات طويلة، توسعت وازداد حجمها حين عرفته شخصيًا؛ إنسانيًا وأدبيًا.
إنسانيًا؛ لم أجد قلبًا طاهرًا مثل الذي يحمله، لسانه دائمًا عفيف مع ضمير مستقيم، إنكفأ على نفسه وترجل عن الكثيرن، لا يظهر إلّا في المناسبات التي يُريد، وحين يظهر تجد بيده عصا يمسك بها من المنتصف بمحبة واسعة وشاملة. وتلك لعمري خاصية لم نجد من يحملها إلّا القلة. 
أما ادبيًا: تلقاه ابتعد عن الأسفاف والترهل في الكتابة ومسك على الدوام إبرة بارعة لنظم قصائده وحياكة كتاباته الإنسانيّة المفعمة بالرجاء.
اليوم عميدنا في الأدب المهجري شربل بعيني، يبكي رحيل أخيه الأصغر مرسال إلى دار البقاء عن عمرٍ يناهز الستين.
تترنّح الدموع في عينيه، وتغزو الحسرات قلبه الأبيض، حتّى أنّه بات يحدث المعزين ببحة صوت مخنوقة بدموع عزيزة وغزيرة.
إلى شربل بعيني أقول: أيها الشاعر المؤمن تذكر إنّ الله إله احياء، أوَليس هو من قال في إنجيله المُقدّس: "أتيت لتكن لهم الحياة وتكون بوفرة". يوحنّا 10:10. اسمح لرجاء القيامة أن يشرق في اعماقك. 
رحم الله الفقيد وأسكنه في ملكوته البهي وامدك الله بصحة لا تُبلى.
الأب يوسف جزراوي

لماذا ترجم الديراني قصائد شربل بعيني؟/ الاب يوسف جزراوي


منذ عصور سحيقة والأدب السرياني هو النافذة الضوئية في ليل المعرفة الإنسانية، وقد لا يغيب عن العارفين أنّ الأدب السرياني وحركات الترجمة لدى السريان قديمة كقدّم التاريخ، لكنها  نشطت في أزمنة كثيرة ولنا أسماء لامعة في هذا المجال نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مار افرام السرياني الملقب بـ (كنارة الروح) ، حنين بن إسحق الطبيب والأديب السرياني، يعقوب السروجي، أبو الفرج عبد الله بن الطيب الكاهن والمترجم العلاّمة، 
ومن المعاصرين: عادل دنو، نزاز ديراني، أديب كوكا، نمرود صليوا.....وقد لا يختلف إثنان على قولي : إنّ بغدادَ في عهد خلفاء بني العباس باتت ملتقى لمحبي الثقافة والعلم والحكمة، ومن يتتبع تاريخ هذه المرحلة سيرى أن كلّ شيء كان يبدو مهيئًا لأفتتاح عهد حضاري جديد، فانفتحت الأبواب على مصراعيها أمام أصحاب الفكر  والعلم والأدب، فتمكنوا من الكشف عن مواهبهم وتطوير علومهم بفضل احتضان  بعض خلفاء بني العباس لهم، ويشهد التاريخ أيضًا بأنّ العالم اجمع مدين لبغداد التي اصبحت إبّان تلك الفترة أمّ الدنيا ومحط الانظار،  فقد كانت جسر الصلة بين ثقافات عدة منها: اليونانية والسريانية والعربية.. ولا عجب ان قلت ان الفضل في ترجمة الكتب الفلسفية والتاريخية والأدبية والطبية من اليونانية إلى السريانية ومن ثم إلى شقيقتها العربية يعود إلى الفلاسفة والأدباء والأطباء السريان . وهنا نود تعميم حقيقة جليلة مفادها: إنَّ كلّ تقدم وازدهار حصل في تلك الفترة لهو بفضل الجهود الجبارة التي بذلت من قبل ابناء بغداد من علماء على اختلاف مللهم ونحلهم ومذاهبهم، وبشكل خاص السريان منهم، وذلك خلال حُقبتين مرت بهما بغداد في العهد العباسي فكملت احداهما الأخرى، 
الحقبة الأولى اشتهرت بعصر الغرس وبذر البذور، أما الحقبة الثانية فكانت للحصاد وجني الثمار، أقول هذا وعيني موجهة صوب الديراني في محاولته المعاصرة الخلاّقة ولكن بشكلٍ معكوس، إذ من المعهود والمألوف هو أن تتم الترجمة من اليونانية أو السريانية إلى العربية، لكن الأمر أبهرني وأدهشني حين علمت من صديقنا واستاذنا الشاعر شربل بعيني عن مساعي صديقنا المشترك الأديب العراقي السرياني نزار حنّا الديراني، بترجمة  بعض أشعاره من العربية إلى السريانية.
ونزار الديراني لمَن لا يعرفه، هو اديب سرياني مرموق، عراقي الهوية إنساني الجنسية، اسمه وصورته رافقا اسمي وصورتي في بعض المجلات والنشرات التي كانت تصدر في العراق منذ دراستي اللاهوتية ومطلع رسالتي الكهنوتية، واذكر  أنني ذات يوم استلمت هوية إنتماء إلى  اتحاد الكتّاب والأدباء السريان في العراق برقم عضوية 41 مؤرخة في 15/8/2004/ الصفة كاتب، تحمل توقيع الكبير نزار الديراني رئيس الإتحاد.. 
مضت السنون وعادت المراسلات بيننا، عسى أن تكون  بداية عهد جديد لصداقتنا الأدبية والإنسانية، وادرج هنا مقتطفات من رسالة صغيرة ارسلها لي قبل بضعة أسابيع خلت، جاء فيها: 
"الأب يوسف الجزيل الاحترام..
حين كنت في بغداد وقبولك عضوا في اتحادنا انقطعت اخبارك عني، في حينها سالت بعض الاباء ممن كانوا في دورتك، فعلمت انك مسافر، ولكن لم أدر ألى أين. أرجو أن تكون هذه فاتحة الاتصال بيننا .
تحياتي واشواقي". 
ولعلّي ابوح بسرٍ  هنا: حين جاءني صوت الديراني  عبر الهاتف شعرت أن صوتًا من عصر الثقافة وزمن  الحلم الجميل قد دغدغ مسامعي، سيّما حين حدثني عن فاعلية عضويتي في الاتحاد المذكور وتكليفي بالتشاور مع الاديب السرياني عادل دنو  في مناقشة السبل الانجع لفتح فرعٍ للاتحاد في استراليا.
لقد عرفت نزاز عن طريق رسالة الأدب وميادين الكلمة، وتوطدت المعرفة بيننا بواسطة الأب سامر  صوريشو الراهب، ومع كرّ الأيام وفرّها  لمست في جعبته  كلمة مرموقة كلّما كتبَ عن أدب او عن أديب، لا يمشي في تبعية أحد، ولا يُفرض عليه موضوع، عرفته حرًا في أختيار الموضوعات التي يؤمن بها، وهو يحلق بعفوية وقناعة وجرأة في سماء الشعر والأدب. إنّه المتألم وحبّ العراق يؤرقه، كانت الكتابة متعته ووسيلته في اسعاد القارئ، يكتب عن الحياة، لأن الحياة تضج فيه وتدله على كتاباته.
أبصر الديراني النور في منطقة دير ابون- زاخو 1956، حاصل على بكلوريوس إدارة واقتصاد- الجامعة المستنصرية في بغداد. عضو اتحاد الادباء والكتّاب السريان وعضو اتحاد  ادباء العرب منذ عام 1985، عضو جمعيات ادبية وثقافية عديدة، منها: عضو مكتب الثقافة السريانية في الاتحاد العام للادباء والكتّاب العراقيين، جمعية اشور بانيبال،رئيس اتحاد الادباء والكتّاب السريان منذ عام 2003- 2010 وعلى مدى ثلاثة دورات متتالية. نائب الأمين العام لاتحاد الادباء والكتّاب في العراق منذ عام 2004- 2010.
عمل عضوًا في تحرير مجلة ( قالا سوريايا، الاديب السرياني ومديرًا للتحرير، ربانوثا، الاديب العراقي. القى العديد من المحاضرات والندوات واشترك في العديد من الاماسي الشعرية داخل العراق وخارجه.
له عشرون مطبوعًا، يعد كتاب (شهيد من ديرابون) باكورة اعماله 1984، وكتاب ( شربل بعيني ومعاناة الهجرة) آخر مطبوعاته الحالية 2015.
يهرب الديراني بشكل متواتر إلى عزلته وبين جوانحه تتراقص كلماته، يمتشق القلم حين يجد دموعه تجري مع مداده ، لتخط فوق القرطاس حكاية وطن يدعى العراق. ينسج في مهجره وغربته الاليمة داخل الوطن قصيدة الدهر على جبين الاتقياء، فو يخشى أن يدخل الوطن في متاهات الذاكرة ليصبح مجرد ذكرى.
لقد كتبتُ هُنا كلّ ما اعرفه عن الأستاذ نزار حنّا يوسف الديراني، الكاتب العراقي والشاعر السرياني والأديب الإنساني، إذ أنّني أحتار من أين آتيه وكيف أجازيه، لأنه وبِلا مغالاة أحد أشهر الأقلام السريانية في العالم.
