‏إظهار الرسائل ذات التسميات فؤاد نعمان الخوري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فؤاد نعمان الخوري. إظهار كافة الرسائل

إسوارة فؤاد نعمان الخوري تزنر قوس القزح

 


قرأت مجموعة الشاعر فؤاد نعمان الخوري "قوس القدح إسوارتك" عدة مرات، بسبب حصولي عليها مرتين، المرة الأولى حين طلبت من الدكتورة بهية ابو حمد أن تأتيني بها ليلة توقيعها.

وفي الثاني عشر من آب وصلتني نسخة ثانية عبر البريد، مزينة بهذا الاهداء المحب الذي يتمنى لي به دوام العافية، وكأنه يدرك أن اهم ما أحتاجه في هذا العمر هو العافية:

يا صديقي الشاعر الكبير شربل بعيني، بهديك ها "الاسواره" عربون محبة وتقدير.. مع تمنياتي بدوام العافية والعطاء.

   قصائد "الاسوارة" تتشاوف على بعضها البعض، فكل واحدة منها تتوشح بحداثة مفعمة بالصور الشعرية الرائعة.. وخاصة قصيدة "شمس عتيقه"، التي ذكرتني بكتابي "الله ونقطة زيت". 

فيها يحاكي فؤاد الله كإبن وليس كعبد خائف من جبروته. ومن غير الإبن بإمكانه أن يتكلم مع أبيه "خوش بوش::



عتقت الشمس كتير، غيّرها

اضربها حجر من فوق واكسرها

هالارض شبعت عتم، نورها،

من الحبس حررها،

بالروح زنرها، 

وتسلّم الدفه!

اليأس عند فؤاد نعمان الخوري ظاهر في كل بيت من بيوت "الإسوارة"، ولكنه ساطع كالشمس التي لم تعتق بعد، في رباعية "ورق أيلول"، فلنقرأ معاً:

أصفر ورق أيلول؟ من همّو

دشّر البيت وما حدا لمّو!

وقالت النسمه للدرب بالسر:

ما اصفر لولا ما ترك امّو..

أربعة أسطر تختصر معاناة "الخوري" مع الغربة، فهو بذاته "ورق أيلول"، وهو بذاته الذي ترك أمه التي أهداها، رحمها الله، "مسبحة" شعرية خالدة، وهو بالذات الغرقان بهموم الغربة بعد أن ترك البيت الذي ولد وترعرع وكبر به، ليضيع " بين تذكرتين" دون أن يلمّه الوطن من جديد، بل تركه ينزف في غربته سنوات وسنوات.

فؤاد نعمان الخوري في "قوس القدح اسوارتك" يتخطى الحداثة الشعرية في شعرنا العامي، ليسلك طريقاً اخططه بنفسه، علّ الآخرين يسلكونه.

ألف شكر يا "بو طوني" على الكتابين.. والى "اسوارة" أخرى بإذن الله.

