‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى الحلوة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى الحلوة. إظهار كافة الرسائل

مؤلفات شربل بعيني في مكتبة رابطة الجامعيّين في الشمال



استقبل رئيس رابطة الجامعيّين في الشمال غسان الحسامي رئيس الإتحاد الفلسفيّ العربيّ الدكتور مصطفى الحلوة، "الذي يمثل إحدى اهم المرجعيّات الفلسفيّة في لبنان والعالم العربيّ".

استهلت الزيارة بجولة تفقديّة في قاعات المقرّ وغرفه حيث اطلع على أعمال التأهيل والتحسينات التي طرأت، ولا سيما تعزيز المكتبة وتخطي محتوياتها عتبة الثلاثة آلاف كتاب، ومراجع في التشريع اللبنانيّ - القانون، فضلاً عن المكتبة الإلكترونيّة التي تضم نحو 250 برنامجاً في علوم اللغات والمعلومات العامّة، وكلها سوف تكون بمتناول محبّي المطالعة والباحثين من خلال مبادرة "يرجع للكتاب عزّه" التي دخلت حيّز التنفيذ، وذلك بين الساعة 12 - 2 من ظهر كل يوم جمعة.

ثم قدّم الدكتور "مصطفى الحلوة" الى مكتبة رابطتنا هديّة قيّمة عبارة عن مجموعة من أعمال عميد الأدب الإغترابيّ شربل بعيني والتي أرسلت إلينا من حيث موطنه الثاني "سيدني - أستراليا، والبالغ عددها 77 كتاباً، أثرت مكتبتنا وأغنتها، وحلت قيمة مضافة عليها.

إثر ذلك توجه رئيس رابطة الجامعيّين في الشمال من كل من الأخ الكبير الدكتور مصطفى الحلوة والعميد شربل بعيني بأسمى عبارات الشكر والإمتنان على التفاتتهما العظيمة وكرمهما السخيّ بتقديمهما تلك المراجع القيّمة.

وقد ألقى الحلوة والحسامي كلمة مسجلة سوف ترسل إلى استراليا، عبّرت عن اعتزازهما ببناء هذا الجسر الثقافيّ المميز الذي يربط بين سيدني وطرابلس، وبين منتدى العميد "بعيني" ورابطة الجامعيّين في الشمال العريقة التي يعود تاريخ تأسيسها للعام 1964.

المكان؛ مقرّ رابطة الجامعيّين في الشمال - طرابلس

الزمان؛ الجمعة 16 كانون الأول 2022

---------------------------------

العميد شربل بعيني في سطور؛

- ولد عام 1951 في بلدة مجدليا - محافظة لبنان الشماليّ

- هاجر الى أستراليا عام 1971.

- هو أحد الشعراء اللبنانيّين المغتربين في أستراليا، كان أول من أصدر ديواناً شعريّاً باللغة العربيّة مطبوعاً في أستراليا اسمه "مجانين"، وقد اختارته الجامعة اللبنانيّة الثقافيّة - قارة أميركا الشماليّة أميراً للشعر الاغترابيّ عام 2000، كما منحته رابطة إحياء التراث العربيّ جائزة جبران العالميّة، وكرمته السفارة اللبنانيّة في العاصمة الأستراليّة كانبرا عام 1987٠

- شارك بمهرجانات المربد الشعريّة في العراق عام 1987، وقال عنه يومذاك الدكتور الأب يوسف سعيد: شربل بعيني هزّ المربد الشعريّ الثامن في العراق.

- أصدر العديد من الكتب المدرسيّة والأدبيّة، وألف وأخرج العديد من المسرحيّات التي أسهمت ببناء مسرح الأطفال العرب في أستراليا.

- كتبت عنه المؤلفات الكثيرة، وترجم العديد من مؤلفاته إلى الإنكليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة ولغة أرديّة والسريانيّة والفارسيّة.

- حصد الكثير من الجوائز ومنها؛ درعاً تكريميّاً من وزارة الثقافة اللبنانيّة عام 2014 لنشاطه الشعريّ المميز.

“المهرجان الأوّل للقصيدة بالمحكيّة اللبنانية”/ تظاهرة أدبيّة أشّرت على المرتبة الرفيعة لمحكيّتنا في تراثنا الأدبيّ!