أما الشاعر الكبير شربل بعيني فهو غني عن التعريف، إنه  لبناني المولد، عراقي الدم، أسترالي الجنسية، ألتقى بالديراني في عروس الشرق بغداد عام 1987، إذ التقيا وجهًا لوجه في المربد الشعري. ذلك هو الشاعر الإنسان الذي امتدحه كبار الشعراء بدءًا من نزار قباني، مرورًا بالبياتي والجواهري، وصولاً إلى الكبير يحيى السماوي الذي اطلق عليه لقب عميد الأدب المهجري في استراليا.
انقطع ودّ الإتصال بين الشاعرين منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى قبل  سنوات خلت، تجددت الصداقة بواسطة صديق ثالث وهو: د. موفق ساوا.  وإذا بالديراني  يفاجئ البعيني بكتابٍ جمع بين دفتيه إنتقاءات شعرية، حيث انتقى الديراني  جميع مراحل حياة الشاعر اللبناني شربل بعيني وقصته مع الوطن وقرفه من الغربة. وكأن قصائد البعيني كانت لسان حال الديراني في غربته عن بغداد.  لقد كتبَ شربل ما بقي من ذكرياته مع المعاناة في ذاكرة الجسد ، أما نزار فقد برع في  ترجمة تلك الذكريات، كيف لا. وهي ذكريات عمر اكلته الغربة.
والآن إليكم الأسباب التي دفعت الديراني للقيام بمحاولته الخلاّقة:
يقول الديراني :
"منذ مطلع السبعينات وحين استهوتني الساحة الثقافية وبالاخص الشعر ، اطلعت على الكثير من الشعر العربي بدءا" من المعلقات فتلمست في حينها ان غالبية الشعراء المتميزين هم اللذين اطلعوا على الشعر العالمي اعني قصائد الشعوب الاخرى ، فبدأت اقرأ الكثير مما يترجم الى العربية وعلمت في حينها كم نحن بأمس الحاجة الى ان ترجمة ذلك الى لغتنا السريانية التي كانت يوما الجسر الذي يربط الشرق بالشرق والشرق بالغرب ... والتاريخ يشهد على المساحة التي احتلها السريان في علم الترجمة  فكان هذا الشعور ينمو في داخلي ، ولان بدايتي كانت كتابة الشعر العربي فسهل علي تذوق هذا الشعر وترجمته ...
في الثمانينات حالفني الحظ ان التقي واصادق شاعرا لبنانيا قادما من استراليا في مهرجان المربد الذي كان ما يميزه وما يشجعنا المشاركة فيه هو التقاء شعراء من خارج العراق لنتعرف على تجربتهم الشعرية وخصوصا كنا نحن اغلبية شعراء العراق نعيش في قفص كبير ، ولم اكن ادري في حينها لماذا تميزت صداقتي مع الشاعر شربل بعيني اكثر من الاخرين علما انني كنت احاور واتعرف على العديد من الشعراء الاخرين من امريكا وكندا ومصر وتونس و...
وحين تناولنا اول كأس من مشروب العرق تمازجت عناصر الكتابة لدينا وتحول الشعور والدافع للكتابة الى جسر يربطنا وحتى بعد ان عاد الى وطنه الجديد استراليا ، فتبادلنا مطبوعاتنا وكانت اول بادرة منه حين كتب في صحيفة استرالية بالعربية عن كتابي (الكيل الذهبي في الشعر السرياني) وحين قرأت قصائده عرفت السر الذي دفعني باتجاهه اكثر من غيره ، وكيف لا يتمازج شعورنا ان كنا معاً نرى مصيرنا ومصير الانسانية في الشرق الاوسط واحد، وكلانا يتحدر من جذر عميق لالاف السنين لشجرة عملاقة تنتشر جذورها ما بين العراق ولبنان وسوريا وجزء من تركيا وبلاد فارس و... وكنت اعرف ما الذي يعني ان يحضر الشاعر جزءا من تراثه الى عصرنته فكان زميلي ينقل جزءا من هذا التراث من خلال لغة شعبية بسيطة كنت اتلمس فيها العديد من مفردات لغتي فاحسست برسالته التي يريد ان يلفت انظارنا بها الى جذورنا وهذا كان من بين العناصر التي جمعت معاناتنا رغم الاف الكيلومترات التي تفصلنا ...
وبسبب المأسي التي حلت بالعراق بعد مطلع التسعينات انقطعت اخبارنا ومراسلاتنا .... فبعد طبع ترجمتي الاولى (من الادب العربي الحديث) التي كانت تجمع بين دفتيها اسماء كبار الشعراء العرب من جيل السياب بادرت لترجمة قصائد لجيل ما بعدهم وكانت قصائد زميلي شربل تدغدغني ولكن بسبب الظروف التعيسة التي حلت بالعراق بعد الاحتلال الامريكي جعلتني اترك بيتي ومكتبتي ومسوداتي في بغداد واعيش الفصل الثاني من معاناة الغربة في قرية تقع في اقصى الشمال (المثلث الحدودي تركيا سوريا العراق ــ وهي مسقط راسي حيث كانت قبل ان تسلبها منا الحكومة بسبب التعريب اية من الجمال)،  بعد ان عشت الفصل الاول من هذه المعاناة في بغداد وهذا ما كان يجمعني وزميلي شربل . لذا التجأت الى الانترنت لاستل بعض قصائده وخصوصا الجديدة منها فتلذذتها اكثر من السابق لاني وجدت في غربته الثانية (المهجر) جبلا من المعاناة فكان لي بمثابة مرآة كبيرة اجد فيها معاناتي الحالية والمستقبلية فترجمت بعضها في كتابي (من الشعر العربي الحديث)
ولكن طالما كان يعيش احدنا في الاخر ويتذوق مأساة الغربة حالفنا الحظ ان نلتقي من جديد ولكن في هذه الحالة من خلال الانترنت، فطلبت منه ان يرسل لي بعض قصائده لاترجمها بديوان مستقل، فمثلما اجد نفسي فيها هكذا سيجد القارئ من بني قومي نفسه فيها...
عندما كنت اقرأ قصيدته (ارزتنا) كنت اجدها وكأن شاعرنا يريد ان يقول عوضا عني ها هي رموزنا ( الثور المجنح، اسد بابل، الجنائن المعلقة ...) تئن وتختلج وتتنفس انفاسها الاخيرة وهذا ما حصل بفعل داعش وبسبب الهجرة والانقسام ففقدت ما كان يربطها بصلابة جذورها وارضها لذا ارتجفت امام الريح وكأن الشاعر قد رأى وتنبأ بمستقبل حضارتنا وتراثنا العريق.
وحين كنت اترجم قصيدته (رسالة الى فخامة الرئيس) كنت احس وكاني انا الذي يكتب الرسالة لا مترجم لها، فكل واحد منا يحتاج ان يكتب رسالة كهذه الى فخامة الرئيس على شرط ان لا يكون من بين الذين يصفهم الشاعر بانهم  يَتَقَاذَفُونَ الشَّتائِمَ ، يَتَلَفَّظُونَ دَائِما بِحُرُوفِ الْكُرْهِ وَالتَّحْقِيرِ ، وكيف لي ان لا اجد نفسي في شعره وهو يقول ما يقوله ابناء شعبي وهم يتظاهرون ( بِلادُنا، فَخامَةَ الرَّئيسْ..بِحاجَةٍ إِلى قِدِّيسْ) وهذه رؤية ثانية . وكم نحن اليوم نتشوق لنقول لوطننا وحكومننا ما قاله الشاعر في قصيدته حب في لندن (قولي: أُحبُّكَ..) وهكذا حين كنت اترجم قصيدته دراجات امستردام تيقنت فعلا ما الذي جمعني واجتذبني الى الشاعر شربل بعيني في منتصف الثمانينات، حيث نتقاسم كلانا نفس الشعور فهو يكتب في المهجر قصيدته (دراجات امستردام) وانا اكتب في بلدي الذي اصبح هو الاخر مهجرا لي قصيدتي (مهدي ) سوى انه استخدم مفردة الدراجة والدولاب كويسلة لحفظ ونقل حُبَيْباتِ الْعَرَقِ الْمُتَصَبّبَةِ من عرق جبين اجداده وهم يصنعون التاريخ في لبنان ،لِتُنْعِشَ بِها أَزْهارَ الْعاشِقيَن ساعاتِ الْجَفاف. اما انا فقد استخدمت المهد وعقرب الساعة لاعكس صور حبيبات الدم وصور السيف الذي كان يقطع رؤوس اجدادي ... وهكذا في بقية قصائده لذا حين كنت اترجم قصائده لم اجد نفسي غريبا عن شعره ولم احتاج الى قاموسٍ لانه لم يكن يصنع الكلمة بل ينحتها .."