شربل بعيني


القصيدة التي كتبها ولم يكتبها فؤاد نعمان الخوري

بينما كنت غارقاً في التفتيش عن مقالات كتبتها ورقياً، ولم ترَ النور الكترونياً، وجدت هذا المقال بعنوان: "القصيدة التي كتبها ولم يكتبها فؤاد نعمان الخوري" نشرته في جريدة "صدى لبنان"، العدد 622، 29/11/1988، وأليكم ما كتبت:
"قبل أن أخبركم قصّتي مع ديوان فؤاد نعمان الخوري "بين تذكرتين" سأنقل اليكم كلمة الاهداء التي خصّني بها، لتدركوا سر "تشرقطه" السريع في هذه الجزيرة البعيدة، وكيفية تعامله مع زملائه:
الى الصديق الشاعر شربل بعيني، الذي رفع اسم الأدب اللبناني الى مصاف الاسماء العالمية، ومهّد الطريق للكتابة والطبع في هذه الجزيرة المعلقة "بكعب الأرض".
وصدّقوني ان هذا الكلام اعادني بالذاكرة الى ماضي اثنتي عشرة سنة، يوم قررت طبع ديوان "مجانين" عام 1976 في استراليا، وكيف طار صوابي عندما اكتشفت ان عامل المطبعة قد احدث مجزرة في ارقام الصفحات بعد جمع الكتاب وتكبيسه، ودفع تكاليفه كاملة. وهات يا سهر، ويا تصحيح، ويا أدب!.
من عادتي، وأنا أطالع ديواناً شعرياً، أن أدوّن الصور المضيئة فيه على ورقة صغيرة، كي ازرعها فيما بعد في خلايا الكلمة التي سأتناول بها الديوان.
ولكم كانت دهشتي عظيمة عندما اعدت قراءة الابيات التي انتقيتها من ديوان "بين تذكرتين" للشاعر فؤاد نعمان الخوري، ووجدتها تكوّن، بعفوية بالغة، قصيدة شعرية متينة السبك، مبتكرة القصة، وذات صور شعرية قلّما تزينت بها قصيدة واحدة، أو "شبرأت" شبابها.
كيف حدث ذلك.. لست أدري؟
كل ما ادريه، هو انني لم أكتب حرفاً واحداً في هذه القصيدة، كما ان الشاعر فؤاد نعمان الخوري، الذي نزف ابياتها في أكثر من عشرين قصيدة، سيقرأها باستغراب شديد، وقد "يعقد" ما بين جفنيه ويصيح: ما هذا يا شربل؟
وبالطبع، فسأجيبه وضحكتي تفقع مثل قنينة شمبانيا نقفوا فلينتها: الحق ليس علي يا فؤاد، بل على ما تضمنّه ديوانك من ومضات شعرية خلابة، ابت ان تتشرذم وتتيتم اثر انتقائي لها، فاصطفت، وتوحدت، وتقولبت في قالب قصيدة اسميتها "قومي افتحيلو":
ـ1ـ
لمن بيكون الليل قمريه
ووحدك مسرّب من السهريه
بتسمع ضرب معدور بالوادي
وسحبة عتابا وصوت قرّادي
واللوز والتفاح ردّاده
.. وفي صبي تاكي على التسعين
طالع على صنين
وتعمّد بحالو
ما ضوولو شمع.. قالوا:
مجنون عم يلعب مع خيالو
شاف القمر
دبوس عم يلمع بشعر الليل
ومن يومها حب القمر والليل
ولملم الكلمات وعمل فرقه
تا يقاتل خيالو على الورقه
ولمن كتب سطرين
زتّ حالو بين الهلالين
"قومي افتحيلو: مدنّق من البرد
وطالع خواتو
قومي افتحيلو: كل تلج الجرد
عقّد ع ديّاتو"
ـ2ـ
وطل بعد غياب
والحزن مزراب
وزيّح بطبشورة تلج ع الباب:
ـ كان الشتي شبيني
والعاصفه الزينه
والخاتم
جنون الختم ع صفحة جبيني
وبالبال 
جبنا طفال
شلطوا عيونن كلل تا يلعبوا
وعم ياكلو خبز الخيانه ويكتبوا
وانطرت تحت السما جمعه بعشر سنين
موعود فيهن يجوا لعندي قبل تشرين
وصرخت لما التلج شفّق مع كوانين:
يا تلج طفّي اللهب بقلوب محرومه
وقلّن ع كتر السهر رح تنعس نجومي
وكلما قعدت اكتب شعر عند الغياب
ولا اهل لا اصحاب
متل المسا الراجع على الغابات
ازرع عيونك بالحقول
واحصد الخيبات من كل الفصول
ـ3ـ
قومي افتحيلو.. 
سكران، تحت الشتي عم يحسب قداحو
والدرب ملعب عريض بتلمع زياحو
وحزنك شتي تاني
وحزن الشتي عيانه
بكرا القمح بيطلع
بحقول الغناني
والشوق عمرو سنه وعمر المحبه نهار
وبينك و"بينو" سهر ومعاتبه واشعار"
ـ4ـ
قومي افتحيلو..
كان راعي بزغرتو
والمدرسه ما نطرتو
عليه غبار من هاك الحفافي
بيمشي كتير.. ما بعد المسافه
عصفور الحقاله
حلمو عريشه ما لها سقاله
وورد الطفوله لحاف ابيض ما انغسل
جيتي وختمتي العمر بالشمع العسل.
ـ5ـ
قومي افتحيلو..
اليوم صار يعنّد الشروال
ويغبشو عيونو
وعم يسرج حصان السفر خيّال
تلجت على جفونو.
**
والآن، بعد ربع قرن، من قراءتي لذلك الديوان، اسمحوا لي أن أرفع كأسي عالياً وأهتف: كاسك يا بو طوني.
الرجاء قراءة التعليقات تحت المقال