بقلم د. مصطفى الحلوة

رئيس”الاتحاد الفلسفي العربي”


ثلاثةٌ شبكوا الأيدي، رفعوها إلى الأعلى، وكأنّنا بهم يُقسمون على أن يبقوا متكافلين متضامنين، كي يُحيلوا لبنان، من جنوبه إلى جبله فإلى شماله، مساحةً لحراك فكري راقٍ، علّهم يُبدّدون العتمة التي تدهمنا، من كلّ فجٍّ عميق!

ثلاثةٌ باتوا شموسًا، إذْ وطّدوا العزم على تبديد ليلنا الطويل، مُدخلين الفرحَ إلى قلوبنا، بعد طولِ تجهُّم وعبوس!

ميراي شحادة، رئيسة”منتدى شاعر الكورة الخضراء”، وحسّان عصمت، رئيس “منتدى شواطىء الأدب”، ومردوك الشامي، رئيس”ملتقى حبر أبيض”، هم الشموس، أضاءوا أيامنا الثلاثة الخوالي بِ “المهرجان الأوّل للقصيدة بالمحكيّة اللبنانية”، برعاية من وزارة الثقافة واتحاد الكُتّاب اللبنانيين،  فكانت ثلاث أمسيات، أولاها في بشامون(عاليه)، والثانية في العباسيّة(صور)، والثالثة حطّت الرحال في مسقطي، طرابلس الفيحاء! كان المهرجان  بحقّ تظاهرة أدبيّة ووطنيّة جامعة، احتشد لها خمسة عشر من شعراء المحكية والزجل، وواكبها جمهور “ذوّاق”، تفاعل، إلى مدى بعيد، مع غالبيّة هؤلاء الشعراء، الذين نمّوا عن علوّ كعب، في عالم الشعر، بالمحكيّة اللبنانية. بل أنهم أرهصوا بحركة تجديد، في هذا اللون الشعري !

لقد قُدّرَ لي- وأنا المهجوس حديثًا بالشعر المحكي- أن أُشارك، حضورًا، في الأمسية التي استضافتها طرابلس(قصر نوفل)، حيث تقاطر العشرات، الذين أنصتوا لكلمات “ليست كالكلمات”، تصدح بها حناجر الشعراء، المنتمين إلى مناطق مختلفة من لبنان.

إستهلالًا بالنشيد الوطني اللبناني، وتمهيد رائعٌ للأمسية وتعريف بالمتكلمين والشعراء، من قِبل د.أماني فارس أبو مرّة. كانت كلمة للشاعرة المبدعة حنان فرفور(ملتقى حبر أبيض)، أعقبتها كلمة د.وداد الأيوبي( إتحاد الكُتّاب اللبنانيين). ثم توالى الشعراء على قراءة نماذج من نتاجهم، فأجادوا جميعًا، بنسبٍ متفاوتة. علمًا أن الشاعر غي خوري استأثر بانتباهي وأخذني طائعًا إلى أماكن قصيّة، لعلّها في عالم آخر، فرأيتُ إليه “شاعر المفارقات”! وقد زففتُ له هذا اللقب ! وإذْ استفسرتُ عن دواوينه المطبوعة، فاجأني بأن ليس له دواوين منشورة، بل هو يكتفي بنشر قصائده على صفحته (الفيسبوك)، فوعدته بأنّني سأتدبّر بعضًا من  قصائده، عبر دراسة نقديّة. كما كان للشاعر يامن رضا أن يخطفني إلى عالمه الأثيري، لما يتمتّع به من قريحة صافية، تُحاكي قمر مشغرة، في عزّ ليلة من ليالي صيفها الجميل! وكذا الأمر مع الشاعر المحامي مارون ماحولي، الذي يجمع الصنعة إلى الموهبة الشعرية، فهو متعمّقٌ في المحكية، وواضع كتاب/مرجع حولها، سيُوقّعه في 18 تشرين الثاني 2022. وعن الشاعرين الآخرين قيصر ميخائيل وعلي دهيني، فإن لكل منهما نصيبًا من تميّز.

