حلاّن لتلافي الحشود أثناء تقبّل التعازي

كما نشر في العراقية
    نحن، وللأسف، مهما تغرّبنا، نظل أبناء العادات والتقاليد، نسير عليها كالبلهاء، ننفذها بحذافيرها كالببغاء، نحترمها كما نحترم القديسين والأنبياء. والويل ثم الويل لمن يزيح عنها، أو يتلاعب بها، فمصيره الجحيم الأرضي لا محالة.. إذ ينقلب الكل ضده، لا لشيء سوى لأنه انقلب على عادات وتقاليد أجداده.
   وقد لا أضيف شيئاً الى معلوماتكم إن أخبرتكم أن لكل شعب عاداته وتقاليده، فعادات الشعب اللبناني تختلف تماماً عن عادات الشعب الأسترالي، الذي وهبنا الحبّ والمأوى، وهكذا الحال مع كافة شعوب الأرض.
   مثلاً: إذا مات شخص لبناني، لبسنا الأسود كالغربان، ولطمنا الخدود، وعفّرنا الجبين، وامتنعنا عن ملذات الدنيا. بينما إذا مات شخص أسترالي لبسوا الأحمر والأصفر والأخضر كالطاوويس، ودعوا الجميع الى تناول الكحول على شرف الفقيد الغالي.
   ثم، وهذا الأهم، لا يقفون كرأس الشقعة، ولا يدفشّون بعضهم بعضاً بغية "الأخذ بالخاطر" أي تقبّل التعازي، بل يخرجون من الكنيسة ويتحادثون ثم يذهب كل واحد الى بيته.
قديماً، كان "الأخذ بالخاطر" عندنا من أخطر ما يكون، الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود، إذ يقف المئات، كي لا أقول الآلاف، من أجل أن يسلّموا ويحضنوا ويبوّسوا ويولولوا ويظهروا محبتهم العمياء، ضاربين عرض الحائط بأعصاب أهل الفقيد المساكين، ناهيكم عن أعصاب المئات من المعزين الواقفين وراءهم ونيران الغضب تتأجج في أبدانهم.
أما اليوم، فقد عملت بعض الكنائس على تلافي مثل هذه العادات السيئة، إذ نصبت حاجزاً بين أهل الفقيد والمعزين، وما عليكم سوى السير بسرعة وانتم تضعون اليد على صدوركم، وتهمسون بعبارة، طالما همستموها في العزاء: ألله يرحمه.
ورغم التخلّص من التبويس والشمّ والضمّ والنحيب والولولة، بقيت خطة الكنائس، أي وضع الحاجز، ناقصة، لا تفي بالغرض المطلوب، أي أنها لم تخفّف من تزاحم المعزين بغية القيام بالواجب، والذهاب كل في حال سبيله.
وصدّقوني ان الارهاق الشديد لا يقع على المعزين فقط بقدر ما يقع على أهل الميت، كونهم يقفون لساعات، بل لأيام، أمام حشد هائل من المحبين، فتخيّلوا مدى التعب الذي يجتاحهم. 
ما العمل إذن؟
هناك حلاّن، لا ثالث لهما، الأول أن يطلب الكاهن من كل من عزّى في البيت أن لا يعزّي أمام الكنيسة، وهكذا نحذف من الحشد نصفه.
والثاني، أن نضع سجلاً أمام باب الكنيسة، يوقّع عليه كل من حضر الجنازة، نسلّمه فيما بعد الى أهل الفقيد، وهكذا نحذف الحشد كاملاً، لا ربعه ولا نصفه.
تقولون: قد يوقّع أي كان اسمه وأسماء باقي عشيرته دون أن يحضر منهم أحد، وهنا يبدأ التزوير، ويضيع الحابل بالنابل.
ولتلافي مثل هذا العمل السيىء السخيف، نطلب من أحد أقرباء الفقيد الاشراف على سجل التعازي ومراقبة الموقعين، وهكذا نتخلّى عن عادة التزوير السيئة التي اعتدنا عليها في لبنان وباقي الأوطان العربية.
أما إذا طرحنا هذين الحليّن للتصويت بغية اختيار الافضل، فأنا واثق من أنكم ستصوّتون للحلّ الأول، كونه يتماشى أكثر مع العادات والتقاليد.
رحم الله جميع الموتى ليرحم أهلهم وجميع المعزين بهم أيضاً.
شربل بعيني
سيدني ـ أستراليا