ما سطرته أنامل الزميل الديراني لم تشفِ غليلي ولم تروِ ظمإي، فعاودت الإستفسار بهذه الرسالة:
عزيزي استاذ نزار المحترم
لقد ايقنتُ من أجوبتك السابقة بأنَّ المعاناة المشتركة كانت سببًا دفعك للترجمة، أو بمعنى آخر  انَّ معاناة شربلنا وهمه الوطني وهو  يعيش لبنانيته من قارة تقبع في آخر العال،، قاداه للحنين والتغني بوطنٍ هرب من ساسته وحكّامه إلى غربةٍ جعلته يتعلق بمرابع صباه  أكثر من ايّ وقت مضى، ولعلّه سبقكَ في ترجمة هذه المعاناة والمشاعر إلى  صورٍ شعرية وزجلية. وكأني بك وجدته  يُجسد شعريًا مأساة بلد الرشيد ومنارة المجد التليد. ولكن الّا يوجد بعد أدبي أو بلاغة صورية حفزتك لتخطو مثل هذه الخطوة؟ فربّما الكثير من الشعراء الشرق اوسطيين المغتربين كتبوا عن هول الازمات في بلدانهم؟ فلماذا قصائد شربل بعيني تحديدًا؟ ما الذي وجدته في أدبه؟ فمثلا شاعر العرب الاكبر نزار القباني سبق تجربة عميد ادباء مهجرنا الاسترالي شربل بعيني بهذا المجال بقصيدته عنترة.
ودعني أكون اكثر وضوحًا: ما الذي وجدته في أدبه مغايرًا ومتميزًا عن شعراء كتبوا عن التجربة ذاتها؟
فجاءني الجواب كالاتي:
عزيزي الأب يوسف الجزيل الاحترام
"أنا لم ادخل في التفاصيل، فما قلته يحمل بين طياته حداثة بمعنى الكلمة، فعندما قلت انه استخدم تعابير شعبية في قصائده هذا يعني انه مازج البعد الواقعي مع الرؤية المستقبلية، وهذه احدى معالم الحداثة في الشعر، فهي تشبه عملية استخدام القناع والاسطورة، وعندما اقول انسجامه مع معاناة الانسان فهذا يعني انه ارتقى لمرحلة اعلى من المدرسة الغنائية من ذوات الانا.  وهكذا.. ترجمتي هذه لم تكن دراسة نقدية بل هي بداية الانجذاب، فعندما تجد لوحة تستهويك الصورة أولا لتقف ومن ثم تتأمل ...ما قصدته كان يشمل البعد الحداثوي في اللغة التي خلصها من كلاسيكيتها الممقوتة والشكل الذي اعطاه فضاءً واسعا ومضمونا جديدا واقعيا ".
 والحال بين العربية والسريانية كان تلاقح للروئ وتنقيح للأفكار بين شاعرين من العراق ولبنان،  كلاهما لخص المأساة بطريقته الخاصة. إنّها محاولة رائعة آمل ان تلحق بها وتتبعها محاولات أخرى في المستقبل إن قيض لك الله الأمر.
في الختام أمضي للقول:
حقًا غريبة هي الغربة، تجعلنا نحّن لوطنٍ هربنا من جحيمه إلى قرفها؛ غربة تجعلك مزروعًا في كلّ فضاءات العالم؛ ولكن ماذا ينفع المرء لو انتشر في كلّ الأوطان وخسر وطنه!  فيقيني أيها العزيزان الديراني والبعيني، أننا لم نخلق لنكون شتاتًا في الأرض ولم تلدنا أمهاتنا لنوقد شمعة عن روح الوطن في صومعة التشرد.
طوبى للعراق وللبنان اللذين انجباكما وهنيئًا للكلمة بكما. وشكرًا لمحبوبتي بغداد التي جمعتكما.

شربل بعيني أسطورة الأدب العربي المهجري/ الأب يوسف الجزراوي

في سدني كنتُ قد تعرفتُ بواسطة صديقنا العراقي السيّد زيد البيداري الموقر، على الصحافيّ اللبناني وهو السيّد جوزيف بو ملحم المُحترم صاحب مطبعة (راليابرس)، فغدا هذا الرجل الكريم والأمين أحد اصدقائي القلائل، ومع الأيام تعمقت صداقتنا،لاسيّما حين قمتُ بطباعة مجلة الكنيسة التي كنتُ أخدم فيها وطباعة أحد مؤلفاتي بمطبعته العامرة. مرّت الأيام ليعرض عليَّ السيّد بو ملحم / أبو أمين- رغبة صديقه الشاعر العربي الكبير شربل بعيني بالتعرف عليّ شخصيًا وإجراء مقابلة في مجلته (مجلة الغربة ) الغرّاء، لاسيّما بعد مطالعته لكتابي الموسوم(خلجات الذات الجريحة ج2). فقلتُ له: يا فرحة ما بعدها فرحة؛ فمنذ سنوات وأنا أسمع عن الشاعر اللبناني (رسّام الكلمات) شربل بعيني الذي تمكن من رسم أجمل الصور الشعرية والإنسانية بواسطة كتاباته العميقة المُعبرة عن عمقه ونضجه الإنساني، والذي أمتدحه الشاعر العربي الأكبر نزار قباني رحمه الله. ألتقينا في غذاء محبة في مدينة ميريلاند بسدني، فقلتُ في نفسي يا محاسن الصدف! وأخيرًا ألتقيت بالشاعر الذي كرمه بلدي العراق في مهرجان المربد الشعري سنة 1987؛ ذلك الشاعر الذي مُنح جائزة جبران خليل جبران العالمية. وبالفعل تم لقاء التعارف، وإذا بيّ أمام صرح أدبي عملاق! أملتُ سمعي إلى كلامه، أمعنتُ النظر فيه، تفرست في وجهه جيدًا، إنقضت ساعة وإثنتان، فالإستماع إليه شيّق ومُفيد، يُنسيك الطعام، فكلامه غذاء للفكر ودواء للذات، لباقته وحديثه وثقافته ونكاته جعلتني أنسى دروس الموسيقى وإلتزاماتي الكنسية والحياتية. مضت الساعات لنغادر المكان معًا، وليدعوني إلى زيارة مقر مؤسسته العامرة (مؤسسة الغربة الإعلامية)، كان لقاءً ثقافيًا، إنسانيًا مُثمرًا. ولا أخفيكم سرًا كم هو عظيم ومفيد أن يجتمع الإنسان بإناس تجمعه معهم شراكة الفكر والإبداع، أُناس نكبر من خلالهم فكريًا وروحيًا وثقافيًا وإنسانيًا.
وهكذا يومًا بعد يوم بدأت اواصر العلاقة تتوطد بيننا، فتعلمت من أدبه وكتبه الكثير، واستفدت من تجاربه الحياتية، فهو رجل قد أختبر الحياة واستوعب ما هو جوهري فيها.
كان لي الشرف بأن يقوم الأستاذ شربل بعيني بالمراجعة اللغوية لمؤلفي الموسوم" المبدعون غرباء عن هذا العالم" والذي صدر حديثًا في سدني، ولعلَّ أجمل ما قيل وكُتب في أدب الأب يوسف جزراوي ما سطرته انامله الذهبية حينما قال في كلمة كتبها وألقاها في حفل توقيع مؤلفاتي الثلاثة (ثلاثية الجزراوي) يوم 12/11/2011 على قاعة كنيسة مريم العذراء بسدني:".... فأبونا يوسف ينْبُشُ ما فَوْقَ الأرض وما تَحْتَها مِنْ أَجْلِ موعظةٍ يقدّمها لنا مُبَسَّطَةً كرغيف خبزٍ، ما أن يراهُ الجائعُ حتَّى يلتهمَهُ بصمتٍ وسعادة. فالجوعُ السماويُّ لا يشعرُ بهِ الإنسانُ إلاّ عَن طَريقِ كاهِنٍ طبّاخٍ، يعرفُ كيف يُعِدُّ وليمةً سماويةً تجذُبُ الجائعينَ إليها.. وَتُثَبِّتُ أَقدامَهم على طريق الخلاص".
ما لفت إنتباهي في كلمة إديبنا العربي الكبير في ذلك اليوم، ليس ما نطق به من كلمات جميلة صادقة صدرت من فيض قلبه وفكره وحسب، بل كيف استطاع أنْ يجعل الحاضرين والذي فاق عددهم عن الـ(300)، أن يصغوا بعمق ودراية ويشدهم للإستماع إليه باعجاب! إنَّ كلماته هذه، لوسام كبير على صدري وشهادة غالية أعتز بها من شاعر المهجر الأول.
لقد كُتبَ عن أدب وشخص الأديب شربل بعيني مئات المقالات وعشرات الكتب والتي تُزين اليوم رفوف مكتبتي التي تزيد عن ألف كتاب ومجلة. فقلت في قرارة نفسي:هل سأضيف شيئًا جديدًا أو أضيف رصيدًا معنويًا لبوصلة الشعر العربي في عالم الغُربة والإغتراب، وهل أسطورة الشعر العربي المهجري بحاجة لشهادة أديب صغير مثلي؟ هذا هو الهاجس الذي كان يراودني ويمنعني عن الكتابة. إلى أن تجرأت؛ فسحبتُ أوراقي وامسكت بقلمي وكتبتُ هذه السطور لسبب وجيه وهو: إنني أنشأت ذاتي على أن أكون وفيًا لكل من تعلمت منه شخصيًا أو من خلال كتاباته وخبراته، علاوة على ذلك فشربل بعيني يستحق أن يُكتب عنه مجلدات لا صفحات، فكانت هذه الكلمة المُقتضبة، علني أفي فيها أستاذنا وصديقنا الأستاذ شربل بعض حقه .