لا شكّ أنّ أن الأُمسيتين الأوليين، في بشامون والعبّاسية، قد أحرزتا عين النجاح، الذي أحرزته الأُمسية الطرابلسية، إذْ ثمة ثُلّة من الشعراء المشتهرين أحيت هاتين الأُمسيتين.

..بقدر ما أفدتُ من أمسيتنا، ومن أعمال المهرجان كافة، التي تمّ نشرُها على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ازددتُ إصرارًا على متابعة مشواري البحثي مع المحكية، ومع الشعر بالمحكية اللبنانية. في هذا المجال، كان أن وضعتُ دراسة مقارنة بين الفصحى والمحكية، صدرت في سيدني-استراليا (2020)، واتخذتُ الشاعر شربل بعيني أنموذجًا لهذه الدراسة، وقد جاءت بعنوان” شربل بعيني بين الفصحى والمحكيّة”. علمًا أنّ هذا الشاعر هو عميد الشعراء في المغترب الاسترالي( مضى على اغترابه 52 سنة، وهو ينظم بالفصحى والمحكية).

وإلى ذلك، لي عدة مراجعات نقدية منشورة في مؤلّفاتي، حول الشعر بالمحكية، لشعراء مقيمين ومغتربين، في عدادهم: المحامي غابي فؤاد دعبول، الشاعر المغترب الراحل روميو عويس( مراجعة ثلاثة من دواوينه)، إضافة إلى الشاعر شربل بعيني، آنف الذكر، إذْ أجريتُ مراجعة لخمسة من دواوينه تترجّح بين الفصحى والمحكيّة، وهي تُشكّل محتوى كتابي المنوّه عنه آنفًا.

من خلال هذه الدراسات النقدية، ودراسات أخرى عتيدة، حول المحكيّة والشعر بالمحكيّة، نذهب إلى أنّ المحكيّة ليست”حرفًا ناقصًا”، إذا جاز القول، فهي لا تقلُّ غنىً وجماليّة عن الفصحى!..فالشاعر شربل بعيني استطاع ، عبر ديوانه”مناجاة عليّ” بالمحكيّة، أن يجوز به إلى العالميّة، إذْ تمّت ترجمته من العربية إلى الإنكليزية والفرنسية والاسبانية والفارسية والأورديّة. وقد مُنح عليه جائزة الشاعر المبدع جورج جرداق. وكذا الأمر مع ديوانه “مراهقة”(1968)، و”رباعيات”(ط،رابعة 2016)، و”الله ونقطة زيت”(ط، ثالثة، 2016) .. هذه التجارب  الشعرية بالمحكيّة، رفعها البعيني في وجه “أكليروس” العربية الفصحى المتشدّد، مُسقطًا الذرائع المتهافتة التي يُحاجّون بها في إلقائهم الحُرم على المحكيّة!

وإذْ أراد شاعرنا البعيني أن يُسقط ذريعة أنّ لجوء بعض الشعراء إلى المحكيّة مردُّه إلى عجز لديهم عن النظم بالفصحى، فقد كان له أن ينظم “المربديّة”، وهي من مطوّلاته الشعرية، ألقاها في المربد الثامن في العام 1987، متوسّلًا ألوان الشعر العمودي والحرّ والعامّي والزجلي، وكانت موضع إعجاب منقطع النظير!

ولا ريبَ أنّنا لا نجانب الصواب حين نرى إلى المحكيّة “القوت اليومي للشعوب”، كونها تعكس حركة الحياة اليوميّة، بصُدقيّة عالية، وتجسّد الوجدان الشعبي بمحمولاته وتشعّباته، كأحسن ما يكون التجسيد! والمحكيّة ليست الندّ المنافس للفصحى، ولا الساعية إلى إقصائها لتكون بديلةً منها! وغالبًا ما يُردّد بعض الألسنيين المنفتحين أنّ العاميّة/المحكيّة هي الخزّان الاستراتيجي الاحتياطي للفصحى. فهي تمدّها، على مرّ الأيام، بدفق من كلمات وتعابير تتقبّلها، من منطلق أنّ اللغة كائنٌ حيٌّ، يخضع لسُنن التطوّر.