**
الرجاء قراءة التعليقات

هناك 14 تعليقًا:

  1. مايكل سيبي8:25 ص

    الأخ شربل الـعـزيـز

    أنا أؤيـد أفـكارك وهـذه الـحـداثة الـعـصرية ونحـن في زمن السرعة والـتـكـنـولـوجـيا

    ولكـن خـوفي من أنَّ أحـدهم يعـلق ويقـول : نـكـتـفي برسالة

    ( SMS )

    الموبايـلية
    دون أن نـتـرك الـدار ومشاهـدة الـبرامج الـتـلـفـزيونية

    مع الشكـر الجـزيل

    مايكـل

    ردحذف
  2. ماري ـ لبنان8:34 ص

    أنا مع الحل الأول.. أي حذف نصف المعزين.. لأن عاداتنا وتقاليدنا تتطلّب ذلك: أن يشاهد أهل الفقيد وجوه من حضروا.. وبالمناسبة أخبركم أنني غبت عن الوعي في إحدى الجنازات لكثرة التدفيش الذي حصل. شربل بعيني يطرح حلّين لمشكلة موجودة فعلاً.. فلماذا لا نصغي اليه.

    ردحذف
  3. جميل بابا8:39 ص

    صباح الخير
    شكرًا لك على الاقتراحين وأنا أصوت للاقتراح الأول مع كل الاحترام لمن يصوت للحل الثاني
    جميل بابا

    ردحذف
  4. محمود الحسن ـ كولون ـ ألمانيا8:47 ص

    المشكلة ليست عند المسيحيين فقط، بل هي موجودة عند المسلمين أيضاً.. وهذا كما قال شربل يرجع الى نفس العادات والتقاليد، فكيف الحال اذا اجتمع المسيحيون والمسلمون في جنازة واحدة.. قولوا معي: ألله أكبر.. يجب أن نطلب الشرطة لتنظيم الأخذ بالخاطر

    ردحذف
  5. موفق ساوا9:49 ص

    مقال بقلم مبدع
    اكثر من رائع
    يا معلـّم شربل

    ردحذف
  6. انطوني ولسن3:09 م

    عزيزي شربل..
    جميل أن نكون فاعلين متفاعلين مع كل ما يحدث مع جالياتنا العربية في المهجر. موضوعك اليوم عن التعزية والعادات المتبعة . قرأت الأقتراحين وكلاهما فيه راحة لأهل المتوفي رجلا أو إمرأة ، طفلا أو طفلة . التعزية بإقتراحك الأول
    قبل يوم الدفنة. وهذا أمر متبع وغالبا ما يكون فيه راحة لأهل
    المتوفي، خاصة بعد سماع كلمة الرب من الأب الكاهن أو القس.
    أما بالنسبة للكنيسة فتكون فرصة لمن لم يستطع التعزية من قبل وهنا الوضع مختلف . لأن ما أصعب الوداع .. وداع الأحباء
    دائما وأبدا توجد أوراق لتسجيل إسم المعزي عند مدخل الكنيسة فيسجل المعزون أسماءهم . أما من يضع أسماء أهله أو صحبه دون وجودهم
    فلا أظن أن في هذا جريمة . على الأقل يكون أوصل تعزية لمن لم يستطع الحضور
    والحل هنا كما أراه أن ينبه الكاهن أو القس إذا كان عدد المعزين كثير كما وصفت أن لا عزاء ويطلب من الأهل التوجه إلى السيارات للذهاب فورا إلى المدافن وعادة يلتقي المعزون أو بعض منهم عند مكان الدفن. بعدها يعودون إلى المكان الذي تحدده الأسرة للتعزية والمشاركة معهم بتناول الطعام على روح المتوفي
    هناك شيء أخر أريد أن أضيفه لهذا الموضوع .. وهو عملية حمل صندوق "المتوفي" على الأكتاف. أرى في هذا العمل نوعا من التخلف الذي ورثناه من الأخرين أيام الدولة الفاطمية. لذا أتمنى أن يوضع الصندوق فوق الحاملة ذات العجلات ويسير أهل "المتوفي" إلى جوار الصندوق من الجانبين بكل خشوع. وأيضا يتم فعل
    ذلك بعد إنتهاء الصلاة
    هذا ما أوصيت به زوجتي وأبنائي عندما يحين وقت إنتقالي
    شكرا لك شربل على أفكارك التي تريدنا تغيير الكثير من العادات الخاطئة التي ورثناها