شربل بعيني مدرسة إنسانيّة مُميزة، تخطى بأدبه حدود العالم العربي ليُحلق إلى العالمية. بعد أن منح ثمار إبداعه للناس، وقدم عصارة فكره وأحساسه بأسلوب سلس وشيق يخلو من التعقيد ويبتسم أحيانًا بروح الفكاهة.
إنَّ من حق كل أمة أن تزهو بعباقرتها وتتباهى بأدبائها، ويحق لنا أيضًا أن نضع شربل بعيني في رأس مفاخرنا الأدبية في هذا العصر.
لقد أنجب لبنان العديد من المُفكرين والأدباء والفلاسفة والمبدعين.. والأسماء لا تحصى، ولكن هنالك ثلاثة مبدعين لا يمكننا أن نمر عليهم مرور الكرام. مُبدعون يعرفهم القاصي والداني بعد أن افرزوا للعالم رحيق إبداعهم، وهم جبران خليل جبران- ميخائيل نعيمة- شربل بعيني. ، ولا أنسى الكبير نزار قباني الشاعر السوري الذي عاش سنوات طويلة في لبنان.
لقد أشعل شربل بعيني شمعة حياته من طرفيها فاكتوى بنار الإبداع، وأنتج وأبدع لنا أكثر من خمسين مؤلفًا ومئات المقالات، جعلته نجمًا ساطعًا وخالدًا في سماء الأدب اللبناني والعربي والعالمي... فبصم بصمته في جبين الأدب والشعر والمسرح، ليوجّه أنظاره ويكرس وقته منذ زمن ليس بالبعيد إلى الإعلام الإلكتروني من خلال تلفزيون وراديو ومجلة الغربة الألكترونية.
إنّه شربل بعيني؛ الرجل الوقور، الشاعر الإنسان، والمؤلف المسرحي، والأديب العبقري، والكاتب المُميز، الطيب المُحب، الخلوق، الكريم المعطاء، طيب المعشر، بشوش الوجه، فصيح اللسان، حلو الكلام، عفيف النفس، صاحب المُخيلة الجامحة، الخدوم، قلبه ناصع البياض، حُرّ الكلمة، قلبه وفكره ينبضان بالحبّ والصدق والأمل والتشجيع والمواكبة والإبداع..هذا هو شربل بعيني كما عرفته كأديب وإنسان.
لقد حصد شربل بعيني منذ شبابه إلى يومنا هذا، أثمن الجوائز التقديرية، وحصد جملة من الألقاب. وكُرم كثيرًا، واعماله الأدبية أنتشرت في الكثير من ارجاء المعمورة، بعد أن تُرجم بعضها إلى لغات عدة. فكان ولا يزال وسيبقى نجمًا وضاءً. وكيف لا ينتبه العالم لأدبه وهو شمس الأدب العربي المهجري! فأدبه وجد كي يدوم.
لقد أُجريت معي العديد من المُقابلات واللقاءات، ولكني لن أنسى ما حييت المقابلة التلفزيونية التي أجراها معي الأستاذ شربل بعيني يوم 10/11/2011 في تلفزيون الغربة بسدني. ولا تسقط من ذاكرتي أيضًا اللقاءات التي حاورني فيها صديقنا الإعلامي المُميز غسان نخول. ما أريد قوله: لقد تعلمت هذه المرة الكثير والكثير، ولكن ليس من شربل الأديب، بل من شربل الإعلامي.
أختم كلمتي المُتواضعة هذه بأمنيتين، الأولى: أنْ يمد الله بعمر شاعرنا الكبير شربل بعيني ليرفد من خلال كتاباته ومؤسسته الاعلامية، الأجيال الحاضرة والقادمة بكل ما هو مُفيد وبناء. والأمنية الثانية: أنْ يُعاود امتشاق قلمه ليدبج لنا باسلوبه الرقيق والجذاب وباحساس الأديب والفنان أجمل الأشعار.... فبانتظاره الكثير من القرّاء.
الناس في رأيي ثلاثة في الأقل: الحاضر الحاضر. الحاضر الغائب. الغائب الحاضر....وشربل بعيني الأديب والإنسان هو نموذج للإنسان الذي إبدع وأثمر، فعاش ويعيش حضورًا حياتيًا وأدبيًا جعله من الأحياء الخالدين. وما الخلود؟ سوى انك تمر بالحياة وتلتقي بالآخرين، فتترك آثرًا، وبقدر ما يكون حجم وعمق وكثافة آثرك الإيجابي والإبداعي، بقدر ذلك سيكون حجم حضورك وخلودك في هذه الحياة.
شربل بعيني، قمر مُضيء في ليل الحياة.. إنّه بحق لأديب كبير. أطال الله بعمره. هذا أبسط ما يمكنني أن أتمنى وأقول.
**
هوامش:
[1]  لقد أشاد الأديب العربي الكبير شربل بعيني بوفاء الأب جزراوي لأستاذته، فيقول:" الملفتُ حقاً هو وفاءُ الكاهنِ يوسُف لِمَن ساعدَهُ من بعيدٍ أو قريبٍ، وهذا ما لم نَعُدْ نَجِدْهُ في هذا الزمنِ التعيسِ، زمنِ الوصوليّةِ والغدر، وهذا ما يُرَجِّحُ كَفَّةَ موعِظَتِه، ويجعَلُ المُتَلَقِّي يَرْضَخُ لها دون إدراكٍ منه".(كلمة شربل بعيني في تقدديم كتاب المبدعون غرباء عن هذا العالم. ألقيت يوم السبت 12/11/2011 في سدني).

الأب يوسف جزراوي
في ذكرى رسامتي الكهنوتية

شربل بعيني... كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم بالثمر/ الأب يوسف جزراوي

يداعبني أمل لا اراه بعيدًا، وأنا أعدّ كتاب "الأب يوسف جزراوي وهؤلاء" بأنْ يرى هذا الكتاب النور في المستقبل القريب  إنْ قيض لي الله. ولقد اعتاد القرّاء على موضوعية الجزراوي في الكتابة، لهذا  سيلقاني القارئ الكريم اشرح إنطباعاتي عن شخصيات ووجوه عرفتها عن قرب في شتى المجالات، بقدر ما أوتيت من معرفة وما أتيح لي من متابعة، وسيلحظ القارئ النبيه أيضًا عبرَ صفحات الكتاب المُشار إليه إعلاه  إنني امتلك من المرونة والإنصاف ما يتيح لي الكتابة عن الأشخاص والأحداث والمواقف، في إطارٍ من الموضوعية والتجرد والحياد الفكري والعاطفي .
وكعادتي لم أجز لنفسي، تدوين اسرار حياتية للذين عرفتهم وتقربت منهم،  أو احكامٍ عن شخصيات وسلوكيات اصحابها يتحكم فيها الهوى أو المزاج المُتقلب أو النزعات الشخصية. تجنبت الأنحياز لاحد وابتعدت عن  الآراء الظالمة والتحليلات الناقصة، نائيًا بنفسي عن  استخدام لغة هابطة أو معقدة  تدلّ على نقص المعرفة وغياب الرؤية، وسطحية الفكر وسذاجة الكلمة وقلة الخبرة.
أكتب اليوم عن  شخصية قريبة إلى القلب محببة إلى النفس محترمة من العقل. جمعتني به علاقة صداقة طيبة  تغلفها علاقة التلميذ باستاذه والأبن بابيه بل قلّ علاقة الكاهن بالراهب الحكيم،لأن الرجل كان دائمًا مثارًا للإعجاب والتقدير. كما إنني أكتب في هذه الصفحات عن نموذج لبناني ربّما اختلف بعض النقاد حول آرائه، ولكن الجميع اتفقوا على قيمته الفكرية وقامته الأدبية، فضلاً عن روحه المرحة ونفسه الصافية الوفية واخلاقه العالية، الذي تسامى عن الصغائر فلم يلهث وراء الجوائز ولم يتكالب على الأضواء ولم يضع العصا في طرقات الآخرين بل كان سلمًا يرتقون من خلاله للمجد. إذ ليس المهم أن تملك الموهبة وحدها، ولكن أن تُضيف إليها الشخصية الرصينة والجاذبية الإنسانية والخلُق الرفيع، فهذه كلّها تُعطي للكاتب ولكتاباته تألقًا وتفردًا، وهنا تكمن قيمة الأديب، حين يقرن الكلمات بالسلوكيات.