وفي مقاربة محكيّة ديوان “مجانين”(1976) للبعيني،تذهب الكاتبة والناقدة الفلسطينية الأسترالية د.نجمة حبيب إلى القول:” ..اللغة المحكيّة امرأة غجريّة حُرّة، جريئة صريحة، لا تُوارب، منطلقة على سجيّتها، تُمتع وتُشتهى بأكثر ما تفعل أختها الفصحى، ربّة الصون والعفاف، المترفّعة في برج عاجي”( شربل بعيني بين الفصحى والمحكيّة، صادر في سيدني 2020، ص 94)

..عودٌ على بدء، إلى أمسيتنا ، التي لا زال صدى جمالاتها يتردّد في نفسي أكثر مما يتردّد على مسامعي، فهي ستكون مدخلًا إلى ندوة حول القصيدة بالمحكيّة اللبنانية، فنتّخذ لها أنموذجين، هما: عميد شعراء المغترب الأسترالي شربل بعيني، والشاعر المحامي مارون ماحولي. وبهذا نُجسّر الهوّة بين الشعر بالمحكية اللبنانية بين لبنان المقيم ولبنان الانتشار!

هذه المهمّة نضعها على عاتق الثلاثي، مُتشابك الأيدي: ميراي شحادة وحسّان عصمت ومردوك الشامي، كي يتنكّب تنظيم هذه الندوة، فيكون انتقالٌ من مستوى “المهرجان” إلى المستوى البحثي  التطبيقي العملاني، فتتكامل المسألة فصولًا !

مطارحات في أروقة المعرفة: مراجعات نقدية وبحوث في الفكر العربي المعاصر: كتاب الدكتور مصطفى الحلوة الجديد

 



ماذا تفعل عندما تجد نفسك عاجزاً عن الكتابة؟

ماذا تفعل عندما يقع بين يديك كتاب موسوعي مؤلف من 700 صفحة من الحجم الكبير، نشره منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي، الذي تشرف عليه ابنته المهندسة والشاعرة ميراي شحادة حداد؟

ماذا تفعل أمام مؤلف موسوعي ضخم قد يلزمك عام كامل كي تنتهي من مطالعته؟

ماذا تفعل عندما يكون الاهداء المرفق بالكتاب قطعة أدبية نادرة؟

ماذا تفعل إذا لم تكن بمستوى صاحب الكتاب أدبياً.. وإنسانياً؟

ماذا تفعل كي تكتب عن كتاب خلّد العشرات من الأدباء والشعراء؟

أجل.. ماذا تفعل إذا كان صاحب كتاب "مطارحات في أروقة المعرفة: مراجعات نقدية وبحوث في الفكر العربي المعاصر" هو الدكتور مصطفى الحلوة؟

إفعل كما أفعل أنا.. سأركّز على إهداء سلب من عينيّ النوم، من كثرة التحديق به ومراجعته.

وإليكم الإهداء الرائع جداً جداً، الذي قسّمته كي أسهل عليكم قراءته والتنعم به:

ـ1ـ

إلى أخي شربل بعيني، 

أعظم الناس في عيني،

وما يعظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيه.

ـ2ـ

إلى شربل..

عميد الشعراء..

العلامة الفارقة المتفردة في المغترب الاسترالي:

حضوراً، لا تغيب شمسه، 

ولا يضعف منه الصوت والصدى،

ولو كره الحاقدون!

ـ3ـ

والى شربل،

الذي تضيق كل الكلمات عن توصيفه،

ويعجز القلم..

ـ4ـ

يسعدني أن أهديك هذا العمل الموسوعي،

الذي يجول في الفكر العربي المعاصر،

منطلقاً من طرابلس "لبنان"،

إلى أرجاء الدنيا،

في عصر سقطت فيه مناطقية الفكر وإقليميته.

ـ5ـ

جمعنا الله بك،

كي يكتمل عقد أخوتنا عياناً،

وعسى الله أن يمدّك بأسباب الصحة والعافية،

وينعم عليك براحة البال،

وبمزيد من التألق.

أخوك المحب

مصطفى الحلوة

طرابلس في 11 تشرين أول 2022

**

أخبروني، هل يوجد كلام بعد هذا الكلام؟، لا والله.

أشكرك أيها الكبير على محبتك واهتمامك بأدبي..