أصدقائي الكبار ورحلتي مع الكلمة

بينما كنت أقلّب في أرشيفي بحثاً عن مقالات لم تنشر إلكترونياً بعد، وجدت خبراً ساخراً كتبه المرحوم بطرس عنداري على الصفحة الأخيرة من جريدة "الشرق" التي أصدرها في سيدني، يدافع به بطريقته الخاصة عن شربل بعيني، واليكم ما كتب في العدد 86، الصادر في 6/12/2000:
"رفع عدد من الشعراء شكوى عاجلة الى كوفي عنان مطالبين بجلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لبحث موضوع منح الشاعر شربل بعيني لقب "أمير الادباء والشعراء اللبنانيين في عالم الانتشار"، وقد وعد عنان بمعالجة الموضوع الخطير، والنظر فيه عاجلاً خلال الألفية الثالثة".
وتحت عنوان "علي بعيني" كتب الشاعر الصديق شوقي مسلماني خبراً مسليا في العدد 12 من مجلة "أميرة"، كانون الثاني 2001، جاء فيه:
"عندما كان الشاعر شربل بعيني ينظم ديوانه عن الامام علي بن أبي طالب سمع الشاعر فؤاد نعمان الخوري يطلق على صديقه شربل اسم: شربل علي بعيني".
ومن الأشياء التي لم ترَ النور شهادة ما بعدها شهادة من "بيّاع الفرح" الشاعر فؤاد نعمان الخوري، الذي لا يعرف قلمه سوى تشجيع الآخرين، فلقد قال في حديث أجرته معه جريدة "صوت المغترب" العدد 1952، 31/10/1991، هذه العبارة التي تغني عن ألف مقال:
" شربل بعيني قام بمحاولة جيدة في "مناجاة علي"، حيث اخذ الزجل ليحتك بقضايا جديدة في الفلسفة والمصير والكون.. هذه الخطوة بحد ذاتها مباركة".
ومن أستراليا ننتقل الى لبنان حيث نشر الدكتور المرحوم عصام حداد في جريدة الأنوار اللبنانية ، العدد 12636، 24/6/1996، مقالاً بعنوان "الحنين يفتح الكتاب ويقرأ نبض القلب" استهله بالعبارة التالية"
" بعدما قال الشاعر المغترب شربل بعيني للعائدين: هاتوا لي معكم كمشة تراب من ارض "مجدليا" حتى اذا مت في غربتي، ضعوها في تابوتي، ليمتزج ترابي بتراب لبنان.. الآن الآن اخلي ها هنا كل مباهج الكون، واطير الى بلادي، بلاد الحب والسحر والمجد والضياء".
لقد رحل اثنان من أصدقائي: بطرس وعصام، رحمهما الله، وبقي اثنان: شوقي وفؤاد، أطال الله بعمريهما، ولكن الابقى أبد الدهر هو ما دونته اقلامهم بمداد محبتهم.
أشكر الله الذي منّ عليّ بمئات الأصدقاء الكبار، الذين زيّنوا حياتي بمحبتهم، وأخذوا بيدي خلال رحلتي مع الكلمة، فلهم أنحني.