نموذجنا اليوم أسمه شربل بعيني  الذي ارى فيه عصرًا كاملاً يسير على قدمين، وفكرًا متقدًا لم تؤثر فيه سنوات الغربة الطويلة، ولا خطوب الزمان، ولا ندوب الأحداث. ولقد لفت نظري في أدبه، نقده وشخصه، هو امساكه لميزان الكلمة بحيادية وموضوعية قلّ نظيرهما في زماننا هذا، فضلاً عن أدبه الجم ونزعته الصوفية الواضحة وجاذبيته الإنسانية. فهو رغم كلّ هذا لا يزهو بما يملك من قامة أدبية، بل يزهو بتقربه من الله الذي قاده لينصف الذين جعلوا من اعماقهم فرنًا للكلمة، بعد أن غدت أفكارهم او كلماتهم خبزًا للجميع.
ولا تزال لصيقة بذاكرتي تلك الكلمة التي  أشاد  فيها الأديب العربي الكبير شربل بعيني بوفاء كاتب هذه السطور لأساتذته، يوم قال في أمسية إطلاق كتابي "المبدعون غرباء عن هذا العالم" بتاريخ 12/11/2011:" الملفتُ حقاً هو وفاءُ الكاهنِ يوسُف لِمَن ساعدَهُ من بعيدٍ أو قريبٍ، وهذا ما لم نَعُدْ نَجِدْهُ في هذا الزمنِ التعيسِ، زمنِ الوصوليّةِ والغدر، وهذا ما يُرَجِّحُ كَفَّةَ موعِظَتِه، ويجعَلُ المُتَلَقِّي يَرْضَخُ لها دون إدراكٍ منه".، فاليوم أودّ أن اسجل  واخصص في هذه الصفحات قليلاً من الكثير الذي عرفته عن أستاذي شربل بعيني، عسى أنْ يفي الجزراوي الأديب الصغير المغمور حق أستاذه الكبير وأبيه الروحي.
كنت اسمع عنه وأقرأ له مثل عامة الناس، إلى أن بادرني صديق  مشترك في ايار 2011 وهو الصحافي المعروف جوزاف بو ملحم ـ أبو أمين- برغبة صديقه الشاعر العربي الكبير شربل بعيني بالتعرف عليّ شخصيًا وإجراء مقابلة تلفزيونية في مجلته (الغربة) الغرّاء، لا سيّما بعد مطالعته لكتابي الموسوم (خلجات الذات الجريحة ج2). فقلتُ له: يا فرحة ما بعدها فرحة؛ فمنذ سنوات وأنا أسمع عن الشاعر اللبناني (رسّام الكلمات) شربل بعيني الذي تمكن من رسم أجمل الصور الشعرية والإنسانية بواسطة كتاباته العميقة المُعبرة عن عمقه ونضجه الإنساني. شربل الذي أمتدحه الشاعران  نزار قباني وعبد الوهاب البياتي رحمهما الله. وللتاريخ أقول فلكلّ ساقطة لاقطة: لقد تأثر شربل بعيني بابيه الروحي وملهمه الأدبي نزار قباني، سيّما بعد أن التقاه في بيروت عام 1968 واهداه باكورته الشعرية ديوان "مراهقة"، وقد نصحه شاعر العرب الأكبر القباني بالإبتعاد عن العامية والكتابة بالفصحى. وقد لا أكون واهمًا إن قلت: إنَّ شربل بعيني استمد من الشخصية العراقية جزءًا كبيرًا من الذكاء الأدبي والقدرة على تصوير المواقف الشعرية من خلال خبرته في المراسلة مع الشعراء الأب يوسف سعيد، عبد الوهاب البياتي، نزار حنّا الديراني. ولا غرابة في الأمر فعلى مرّ التاريخ شهدنا كيف عانقت النخلة العراقية الباسقة الأرز اللبناني الشامخ.
 ولا زلت أتذكر يوم رأيته للمرّة الأولى بجسده الضخم وصوته الجهوري حين نهض من مقعده وانتصب قائلا: "يا هلا بـالأبونا المفكر"؛ حيث التقينا معًا للمرّة الأولى في غذاء محبة وتعارف بأحد مطاعم مدينة ميريلاندز بسيدني رفقة الشيخ د. مصطفى راشد والصحافيّ جوزيف بو ملحم الذي كنا في ضيافته المعهودة، فقلتُ في نفسي  يا محاسن الصدف! وأخيرًا التقيت أنا البغدادي الهوى والمولد بالشاعر اللبناني الذي كرمه بلدي العراق حين صدح صوته وتغنى ببغداد في مهرجان المربد الشعري سنة 1987؛ ذلك الشاعر الذي مُنح جائزة جبران خليل جبران العالمية.
وجدت نفسي أمام شاعر لا يشق له غبار، بل قلّ  أمام صرح أدبي عملاق! أملتُ سمعي إلى كلامه، أمعنتُ النظر فيه، تفرست في وجهه جيدًا، إنقضت ساعة واثنتان، فالإستماع إليه شيّق ومُفيد، بحيث يُنسيك وجبة الطعام التي أمامك؛ كلامه غذاء للفكر، حكمته دواء للذات، لبق الحديث، واسع الثقافة، محفز للفكر.  شخصيته مرحة قادرة على توليد النكتة، محبة للدعابة، بحيث كان يبث النكات بين الحين والآخر اضفت على الجلسة جمالاً ورونقًا. لقائي الأول به جعلني أنسى دروس الموسيقى والتزاماتي الكنسية والحياتية!.
 في اليوم ذاته لبيت دعوة الرجل لزيارة مقر مؤسسته العامرة (مؤسسة الغربة الإعلامية)، وما أن وطأت قدمي أرض المؤسسة،  لتطلّ عليَّ  في الحال أوسمة وجوائز وميداليات ادبية وهدايا لا تحصى  من شخصيات أدبية وسياسية ومؤسسات ثقافية عديدة، ناهيك عن ما يزيد عن 60 كتابًا حصيلة 45 عامًا في رحلة الأدب الممتعة والشاقة. وليكن هذا سرٌّ بيني وبينكم : لَكَم هو عظيم ومفيد أنْ يلتقي المرء باناس تجمعه معهم شراكة الفكر والإبداع، ينمو خلالهم إنسانيًا وروحيًا وأدبيًا. وعندما برِحنا مكتبه نظر كلّ منا إلى الآخر وقلت لهم: إنه قيمة وقامة، إذ ما رأيت في حياتي قدرة على  موضوعية السرد مثل تلك التي تمتع بها هذا الرجل، فهو يرد الأمور إلى أصولها ويتعقب الظواهر إلى أسبابها.
ولعلَّ أهم الامور التي ينفرد بها عن الاخرين هو أنه يصغي بتمعنٍ ويستوعب الموضوع المطروح عليه ويرتب أفكاره قبل أن يتفوه بكلمةٍ، ويمتلك ناصية التأثير في الآخرين من خلال شخصية مرحة في غير أوقات الجد، شديدة الجدية أثناءه. وهو متحدّث لطيف المعشر؛ الجلوس إليه متعة، والحديث معه فائدة، والاقتراب منه هو اعتراف بمكانته وتأكيد لقيمته وحفاوة بعطائه المتجدد وتألقه المتواصل.
لقد لفت نظري أنه منهك الصحة، راحته تبدو في وحدته. تبدو على وجهه ندبات الزمن وعلى شعره المنكوش دلالات العبقرية التي لا تخلو من مسحة كبرياء شخصي، إلاّ أنه قريب من البسطاء والعامة، وله قفشات ونوادر يعرفها أصدقاؤه المقربون. ورغم اعتزازه الشديد بكرامته وقيمة قامته فضلاً عمّا حل به من أهوال وازمات حياتية وأدبية، فإنه يبدو سعيدًا مرحًا قريبًا من القلوب في المناسبات الاجتماعية المختلفة والأحاديث الأدبية  الخاصة التي يُقلّ في الحضور إليها. لقد وجدت استاذنا الجليل يوم زاملته  في مهرجان العراقية وأمسية تأبين الشاعر كاظم اسماعيل كاطع وحفل تأبين صباح وسعيد عقل يجمع بين رقي الشخصية وسمو النفس وعلو كعب موهبته على الآخرين. وتميزه  بحضوره الإنساني الطاغي وشخصيته الخلاّقة وقدرته على اختراق القلوب والعقول في وقت واحد.
ورغم أنني لمست في الرجل غصة دفينة وحزنًا خفيًا سيّما عندما يُقلّب سجل الذكريات ويفتح صندوق الذاكرة، لكنه لم يكن يومًا من أيام معرفتي به من ناشري مناخ الأحباط واليأس، بل على العكس تمامًا. ولقد تميز الرجل من بين أقرانه، بالصدق والاتزان والطيبة على نحوٍ اكتسب به احترام كلّ من حوله. وإن أنسى لا أنسى تلك الأمسية الأدبية المُصغرة التي جمعنني به في حديقة منزله العامر بمناسبة ذكرى ميلاده الحادي والستين بصحبة الصديقين الكابتن سعدي توما والاستاذ موفق ساوا، بعد تركي كنيسة مار توما التي كنت أخدم فيها بكلّ جوارحي، فرأيت أنْ أطرحَ عليه بعض همومي في جلسةٍ لم تخلُ من تبادل الهموم واستعراض المشقات التي تعرض لها الحاضرون، فإذا به يعبر عن تقديره لشخصي ويزيد على ذلك رغبته في المساعدة ، وهو أمر لا أنساه له ما حييت.