أشكرك على تسليط الضوء على العديد من شعراء المهجر في كتابك الموسوعي هذا، أذكر منهم الغائبين الخالدين غسان علم الدين وروميو عويس.

أعرف أنك أكبر من الشكر، ولكن ليس باليد حيلة، فمحبتك غامرة.

أخوك شربل بعيني

كلمة د. مصطفى الحلوة في حفل توقيع كتابه " شربل بعيني بين الفُصحى والعاميّة"

 


مجدليا، قاعة الخوري أنطون بيّوس البعيني/ السبت 26 شباط 2022 


ما جئتُكِ، مجدليا، هذه العشيّة، مُنتديًا حول كتابي المتواضع فحسب، ولم أسعَ إليكِ كي أُكرَّمَ- وتكريمُكِ لي موضعُ فخر واعتزاز- فأنا ذلك الدرويش العازفُ عن حُطام الدُنيا وبهارجها، أحمل قنديلي، في رابعة النهار، كما ديوجين، باحثًا عن الحقيقةِ العارِية ومنتصرًا لها، حتى الرمقِ الأخير، لا أرتجي جزاءً ولا شُكورًا!

ما جئتُكِ، مجدليا، إلاّ لأستحضِرَ، من وراء المحيطات، شاعرَكِ الذي رفع رأسكِ عاليًا، وطبع اسمكِ على شمسٍ لا تغيب، لأستحضرَ ذلك المتعبِّد لكِ، آناء الليلِ وأطرافَ النهار.. صلاتُهُ تسابيحُ ما انفكَّ يتلوها، منذ نيِّف وخمسين عامًا:" يا مجدليا، بحبِّكْ عْبَادِه/ رغم الضياعْ بغُربة المجهولْ/ المجدلاوي بينعطى شَهادة/ إنسانْ مُخلِصٌ بالتُقى مجبولْ/ بالمغتَرَبْ بِشرِّفْ بلادي" (ديوان "ابن مجدليا" ص 160).

أجل! أحبائي، أهلَ هذه البلدة، التي تستبطنُ المجدَ والحنان، جئتكم لكي أرى في وجه كل واحدٍ منكم، بل في وجه كل مجدلاوي ومجدلاوية، شربل بعيني، المُصابَ بداءِ الحنين إلى الربوع التي أنبتتهُ، والعالقَ على شفير هاوية الانتظار!

يقينًا، أحسبُ أن هذه القاعة تضجُّ بصوته، وهو يتلو فعل الندامة، وقد استبدّ به الحنينُ ولوعةُ الاشتياق إلى مسقطه: " ما عاد بدِّي عيشْ بالهجرانْ/ قِرفانْ من كلمة هَجِرْ قرفانْ/ مشتاقْ إرجَعْ بوِّس حروفِكْ/ واوقَفْ عَ بابْ كنيستِكْ ندمانْ" (ديوان "ابن مجدليا"، ص ص : 162- 163).

وها نحنُ، أحبائي، هذه العشِيّة، بجوار الكنيسة التي يرنو إليها شاعرُنا، فلنا أن نردِّد معه وبلسانه:" لماذا الهجرُ، يا ربي طويلُ/ أعِدْنِيَ، لا تُطِلْ فيَّ اشتياقا".

أيها الأحباء،

قد تستغربون كيف لباحثٍ أن يضعَ مؤلَّفًا وافيًا، حول أديب/ شاعر، بل يغورُ إلى عُمقِ أعماقِهِ، يتماهى  فيه ليعيش كل لحظةٍ من لحظاتِ إبداعِهِ، وهو لم يلتقِهِ حتى هذه الساعة ؟!

أجل! لم ألتقِهِ، لم ألتقِ شربل بعيني عيانًا، ولكنني ألتقيهِ فيكم- أنتُمْ أهلَه ومحبِّيه وقادريه- فنِعمَ الدوحةُ  البعينية ، ونِعم المحبون ونِعمَ قادروه!

لن أُحدِّثكم، أحبائي، عن كتابي، فقد أُعطيتِ القوس باريها، حين أُسنِدَت هذه المهمة إلى الصديق الأديب محسن أ. يمين، فأفلح في القبض على مفاصله، وفي تقويمِهِ أيّما تقويم!