شربل بعيني في "معزوفة حب": هاجس النضارة/ فؤاد نعمان الخوري

   ينحو الشاعر شربل بعيني في ديوانه الجديد "معزوفة حب"1 منحى متطوراً، في سياق مسيرته الشعرية الممتدة على مدى عشرين سنة ونيّف. ولئن كان الاستاذ جوزاف بو ملحم اعتبر في مقدمته "ان الشعر دار دورته الأولى"2 إلا أن شربل، برأيي، قد تجاوز نفسه في هذا الكتاب، من حيث اللعبة الفنية والومضة الشعرية، بحيث أراه يتسلق جبل النضارة مشملاً، مختصراً، معمقاً تجربته، دقيقاً في اختيار ألفاظه. صحيح أن قصائده لا تخلو من شوائب، لكن الانطباع العام عنها هو انها تشكل نقلة نوعية كبيرة في شعر شربل.
   وقد لاحظت، أن شاعرنا يترك "الخمرة الجيدة" للصفحات الأخيرة من الديوان، وادهشني أن أرصد في قصائده القديمة المنشورة في بيروت عام 1971، نضوجاً فنياً قد لا يتوافر في ثمانيناته!. هل أثرت الغربة على الشاعر الشاب المهاجر حديثاً، آنذاك، فانعطف من رمزية مصنوعة باتقان الى مباشرة عفوية لا أثر للصنعة فيها؟
   لا شك أن الجمهور الأدبي، في المغتربات البعيدة، يدفع الشاعر دفعاً في متاهة الالقاء المنبري، "وكلنا بالهو سوا"، لكن المنبرية لا تغني عن قصيدة العين المحبوكة خيطاً خيطاً، نقطة نقطة، ومن هذه المحبوكات قصيدة "ذكريات"3، التي اتخذتها موضوعاً لهذه المقالة.
ماذا في "ذكريات"؟
1ـ القصيدة:
ـ1ـ
كل الغنيّات الحلوه الغنيّتيها
حفظوها الناس 
وكتبوها كلاّ بإسمك
ـ2ـ
كل الطلاّت المضويّه الطليتيها
منتذكرها طله وطله
كلما لمحنا صدفه.. رسمك.
ـ3ـ
زهرات الغربه سقيتيها
من ينبوع الطهر الجاري
بمرجة جسمك
ـ4ـ
ايدين الناس مسكتيها
ووصلتيهن متل اليقظه
للأرض اللي عم تعطيها
إسمك،
رسمك،
جسمك،
دمّك.
2ـ البناء الكاتدرائي
تمثّل قصيدة "ذكريات" عمارة هندسية متكاملة، مؤلفة من أربعة أعمدة، تتوجها قبة عالية، مثل كاتدرائية تشكل أعمدتها أساساً لقبّتها، وتعطي قبّتها، حاملة الجرس، معنى احتفالياً للأعمدة الباردة من خلال علاقة جدلية رائعة.
ومما يزيد في الجو الطقسي، استعمال بعض المفردات المسلوخة من شبية عتيقة، مثل "ينبوع الطهر" او "الطلات المضويه".. وتؤدي كلمة "الناس" المستعملة مرتين، في هذا النص القصير اضاءة اضافية على شخصية صاحبة القصيدة. انها كما يبدو مغنيّة "الغنيّات الحلوة"، تواكب الأضواء طلّتها "الطلاّت المضويه"، تمتاز بالطهر "ينبوع الطهر"، مرشدة حنونة "ايدين الناس مسكتيها". هذه الصفات الاربع: الغناء والضوء والطهر والارشاد، قد لا تتوافر في امرأة من لحم ودم، وأغلب الظن انها المرأة ـ القصيدة. فالقصيدة هي مغنيّة بموسيقاها، تطل من بين أضواء الحلم، تسقي الغربة ماء طهرها، تقود خطانا الى الارض.. و"الارض" في الغربة لا تعود أرضاً بالمعنى الحصري للكلمة. قل هي التراب والاهل والذكريات، كل ما في الوطن من لحظات مشرقة.