لقد قرأت عن شربل بعيني وسمعت عن لسانهِ: إنّه ابصر النور في بلدة مجدليا بقضاء زغرتا شمال لبنان عام 1951، ومنذ نعومة اظافره كان مولعًا بالقراءة، فاكتشف في سنّ صغيرة إنَّ علاقته مع الكلمة كانت كعلاقة الوليد بأمه. فدبجت انامله الذهبية اولى قصائده (قصيدة حرّة) نشرها بعمر 13 ربيعًا في إحدى المطبوعات بطرابلس وكان مطلعها: (عربي ما دمت انت عربي، فاخي انت ابن امي وابي). ثم اصدر ديوانه الشعري الأول وله من العمرِ 17 عامًا،  وقد انبهر  استاذه  الراحل "جليل بحليس" بذلك المراهق، فأطلق عليه لقب "فرخ فيلسوف". ويعد ديوان (فافي) الذي نشره عام 2013، آخر مؤلفاته، حيث تغنى فيه بالشاعرة والاديبة المصرية المعروفة فاطمة ناعوت.
يوم كان شربل  ذلك الشاعر المراهق  لم يكن يعلم أنَّ ديوان "قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة، لبنان 1970"، سينغص عليه الحياة، ويحرمه من لبنان ومن حضن الوالدة [1] التي كان لها اليد الطولى والاثر الكبير في نجاحات شربل الإنسانية والأدبية؛ ففي ليلة من ليالي مجدليا الحالكة الظلام، وبعد أن رأى الديوان النور، قصد خوري الضيعة بيت العائلة وابلغ والدة شربل بأنَّ الكتاب لم يرق لبعض اشباح المكتب الثاني اللبناني يومذاك، وعلى شربل أنْ يرحل وإلاّ سوف يرمونه في البئر!.
هرعت والدته اليه وراحت تتوسل كي يترك لبنان، لكن شربل ابى الرحيل، لانه  لم يخلق ليكون مشرداً في الأرض. ونزولاً لتوسلات الوالدة التي يكن لها حُبًّا جمًا، قرر شربل الهرب إلى ضيعة بعيدة عن يد البطش، ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان، إذ  ذات مساء دعي لالقاء قصيدة في مناسبة حزبية أو وطنية على ما أذكر من حديثه، نالت المديح، ولشدة الإعجاب قام بعض الحضور باطلاق العيارات النارية أحتفاءً وأنطرابًا بقصيدته التي ألبت عليه المعارضين والاعداء، وحتمت عليه الهجرة من لبنان قسرًا.
هاجر من لبنان عام 1971 إلى أستراليا، فوجد هناك مساحات من الحرية في الرأي لم يألفها في باريس العرب - لبنان، فلبنان كان باريسًا للعرب بجمالِ اراضيه وناسه وليس بساسته.
في أُستراليا امتهن شربل مهنة الحياكة في بادئ الأمر، إلى أنْ عملَ في التجارة، فادرك عن خبرةٍ ودراية كيف يجمع بين الأدب والتجارة؛ إذ مكنته التجارة من نشر نتاجاته الأدبية في المهجر الاسترالي، وقد أَلفَ المغتربون العرب أسمه كما أّلفوا الشهيق والزفير، بعد أنْ كتبت عنه الصحف العربية واجريت معه المقابلات على انواعها، فهو الذي كتب الزجل والشعر الحرّ والعامودي والنثر والمسرح بتفوق. ثم مارس رسالة التعليم في معهد سيّدة لبنان بعد عقدٍ من الزمن على دخوله سيدني، ألّف خلالها عشرات الكتب المدرسية التي ما زالت تُدرس في مُعظم المدارس الحكومية والخاصة، وأنشأ على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، كأستاذ للغة العربية، اجيالاً من التلامذة في معهد سيدة لبنان ـ هاريس بارك.
اغدقت عليه ألقاب كثيرة منها: أمير الأدباء والشعراء اللبنانيين في عالم الإنتشار، الأديب العبقري، شاعر المهجر الأول، سيف الأدب المهجري، ملاح يبحث عن الله، رسام الكلمات، أسطورة الأدب العربي المهجري، شربل بقلبي[2].
ولقد حصدَ شربل بعيني منذ شبابه إلى يومنا هذا، أثمن الجوائز التقديرية، وحاز على جملةٍ من الألقاب. وكُرم كثيرًا، واعماله الأدبية انتشرت في الكثير من ارجاء المعمورة، بعد أن تُرجم بعضها إلى لغات عدة. فكان ولا يزال نجمًا وضاءً. وكيف لا ينتبه العالم لأدبه؟ وهو شمس الأدب العربي المهجري! فأدبه وجد كي يدوم.
حاصل على عشرات الجوائز، منها جائزة جبران خليل جبران العالمية وجائزة الارز للأدب العربي، وجائزة امير الادباء اللبنانيين، وجائزة الإبداع من مؤسسة العراقية للثقافة والإعلام في 8 اذار 2012 بسيدني.، ودرع التكريم مع شهادة تقديرية من مؤسسة سواقي للثقافة والفنون بتاريخ 11/4/2014. وقد كرمته وزارة الثقافة اللبنانية بدرع الإبداع عام 2014 وهذه هي المرة الأولى التي تكرمه بلاده. كما أدرج اسمه مع نبذة عن حياته ومقطفات من شعره في معاجم عالمية وعربية أهمها: معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ـ الكويت، وموسوعة الشعر العامي اللبناني ـ بيروت، لبنان. إضافة الى الموسوعة الانكليزية التي أصدرتها جامعة ديكن في ملبورن عن الأدباء الإثنيين في أستراليا.
  
ولقد تميز شربل بالمزاج المتقلب أحيانًا والإنفعال السريع أحيانًا أُخرى، لكنه سرعان ما يعود ويهدأ ويلطف الأجواء خلال دقائق معدوة، ولا يغمض له جفن إن كان يعي أنَّ أحدًا قد أنزعج من كلمةٍ تفوه بها، أو سلوك أقدم عليه بغير قصد، فهو يعيد المياه إلى مجاريها بلطفٍ إنساني وكياسة عُهد بها. ومن خلال معرفتي الشخصية به ومطالعتي لنسبة كبيرة من نتاجاته، وجدته يولي المرأة  الواعية المبدعة اهتمامًا خاصًا وإحترامًا كبيرًا في حياته، وإنْ كان تعدد زيجاته نغص عليه مُتعة الحياة ورحلته الأدبية، لكنه لا زال يكن للمرأة نفس القدر من الإحترام والتقدير. وتلك على ما يبدو سمة تصيب بعض المفكرين والأدباء الذين يجدون في تقدير المرأة ملاذًا من ضغوط الحياة ووطأة الفكر!!
وفي زمن بات فيه الكثيرون ضيقّي الأفق في محبتهم للإنسان كإنسان، وجدت شربلاً تميزه البراءة، مُخلصًا مع نفسه ووفيًا ومساعدًا للآخرين. لا يتضايق من نجاح أيّ شخص، بل نلقاه يدعم ويسند الآخرين ويأخذ بيدهم إلى طريق النجاح ويؤمن لهم الإنتشار. منسجمًا وصادقًا مع نفسهِ والآخرين، يقول ما يريد قوله  دون مراوغة أو تمويه أو غش أو تملق...وقد علمني ونحن في هذا الزمن الرديء الذي يتوجب على المرء فيه أنْ يقول دائمًا ما يحب الآخرون أنْ يسمعوه، أنْ أقولَ كلمتي وأنْ أكونَ حُرّ الكلمة والمواقف حتّى لو وجهت لي سهام الغيرة والنقد، فعلى الأديب ألاّ يخشى لومة لائم ولا يهاب النقد الجارح غير الموضوعي.
في مطلع حياتي الأدبية وتحديدًا عام 2000 اسدى لي أستاذي الراحل الباحث الأب بطرس حدّاد، نصيحة مجانية مفادها: "أنت الآن دخلت في وسط لا تفقه خفاياه ومحنه، لانك في مقتبل العمر، ولكن أعلم يا ولدي أنَّ الدخول في رحاب هذا الوسط أشبه بتسلق الجبل، كلّما تقدمت  خطوة نحو القمة تأتيك ركلة لتعيدك إلى الوراء عدة خطوات".