قصّتي مع شربل بعيني، أحبائي، ذاتُ فصولٍ، لعبَ فيها القدرُ لُعبتَه، وقد استعرضتُها في مقدمة الكتاب، تحت عنوان : " قصتي مع البعيني والطريقُ إليه"، فلكم أن تتعرّفوا هذه القصة، ولي، في هذه العُجالة، أن أُجيبَ عن قضيتين، هما من القضايا المحورية لهذا المؤلَّف. 

أولى القضيتين: لماذا هذا الكتاب، الذي صدر في سيدني العام 2020، وجال في أرجاء أستراليا، وجاء ليحطّ الرحال في لبنان؟ وأما ثاني القضيتين، لماذا شربل بعيني دون سائر أدباء المهجر الأسترالي وشعرائه المشتهرين؟ 

عن القضية الأولى، فقد جهدتُ في إبراز ما للشعر بالمحكية من جمالات بل مجالات إبداع، لا تقل عمّا للشعر بالعربية الفُصحى، وأن الشاعر الشاعر هو من يستطيع أن يُبدِعَ في كلا هذين اللونين الشعريين، وقد فعلها شربل بعيني، إذْ جمع مجدهما، وكان من المُفلحين! ولكم أن تُعاينوا مطوّلتَه العصماء "المربديّة"، التي ألقاها في أحد مواسم احتفال المربد في العراق، إذْ ضمّنها الشعر العمودي الخليلي، إلى الشعر الحرّ، وإلى الزجل، فكانت هذه القصيدة حُجَّةً له، لمرةٍ واحدةٍ وفي وقفة شعرية واحدة.

هكذا تماهى اللبناني المجدلاوي بالعربي النِجار، وكان خَلْقٌ في أحسن تقويم! 

لقد كان للبعيني وأقرانِهِ، من شعراء المحكيّة، أن يتكلّموا بلغتهم المحليّة وبلسانِ قومهم، إقتناعًا منهم أن اللغة هي أحدُ مكوِّنات الهويّة الوطنية والثقافية والانتماء إلى الحيِّز الجغرافي، ذي الخصوصية الأصيلة. وإذا كان من ميزة فارقة للمحكية، فهي، وفق الباحثين في علم اللغات" القوتُ اليومي للشعوب!".

وأما عن القضية الثانية: لماذا شربل بعيني، فقبل الإجابة عنها، لا أبالغُ إذا قلتُ إن صفحاتٍ وصفحات تُقصِّر عن إيفاء شاعرنا العملاق حقه، وإذْ نحاولُ، فذلك غيضٌ من فيض مسيرتِهِ الإبداعية التي لا تعدِلها أية مسيرة: 

- شربل بعيني، لأنه، إلى كونِهِ مُتجذِّرًا في المغترب الأسترالي، منذ نيِّف وخمسة عقود، يحملُ قضية وطنه الأم (لبنان) في عقله، ويُعانيها جرحًا منغرسًا في قلبه، ووجعًا يؤلمهُ، حتى آخر العمر!

- شربل بعيني، لأنه الطاعنُ إيمانًا في زمن لبنانيتِهِ، لا يرتضي منها بديلاً :" وَقْتْ اللي بحاكيكن/ لا تقولوا هيدا نصراني/ وقت اللي بحاكيكن/ لا تقولوا هيدا قرآني / أنا ما بحاكيكن/ ولا الحكي بيطلع عَ لساني/ إلاّ ما حاكيكن/ لبناني ابنْ لبناني".

- شربل بعيني، لأنه المتقدِّم، بل  المتصدِّر أقرانَه، من شعراء الصف الأوّل، في المغترب الأسترالي، على جبهة الشعر: فصيحِهِ ومحكيِّه.

- شربل بعيني، لأنه "شاعر الغُربة" من دون مُنازع، مثَّلَ شعرهُ شلاّلاً هادرًا دفّاقًا، في خضمّ شعر المنافي، ولما يَزَلْ بعد نصف قرن دائم التدفُّق. وتكريسًا لهذا اللقب ، فقد كان لمسمّى "الغُربة" أن تحوي أذرُعُهُ الإعلامية: إذاعة  وتلفزيونًا ومجلة.