وتأتي المفاجأة الكبيرة في الكلمة الأخيرة "دمّك"!! فإذا كان "اسمك" مستعاراً من المقطع الأول، "ورسمك" من الثاني، "وجسمك" من الثالث، فإن كلمة "دمّك" هي جرس القبّة، لأنها تأتي من خارج البناء نهاية مأساوية للمسيرة الاحتفالية السعيدة. هكذا يسفح الشاعر دم القصيدة عندما يحبسها في ألفاظ جامدة تبقى عاجزة عن الاحاطة بكل ما في نفس كاتبها، لكن دمها، رمز خيانتها، يصبح مكملاً ل "ينبوع الطهر"، فإذا هو رمز قيامتها من السقوط في وحل اللغة ـ المصطلح الاجتماعي.
3ـ الشاعر والمطلق
المطلق حبيب الشاعر، قبلته، محط عينيه المتعبتين.. لذلك تراه يكره النسبية، يرفض التسويات، يمقت الحلول الوسط، وقد يكون اتهام الشعراء بالجنون يعود الى تمردهم على الواقع، والسلطات، والأعراف، في كل زمان ومكان، فيغدون بنظر المجتمع شاذين، رافضين، "يتبعهم الغاوون".
وفي قصيدة "ذكريات" يطل "المطلق" بأحلى صورة، من خلال كلمة "كل": كل الغنيّات، كتبوها كلاّ، كل الطلاّت.. ويأتي استعمال صيغة الجمع مكملاً لكلمة "كل" في "الغنيّات، الطلاّت، الزهرات، الناس" الخ. ويتذكّر الشاعر طلاّتها، طلّة طلّة، فلا تفوته واحدة، وكأنه كان مرابطاً على مفارق المسافات كلها، يسجّل طلاتها المضيئة.
ولا يتعب الشاعر من عطاء، كما لا تتعب قصيدته التي تعطي اسمها ورسمها وجسمها ودمها و... ثلاث نقا طفي آخر القصيدة، تفضح نهم الشاعر الى العطاء من دون حدود، وكأن ما أعطاه "اسم ورسم وجسم ودم" لا يكفي. يا ألله ما هذا الكرم؟ ما هذا الجنون؟!.
موسيقى الكلمات:
رغم استهتار البعيني بعفويته وتلقائيته، يبرز في قصيدته تناغم موسيقي بين كلماتها يضفي على الوزن رنة اضافية. فالكلمات الأربع "اسمك، رسمك، جسمك، دمك" تشترك في حرفين موسيقيين، السين والميم، قد يكونان أحلى أبجديتنا.. وفي السطر الثالث "كتبوها كلاّ بإسمك" تتردد "الكاف" ثلاث مرات، آتية من أعماق الحلق، في لعبة ايحائية ذكية، وفي "الجاري بمرجة جسمك" يلعب حرف "الجيم" دوراً إغرائياً مفضوحاً، رغم "ينبوع الطهر" لما لهذا الحرف من قدرة على وصف الجسم اللدن كالعجين.
وتشكل القافية "الكاف الساكنة" نهاية منطقية للحسرة المنتشرة في أرجاء القصيدة، وكأن الشاعر يتعمّد ابقاء فمه مفتوحاً في النهاية، دهشة او احتجاجاً.
وتبرز في القصيدة اشكالية الكتابة بالعامية: هل نكتب "ذكريات" أم زكريات" كما نلفظها؟
هل نكتب "الغنيتيها" أم "ل غنيتيها" اختصاراً وتسهيلاً للقراءة؟
هل نكتب "كتبوها" أم "كتبوا"؟ ولماذا كتب الشاعر "كلاّ" وليس كلّها؟
أسئلة كثيرة تبقى بحاجة الى جواب، يشكّل أساساً لقواعد نموذجية للكتابة بالعامية.
**
شربل بعيني، باختصار، شاعر يتصفّى كل يوم، تصهره التجربة، يغمره الحب المتجدد، قد يلومه البعض على غزارة لديه، لكن غزارته مغفورة اذا اقترنت دائماً بالنضارة.
وأذكر أنني قلت، يوم تكريمه، أواخر حزيران الفائت:
"بالعيد شو بهديك يا شربل؟
يا ريت بعدي بهاك الحفافي،
بجبلك معي غربال، تا تغربل،
وما يضل إلا قمحك الصافي".
مبارك قمحك الجديد يا شربل.
**
هوامش: 
1ـ معزوفة حب، ديوان شعر 144 صفحة قطع صغير، سيدني 1989.
2ـ معزوفة حب، صفحة 9.
3ـ المصدر نفسه، صفحة 19.
التلغراف، العدد 1999، 27/11/1989
**