ولقد وجدت صدى لتلك النصيحة في حياة الكبير شربل بعيني،  فكما أنَّ ذكاءَ المرء محسوب عليه فإنَّ تألق الأديب أو أيّ مبدع  في شتى المجالات يكون خصمًا له. وفي تاريخنا العربي على مرّ العصور تعلمنا دائمًا أنه ويل لمن تطول قامته أكثر من اللازم! وفي محيطنا الشرقي ادركنا كلّما كثرت الأضواء على شخص كلّما كثرت حاجته لسيارات الأسعاف!. وقد أصابتني دهشة وصلت إلى حدِ الذهول، حين قرأت كيف تناولت سهام النقد أدب شربل بعيني وشخصه، رغم أنه لم يتردد في نشرها إيمانًا منه بحرية الرأي الآخر... وقناعة بعدالة الزمن الذي يُعده الحكم النهائي والمطلق على نتاج الأديب. وكما أنَّ الشيء بالشيء يذكر، فإنَّ البعض من منتقديه عاد وأمتدحه وأثنى على شخصه وادبه، أما البعض الآخر فلم يعدل عن رأيه البتة.
حقق شربل أمورًا كثيرة، وأخفق في أمور أُخرى شأنه شأن سائر البشر، لأن الشاعر إنسان في أخر المحصلة؛ فالرجل كان يطمح إلى الأبوة ولم يحظَ بها، وذات يوم أسرّ إلي بأمنيةٍ لا تزال تؤرقه ومفادها:  "لو مَنّ الله عليّ بالأبوة لتمتلت بأبي". لكنه عاد وهمس لي بنبرة الإتكال على المشيئة الربانية: "لتكن مشيئتك يا ربّ".
كما سألته في إحدى الجلسات: لو عاد الزمن بك إلى  الوراء هل سوف تمتشق قلمك مرة أخرى وتجعله يعانق الورق؟ اجابني بسرعة: "نعم، وسوف أكتب أكثر ممّا كتبت،  لان الله كلمة والكلمة لا تموت". 
من مقولاته البليغة والخالدة: (العقل دائمًا يغلب البندقية شرط ألا يستسلمَ ). (البخيل انسان يموت مرتين ليعيش ورثته من بعده)). الأديب الذي يستعطي الناسَ من اجل نشرِ ادبهِ سينشر الناس ادبه على السطوح)،(الغرور داءٌ قاتلٌ لا يفتكٌ إلاّ بصغارِ العقول).(معظم الذين يحبون الجلوس على طاولات الشرف بلا شرف).
وللرجل موهبة الخطابة، فقد تميز عن اقرانه بأنه ملك المنبر، ولا شك أنَّ براعة الخطيب والشاعر أو أيّ متحدّث مهما علا قدره تتحدد في قدرته على الإيجاز وصياغة الفكرة العميقة في كلماتٍ قليلة وباسلوبٍ سلس والقاءٍ يشدّ الآخرين إليه. وقد  تعلمت من شربل كيف أقف أمام المرآة والقي كلمتي خلال فترة زمنية لا تتجاوز الخمس دقائق قبل أنْ  أعتلي خشبة المنبر! ولا تزال نصحيته تصول وتجول في ذاكرتي: " يا أبونا تذكر أنَّ المتحدث الذي يكثر الكلام على المنبر يضجر من حاله قبل أنْ يضجر منه الآخرون".
أما عن وصيتهِ فقد كتب: "وصيتي قبل أنْ أموت أنْ لا يقال أنني مُت".  وكيف يموت شربل بعيني الشاعر والإنسان في ذاكرة الاجيال وهو القمر المُضيء الذي لا يعرف الكسوف.
عبرَ رحلة الثلاثين من العمر أدركت بوضوحٍ تام من كلّ المرموقين الذين ألتقيتهم في مجالات: الدراسة والكهنوت والأدب والفكر والثقافة وأصحاب الشهرة في الفن والرياضة والسلطة الذين جمعتني بهم الحياة من مُنطلق خدمتي الكهنوتية ورسالتي الأدبية، أنَّ الإنسان هو الإنسان مهما علا شأنه أو تواضع قدره، وأنَّ توزيع الأدوار في الحياة قد جاء في كثير من الأحيان عبثيًا وغير عادل، فهناك من يولد موهوبًا وهناك من يولد مُعاقًا! وهناك من تحظى بقدرٍ من الجمال وهناك من تحرم منه منذ لحظة الولادة! وهناك من يولد والظروف في خدمته، وهناك العكس تمامًا! أما عن شربل بعيني فلا يسعني ألا القول بأنه يمضي والتوفيق مع خطاه. يحالفه الحظ دائمًا ويمشي النجاح في ركابه أينما حلّ لأنه عرف كيف يختبر الحياة ويستوعب ما هو جوهري فيها ليرسم معانيها في كتاباته ويجسدها في سلوكياته النبيلة، وهذه نعمة ربانية من جهة، ومهارة ذاتية من جهة أخرى.
كتبَ شربل بحبر القلب، فقد كنتُ ألتهم صفحات كتبه قبل سنوات خلت مع غيرها من روائع الأدب العربي والعالمي وتراث الفكر الإنساني مثل الكثيرين من أبناء جيلي الذين استهوتهم المطالعة الورقية على خلافِ الجيل الحديث والمعاصر الذي اراه يميل بشدة إلى القراءةِ الالكترونية. ولعلّي هُنا اخبركم سرًا: خلال مطالعتي لمؤلفات شربل كان يعجبني فيها استغراقه الشديد بالتغني بلبنان وبالعراق الذي يعد من البلدان العربية التي نال منها إنتشاره العربي عبرَ المربد. إنّه المربد العراقي وما أدراكم ما المربد؟ كما شعرت أيضًا مع صفحات كتبه أنه أديب كبير وإنسان عظيم، يخفي وراء سطور كتاباته آراءً سياسية حبيسة ومواقف مختفية ممّن يديرون المشهد السياسي بلبنان الجريح.
سنوات مرّت من التألق والشهرة والالقاب والجوائز، لكن شربل  ظلّ يتحسس في قرارة نفسه أنَ حاجة واحدة تنقصه، وهذه الحاجة هي التقرب من الله، وها هو منذ سنوات منصرمة يبحث ويتعمق. وإن كان قد كرس ما مضى من رحلة العمر للشعر والأدب والكتابة، ها هو منذ زمن ليس بالبعيد قد كرس نفسه كراهب في صومعته  الكلمة يبحث عن الله.

شهادة للتاريخ أقولها في مسك ختام هذه السيرة: سيبقى شربل بعيني في ضمير القارئ العربي قمرًا مضيئًا وشمسًا ساطعة ونجمًا  لامعًا، لا ينساه  القارئ وكلّ من عرفوه عن قرب، ويكفي أن أقول إنه لا يغيب أبدًا عن ذاكرة أبناء لبنان بأعتباره البلد الذي جُبل من تربته، ولا يغيب عن ذاكرة استراليا التي قضي فيها ثلثي حياته وأطول مدة من النتاج الأدبي الجاد، فارتبط المشهد الثقافي العربي  باسمه واقترنت صورته الحديثة بإنجازاته الغنية، فالجميع يحملون شعلته المضيئة  ويكنون المحبة والولاء لاسمه الكبير.
وسيظلّ شربل كبحر لا يمكن سبر أغواره، نكتشف فيه كلّ يوم اللآلىء والأسرار الخفيّة، ونظلّ بحاجة إلى مزيد من الغوص والتبحر لاكتشاف كنوزه الإنسانية. ونظل بحاجة للنظر في فضاء أدبه الخالد للتحليق عاليًا، علنا نبلغ بعض أجوائه، ونستنشق قسطًا من أنسام عبير سُموّه.
 لقد عاصر الرجل  زمنًا جميلاً احتفظت فيه الكلمة بجلالها والفكرة بعمقها والنظرة بموضوعيتها، ولا غرو أن قلت أنه من زمن الشوامخ ومن طينة الكبار كجبران وميخائيل نعيمة و سعيد عقل والجواهري وعبد الوهاب البياتي و يحيى السماوي، الذي أطلق عليه لقب "عميد الأدب المهجري" في كلمة منشورة بموسوعة شربل بعيني بأقلامهم الالكترونية.
إنّه شربل بعيني كما عرفته، فقد أدركته كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم  بالثمر، ولا عجب في هذا، فالمعادن الطيبة لا تصدأ أبدًا، وإنَّ شموخ الرجال العظام يجعلهم كالأشجار الطيبة الثمار واقفين باسقين حتّى نهاية رحلة العمر.
إنني  اليوم، أحني الرأس احترامًا لأسم شربل بعيني وأجلالاً لشخصه البريء وعطائه المتصل بالثقافة ودوره المرموق في تاريخ الأدب الحديث، فقد أقتحم بقلمةِ وكلمته الكثير من الأبواب الموصدة وعالج بحنكته العديد من الموضوعات الشائكة. تحية عراقية  مني لذلك الارز الشامخ الذي يبدو لي ولغيري دائمًا "كالصائغ" الذي ينتقي الفصوص النادرة والمعادن الاصيلة النفيسة ثم يصوغها أمام القارئ في حلة قشيبة،
هذا قليل من كثير عن قديس الكلمة شربل بعيني الذي يقف من زمنٍ على قمة هرم الثقافة المهجرية. آمد الله بعمرهِ . آمين.