- شربل بعيني، لأنه المتأجِّجُ أبدًا في الدفاع عن قضايا الأمة، لا سيما قضية فلسطين، وعن سائر قضايا العرب ، في وجه أعداء الأمة الذين يتناوشونها، من كل حدبٍ وصوب.

- شربل بعيني، لأنه ذلك "الجبراني" و"النزاري"، الثائر على الحلف الجهنمي بين بعض تجّار الهيكل والساسة الفاسدين، الذين باعوا وطنهم وأفقروا شعبهم، وذرّروا الكثير من أبنائه ، في أربع جهات الأرض!

- شربل بعيني لأنه الداعية إلى العيش الوطني اللبناني الواحد، المعترف بالآخر المختلف، عقديًا ودينيًا، فما يهمه الإنسان، والإنسان وحده، بريئًا من كل انتماءٍ فئوي أو جهوي أو عرقي!

- شربل بعيني، إذا أبقى اسمه طيَّ الكتمان، فإنك لا تعرفه، إذْ يتكلّم، إلى أي طائفةٍ أو دينٍ ينتمي، فهو عابرٌ الطوائف والمذاهب إلى رِحابِ الإنسانيةِ السَمحاء!

- شربل بعيني، لأنه باقٍ ذلك "الطفل" السبعيني المحبّ، طيِّب القلب والسريرة، لا يُماري ولا يُداهن، المتواضع الذي لا يُصعِّرُ خدّه للناس، ولا يمشي في الأرضِ مَرَحًا، من مُنطلق إيمانِهِ بأن الله لا يُحبُّ كلَّ مختالٍ فخور!.

- وشربل بعيني أخيرًا، لأنه ذلك المجدُّ، المنهمُّ، العاكف ليلَ نهار، وحتى الجنون، على وضع نتاجِهِ، لوجهِ العلم، بين يدي الناس، لا يرتجي إلاّ خدمة الأجيال، وخدمة الأدب العربي وفنونه، في مغتربه الأسترالي، وما وراء وراء هذا المغترب، وقد طبّقت شهرته في الآفاق!

... هوذا، أحبائي، ابن بلدتكم، فتشامخوا- يا أهلَهُ- وارفعوا الرأس عاليًا، فقد أنبتت لكم هذه الأرض الطيبة المباركة شاعرًا، قد لا تجودُ الأيام بمثله!

في هذا المجال، والقولُ بقولٍ يُذكر، أستميحُ ابن رشيق القيرواني عُذرًا، فأذهبُ مُقايسًا على ما أحدثه المتنبي من كبير فعلٍ: " ثم جاء شربل بعيني فملأَ دُنيانا وشغل الناس!". كما استحضرُ قول نزار قباني، في إحدى رسائله إلى شاعرنا: "شربل بعيني دوَّخ قارة أستراليا!".

أجل! دوّخها، بعظيم شعره، محكيًا وفصيحًا، وبأعماله المسرحية الأربعة عشر، وبعشرات دواوينه، فكان "طاحونة نشر كتبٍ"، كما وُصِفَ، وبما كُتب عنه وما قيل فيه، وبمقابلاته الصحفية التي تبلغ بضع مئات، وبالجوائز التي حازها من مختلف بلاد العالم، ودوّخها بسمو منظومة القيم التي اعتنقها، ولم يحِدْ عنها قيدَ أُنملة!

.. ختامًا، أتقدّم بجزيل الشُكر من رعية السيدة مجدليا، راعية هذا الحفل والداعية إليه، والشكر موصولٌ لخادم الرعية الصديق الأب عبود جبرايل، مهندس هذه التظاهرة الفكرية الرائعة، وللصديق الأستاذ وليد فرح، رئيس نادي روتاري زغرتا الزاوية، والشكر للصديق العزيز الأديب محسن يمين الذي شكَّل إضافة نوعية في مقاربته الكتاب. والشكر لجوقة رعية السيدة مجدليا، بقيادة الآنسة جوزيت المقدسي، وللفنان الملحن السيد الياس المقدسي، والشكر للحضور الكرام، فردًا فردًا، من أهلنا في مجدلياوالجوار وطرابلس وسائر المناطق. وأخيرًا الشكر لأخي الشاعر المحبّ شربل بعيني، وقد أردتُ هذه التظاهرة تكريمًا له في عُقرِ داره، فأنا ممتنٌّ له إذ أتاح لي هذه الفرصة الغالية.