روميو عويس وطوني رزق وشربل بعيني وعصفورة فؤاد نعمان الخوري

 كثيرون هم الذين قرأوا قصة "بسترينة" الشاعر فؤاد نعمان الخوري التي طلبها مني بشكل عصفورة جميلة شرط أن نتقاسمها معاً، فؤاد رضي بالقسمة (راجعوا القصة هنا)، وأقفل باب بيته وراح يتنعّم بما رزقه الله: الطابق الفوقاني، ولكن الشاعر روميو عويس دخل على الخط وراح يطالب بحصّته من "البسترينة" بعد أن ضاعت بين شاعرين، فقال:
لا تختلفو يا رفاقي
الاحلا منكم ما بلاقي
عطوني ياها تحت وفوق
وانا مكفّل بالباقي
فأجبته:
يا روميو خليك بعيد 
لا تنزع طلّة هالعيد 
قسمنا العصفوره من زمان 
ومش رح نقسمها من جديد
فإذا به يكتب على صفحته بالفايس بوك ما يلي:
ونعود الى قصة الهدية بين الاستـاذ المربي الشاعر شربل بعيني صاحب تلفزيون وراديو "الغربة" والشاعر العزيز الاستاذ فؤاد نعمان الخوري:
قلت بصالح رفقاتي
ببعضن، لا يصير شماتي
تاري المصلح لو تلتين
القتلة.. زعلو الفريقين
بدل .. تسلم ديّاتي
**
حسبت بايام الاعياد
اماتي كبيرة اعمل
زعل وما جاوب فؤاد
وبردّو منرفز شربل
**
فردّ عليه الشاعر طوني رزق قائلاً:
 يا مصلح بين التنتين
شكار ربك منك متلي
كلة من القتلي تلتين
ومش اكل كل القتلي
طوني بحسّه الشاعري أدرك أننا لن نتخلّى، لا أنا ولا فؤاد، عن حصتنا لروميو، وكأنه يعلم مسبقاً ما سوف أقول:
يا روميو منّي زعلان 
لكن بوقت الشدّه
تركنالك كل النسوان
استكترت علينا وحده
فأجاب روميو:
 يا شربل عني لا تقول
زوقي صاير بالمرّه
اللي عندو مطعم عا طول
بيستحلي يفطر برّا
فوجدت أن الوقت قد حان لأقدّم لصديقي العزيز هذه النصيحة التي تساوي ألف جمل:
كلمه كتبها بكتابك
تا ما تخسر أصحابك
يا روميو لمّا بتفطر 
لازم تفطر ع حسابك
ولأن روميو يخاف على أصدقائه خوفه على نفسه أنهى الحكاية كما يلي:
يا خيي انت وفؤاد
تقاتلتو عالهديي
قلت المشكل بالاعياد
ما بيستاهل يا خيي
تحمست وهيكي معتاد
حل القصّه حبّيي
قلت بلا نقار ولا عناد
الحلوه خلّوها عليي
وطلعت الفشّه فيي
وأخيراً لام صديقه طوني رزق لأنه تأخّر بتقديم النصيحة له:
ويا طوني رزق الحبّوب
كنت من الاوّل قلّي
ما تتركني آكل جوب
تا النّصيحه توصلّي
لا يا روميو.. لن نطعمك "جوب" بل سنمطرك بالقبلات لأنك أهديت قراء الغربة، أنت وفؤاد نعمان الخوري وطوني رزق، أبياتاً زجلية مرحة تزيد عطلة الأعياد بهجة.. فألف شكر لكم جميعاً.