 ــــــــــــــــــــــــــ
 (1) إن نسيت فلا أنسى أنطباعات أصدقاء شربل عن تلك المرأة؛ فقد سمعت منهم خلال أطراف الحديث ( الله يرحم أمك القديسة يا شربل). ولا أعلم أيّ صمت كان يراود الرجل يوم باح لي بما يخالجه في الاعماق: "ما اشتقت إلى شيءٍ في حياتي قدر اشتياقي إلى حضن امي". لقد طبعت والدته اثرها في حياته أكثر من أيّ إنسان آخر. وإنْ كانت الحكمة تنص:  وراء كلّ رجل عظيم أمراة،  فشربل كان وراءه سيّدة قديسة، رحلت عن عالمنا  الفاني هذا منذ سنوات خلت. عليها رحمة الله.
2) أطلق هذه التسمية على شربل كلّ من الأب يوسف جزراوي والمخرج المسرحي موفق ساوا.

شربل بعيني.. بقلوبنا/ الأب يوسف جزراوي

حين تزور مؤسسة الغربة الإعلامية في سيدني ـ استراليا، تطالعك في الحال أوسمة وجوائز وميداليات وهدايا من شخصيات أدبية وسياسية ومؤسسات ثقافية عديدة، ناهيك عن ما يزيد عن 60 كتابًا حصيلة 44 عامًا في رحلة الأدب، كرس خلالها الأديب العربي الكبير والإعلامي القدير شربل بعيني نفسه ليكون قنديلاً يُضيء ليالي البشر في كل بلد قرأت فيه كتبه أو نشرت فيه مقالاته أو في الأقلام التي تناولت سيرته العطرة وأدبه الممتع وشعره الخالد.
إنّه شربل بعيني كما عرفته قبل نحو سنة تقريبًا ولكنها كانت كافية وكفيلة كي يكون هذا الرجل الوقور بمثابة أبي الروحي وأستاذي الذي بصم بصمته وأثره البليغ في نفسي ومسيرتي الثقافية والأدبية والكهنوتية. فالزمن لايقاس بطوله بل بكثافته.
عشرات الجوائز والهدايا وآلاف المقالات التي كُتبت عنه وعشرات الكتب التي تناولت سيرته الزكية.
إنه شربل بعيني (بقلبي) كما أطلقناها مع صديقنا المخرج المسرحي المعروف الأستاذ موفق ساوا. شربل بقلبي، هو الإنسان الحق، الذي ابصر النور عام 1951 في بلدة مِجْدَلَيّا ـ لبنان الشمالي، من ابوين توفيا برائحة القداسة.
مجدليا حبيبته، هي تلك البلدة التي أُجبر على تركها مهاجرًا إلى استراليا بسبب كلمته الحرة، وفي بلاد الغربة لم يكتفِ بكتابين اصدرهما في لبنان في سن المراهقة، ولم يقع أسيرًا لغربته ووحدته، بل انتج العديد من الكتب الشعرية والأدبية التي فاق عددها الستين.
إمتدحه شاعر العرب الأكبر نزار قباني والشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي. أغدقت عليه ألقاب كثيرة منها: امير الادباء والشعراء اللبنانيين في عالم الإنتشار، الأديب العبقري، شاعر المهجر الأول، سيف الأدب المهجري، ملاح يبحث عن الله، ورسام الكلمات، أسطورة الأدب العربي المهجري.
حاصل على عشرات الجوائز، منها جائزة جبران خليل جبران العالمية وجائزة الارز للأدب العربي، وجائزة امير الادباء اللبنانيين، وجائزة الإبداع من مؤسسة العراقية للثقافة والإعلام في 8 اذار 2012 بسيدني. كما أدرج اسمه مع نبذة عن حياته ومقطفات من شعره في معاجم عالمية وعربية أهمها: معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ـ الكويت، وموسوعة الشعر العامي اللبناني ـ بيروت، لبنان. إضافة الى الموسوعة الانكليزية التي أصدرتها جامعة ديكن في ملبورن عن الأدباء الإثنيين في أستراليا.
صدح صوته عام 1987 في مهرجان المربد الشعري الثامن في بغداد، فقال عنه الأب الأديب الدكتور المرحوم يوسف سعيد: لقد هزّ شربل بعيني المربد الشعري. وكان التلفاز العراقي وطوال اسبوع بطوله يختتم نشرة الأخبار بقصيدته التي طبقت شهرتها الأفق: أرض العراق.. أتيتك. وأذكر للتاريخ، فلكل ساقطة لاقطة: يعد الأستاذ بعيني أول شاعر مُعاصر ينشد قصائده في المربد بمزيج العامية اللبنانية والفصحى!! وهذا كان مُخالفًا لتقاليد المربد، ومع ذلك وقف الحضور أجلالاً له وهتفوا وصفقوا لقصيدته.
ألّف عشرات الكتب المدرسية التي ما زالت تُدرس في مُعظم المدارس الحكومية والخاصة، أنشأ على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، كأستاذ للغة العربية، اجيالاً من التلامذة في معهد سيدة لبنان ـ هاريس بارك.
ترجمت كتبه إلى لغات عالمية عديدة، إنه أبن لبنان الأديب العربي الكبير الأستاذ شربل بعيني صاحب مؤسسة الغربة الإعلامية. الذي يحتار القلم ماذا يكتب عنه!
يستهويه البحر، فما ان يراه حتى يسرع إلى امتشاق القلم ناسيًا ما حوله، مُحلقًا في عالم الفكر والأدب ومخترقًا بياض الورق بجرأة وخصوصية، وإنسانية الشاعر الخلوق الجريء الذي تبنى خلالها منهجًا شعريًا يسمو بعاطفة المحبين.
شربل بعيني مُخلصًا مع نفسه ووفيًا ومساعداً للآخرين. لا يتضايق من نجاح أي شخص بل هو من يدعمه ويسنده ويأخذ بيده إلى طريق النجاح. منسجمًا وصادقًا مع نفسه والآخرين، يقول ما يريد من دون مراوغة أو تمويه أو غش أو تملق.
صدقوني انني أرى في أستاذي شربل، الإنسان الذي تجسدت فيه كل معاني الإنسانية ما جعله قريبًا إلى القلوب.
أثرى قلوبنا وعقولنا بادبه.. إنسان، أب، معلم، كاتب، شاعر وأديب من الطراز الأول! يذهلنا بسمو أخلاقة مع كل إطلالة مُشرقة بتأملاته و همـسـاته ومواقفه الإنسانية النبيلة وبشاشته، وكتاباته وواقعية فلسـفته.
كلماته تلتصق بالعقول وتعشش بالقلوب. قلمه لا يبوح إلا بالصدق والصراحة .. بعيد عن النفاق والغش والخداع والمنافسة غير الشريفة.
إنسان حساس وأديب مفكر، ناقد وكاتب وباحث طالما ساهم قلمه في نشر الثقافة ورفع سقف الوعي لدى القارىء.
هذه هي حصيلة سنة من معرفتي به. ربما سيقول البعض، ربما سنة واحدة غير كافية كي تطلق لقلمك العنان كي يكتب كل هذا الأطراء.
فاجيبكم: من المُمكن أن تربطكَ علاقة أو معرفة بشخص ما، أو من المُمكن أن تقضي سنين طويلة بجانب شخص، صديق، عائلة، أقرباء، زوجة، وظيفة، عمل، مهنة، خدمة (وأضيفوا أنتم ما تريدون).. لكنه يبقى بعيدًا وغريبًا عنك ولا يمسك بالصميم، ولا تشعر بالإنتماء الحقيقي له، لأنك لم تكن في علاقة صحيحة معه. وهُناك أشخاص تلتقي بهم لأيام أو لساعات قلائل او لشهور، فتشعر وكأنك تعرفهم منذ سنوات خلت، وتجد روابط كثيرة بينكم، فترى ذاتك مُنسجمًا معهم في أكثر من أتجاه! لأنهم أهل كي يكونوا من المقربين إليك. وشربل بعيني أهل كي يكون ابًا واستاذًا وموجّهًا لكاتب هذه السطور.
بعد أن نال شربل بعيني المجد الدنيوي، ظلّ يتحسس في قرارة نفسه، أن حاجة واحدة تنقصه، وهذه الحاجة هي التقرب من الله، وها هو يبحث ويتعمق..... وأن كان قد كرس وقته بالأمس للشعر والأدب والكتابة، ها هو منذ زمن ليس بالبعيد قد كرس نفسه كراهب في صومعته يبحث عن الله.
وليس من قبيل المغالاة ان قلت: شربل بعيني بحر لا يمكن سبر أغواره، نكتشف فيه كل يوم اللآلىء والأسرار الخفيّة، ونظلّ بحاجة إلى مزيد من الغوص والتبحر لاكتشاف كنوزه الإنسانية. ونظل بحاجة للنظر في فضاء أدبه واخلاقه للتحليق عاليًا، علنا نبلغ بعض أجوائهما، ونستنشق بعض أنسام عبير سُموّهما.
إنه الأديب الذي ترك كل شيء باحثًا عن القداسة. إنه شربل بقلوبنا.
أمد الله بعمره. أمين.
إبنك وتلميذك دومًا
الأب يوسف جزراوي
سيدني في عيد مار يوسف البتول
19/3/2012