ردي على الدكتور مصطفى الحلوة

عزيزي الدكتور مصطفى..
كلامك من موقعك في الوطن لا غبار عليه.. إذ أصبح العالم بفضل الانترنت قرية كونية صغيرة. بإمكاننا أن نتواصل مع بعضنا البعض بسرعة البرق، كلمة ونطقاً وصورة.
ورغم كل ذلك تجد أن المغترب اللبناني ولو فرشت له الغربة ذهباً سيظل يحن الى مسقط رأسه.
هنا في استراليا توجد جمعيات قروية لبنانية بالمئات، تجمع أهالي كل قرية تحت جناحيها، رغم بعد المسافات بينهم، تراهم يلتفون حول بعضهم البعض بالأفراح والأتراح، عكس الغربة تماماً، فأنا لم أعلم أن جاري الذي شباكه على شباكي قد مات إلا بعد شهر أو أكثر. فلقد لمحت أرملته صدفة وسألتها عنه، فباحت بسر وفاته.. فتصور.
وتصور أيضاً انني بعد نصف قرن من اغترابي ما زالوا ينادونني "بابن مجدليا" التي عشت فيها عشرين سنة فقط من عمري، ولم أسمع أحدا يناديني "بابن ماريلاندز" المنطقة التي سكنتها 50 سنة وبنيت فيها مسكناً. 
سأخبرك يا عزيزي الدكتور مصطفى قصة لم أخبرها لأحد من قبل ولا كتبت عنها: بعد اسبوعين من وصولي الى أستراليا أحسست بحنين حارق وجارف الى الوطن، وأن أستراليا ستدفنني وأنا حي، فقررت الهروب بأية طريقة كانت، وكانت محطة القطار قريبة من مسكني، فركبت أول قطار وصل المحطة، بغية العودة الى "مجدليا"، ونسيت أن أستراليا جزيرة معلقة بكعب الارض، لولا صراخ إمرأة أخي وتحذيري من أن القطار سيرميني في البحر لا محالة.
أستراليا بالقلب.. ولكن القلب في لبنان. وهذا الاحساس لا يشعر به إلا المغتربون، ولهذا اضمحل عدد ابناء الجاليتين اليونانية والإيطالية في أستراليا بعد أن عادوا بمعظمهم الى مدنهم وقراهم الأصلية، ولو كان حال لبنان السياسي والاقتصادي والامني كحال ايطاليا واليونان لعاد نصف المغتربين اللبنانيين وكنت الأول بينهم.
هذه هي حالنا يا عزيزي الدكتور مصطفى الحلوة. أبعد الله عنك الغربة وعن كل لبناني.
واسلم
أخوك شربل بعيني

مصطفى الحلوة

أهداني الدكتور مصطفى الحلوة مجموعة رائعة من كتبه أوحت لي بهذه القصيدة
ـ1ـ
"مصطفى الحلوة" سرقني كتير
من ناس حبّيتُن بـ هالغربه
وقللي: بكتبي شغّل التفكير
في فلسفه.. تا تفهما صعبه
ـ2ـ
بعد الكبر صفّيت طفل زغير
حاضن الكلمه.. مقعّدا جنبي
وبالصف في أستاذ إسمو كبير
دكتور.. زتّ النور بـ دربي
ـ3ـ
حملت السعاده وقلت بدّي طير
صوب الوطن تا إسرقو لصوبي
وتا يضلّ حدّي وإفهم التفسير
فتحت الصدر تا يسكن بقلبي
ـ4ـ
يا مصطفى الأيام جمعتنا
رغم البعد.. قويت محبتنا
حروفك دهب ومطعمه بياقوت
زرعتْ وطن بجنون غربتنا
ـ5ـ
وع أرض سيدني وصّلتْ بيروت
وطرابلس.. أهلا بحبيبتنا
بكتبك ما في صفحات.. شفت بيوت
ومشعشعه بنورك ثقافتنا
ـ6ـ
كلماتنا للناس أطيب قوت
عم ينطروا من الجوع خبزتنا
يا مصطفى.. نحنا إذا منموت
ع طول رح بتعيش كلمتنا
**
شربل بعيني