عندما يداعبني فؤاد نعمان الخوري شعريا

هذه ليست المرة الأولى التي يداعبني بها شعرياً الشاعر فؤاد نعمان الخوري، ولكنه في كل مداعبة يكون الأجمل والأروع، وها هو يكتب تحت إحدى صوري على الفايس بوك ما يلي:
ناطِر شربل بعيْني
يبعت لي البستريْنِه:
عصفُوره عيونا حلوين،
وبقسمها بينو وبيني!
**
فأجبته، بهذه الأبيات، وأنا على يقين من أنه لن يرحمني كعادته في مداعبة شعرية كهذه.. ألله يستر:
يا فؤاد.. قللي وينك
تا قْسمْها بيني وبينك
القسم الفوقاني.. مبروك
والتحتاني.. وز عينك
**
ألم أقل لكم.. فؤاد لا يسكت على "وز عينك"، وها هو يبدع:
عْطيني الفوقاني يا شْريك
ما بتكبَّر ع النعمه؛
وحتى التحتاني اعطيك
لازم تاكُل وتطعْمي!
**
سأجيبه هكذا وأمري لله:
رح اعطيك العصفوره
حتّى تنتفلي هيّي
خوري.. وبدّك قمّوره
ما بتخاف.. الخطيّه
**
وها هو فؤاد يختمها كعادته بمحبته الغامرة:
الفوقاني والتحتاني
عندي مَنها فرقانِه:
أوّل طابق عتم كتير
بفضِّل اسكُن بالتاني!
**

فافي/ فؤاد نعمان الخوري


شاعر مهجري ضائع "بين تذكرتين" يعيش في استراليا
الى الشاعر المهجري شربل بعيني لمناسبة صدور ديوانه الجديد "فافي"

لقد فكّت قيود الصمت، "فافي"
ونهر البوح فاض على الضفاف،
وعاد الأشيب الدهريّ طفلا
يؤرّقه حنين الاكتشاف...

و"فافي" غيمة سمراء رشّت
دموع الصبح في جرح الجفاف،
فأزهرت الحدائق، و"البعيني"
روى من عطرها عمر التجافي؛
وراحت تهتف الأوتار شجوا،
فغنّت مصر: يا طيب الهتاف!
وفي لبنان قال الأرز زهوا:
هو الحمل المدلّل في خرافي!

و"فافي" الحلم، لمّا صار انسا،
نجوم العيد هلّت في المنافي:
فهل في الحلم ورد الشعر ينمو،
ام اللقيا ربيع للقوافي؟
وما بال "البعيني" بات يشكو
من الخجل المغطّى بالعفاف؟
على وعد القطاف ارتاح دهرا:
كسرت القلب يا وعد القطاف!

..ويا "فافي" حباك الشعر شالا،
فمن ليل وبرد لا تخافي؛
ومهجة "شربل" صارت كتابا،
وعيناك القصيدة في الغلاف!