    ردحذف
  7. ناجي أمل الوصفي5:49 م

    أخي العزيز شربل
    لا يختلف مقالك كثيرا عن مقالي بعنوان ((مبروك المولود الجديد))
    طريقة العلاج أختلفت أما المشكلة التي تحدثنا عنها فهي واحدة

    من الواضح انك ترفض التغيير بل وتحذر من ينادي بالتغيير من بطش الرجعية
    هذا أمر مفهوم ومتوقع
    وكل من دفع البشرية إلى الأمام شبرا واحدا دفع حياته ثمنا للمبادئه
    من عهد إخناتون (الذي نادى بالتوحيد( إلى عهد مارتن لوثر كينج (الذي نادى بالمساواة)

    أخوك دائما

    ردحذف
  8. عزيزي شربل
    المشكلة تكمن في النفوس وما العادات والتقاليد في إلا ترسيخ لجذور تربت عليها أجيال، ومهما تحدثنا عنها لا ولن نقدر على إزاحتها من النفوس، لأن زحزحة جبل من الجليد ثلاثة أرباعه في أسفل المحيط، أهون من زحزحة ما في النفوس. والأهم هو أن هناك الآلاف من الفقراء والبسطاء من أبناء أمتنا في الوطن الأم وفي المهاجر لا يجدون ربما سوى معزياً واحداً في فقيدهم/تهم، ولكن الوجاهة والأبهة والـ(شاو أوف) كما يقال في الإنكليزية هي التي تزيد من أعداد المعزين في الأيام الأولى الثلاث من الدفن، وبعد ذلك يعود كل شيء كما كان مهما كان الفقيد مهماً في حياته ومهما كان خادماً لأبناء الجالية، ومهما كان فاعل خير، ولنا في الكثير من الذين أعرفهم وتعرفهم أنت شخصياً فقدناهم أو افتقدناهم بسبب الموت، فعلة من تقرأ مزاميرك يا شربل اللي راح راح يا قلبي شكوتك لله والبقاء لله
    فؤاد الحاج

    ردحذف
  9. فادي الحاج8:46 ص

    أولاً شكراً لطرحك أستاذ شربل لهذه المواضيع التي هي فعلا تهم الجالية بجميع أطيافها وهي مشكله ليس لها حدود جيوغرافيه
    الملاحظ في أيامنا هذه هو وجود أشخاص يقومون بتقديم واجب العزاء وهو امر واجب يثاب فاعله وله اجر عظيم لما فيه من تخفيف على أهل الميت وتطييب خاطرهم ولكن هناك أمور يقوم بها بعض الناس تضايق أهل الميت وليست من اداب العزاء. اعتقد ان ما عناه الأستاذ شربل بتنظيم العزاء بأقتراحاته هم على الأرجح الشخصيات المعروفة كأعلاميين وسياسيين او زعماء ووجهاء المجتمع. أما البقية من العامة لا ينطبق عليهم كلا الاقتراحين بحيث أصبحت تقتصر بمعظمها بدائرة الأصدقاء والمحبين القلائل والأهل .
    وأن الحل لهذه المشكلة هو اتباع الاقتصار في العزاء وذلك عن طريق المسجد او الكنيسة أو الاتصال بالهاتف أو في مكان تغسيل الجنازة أو المقبرة أو الشارع وأن تعذر يذهب إلى منزل أهل المتوفى ويعزيهم ولا يجلس لديهم كثيراً ويدع في عزائه ترك أمور الدنيا والسؤال عنها أو الخوض فيها.
    هناك بدع ظهرت لدى كثير من المعزين حيث ان هناك اموراً تزعج اهل المتوفى والمعزيين ولكن ذلك لا يحرك ساكناً لدى البعض فالعزاء وضع اصلاً تطييب خاطر اهل المتوفى وتعزيتهم والأخذ بالأسباب التي تدفع عنهم مصيبتهم لا أن تحضر للعزاء لكي تزيد في هموم اهل المتوفى والواجب علينا ان نعزي ببعض الأقوال المأثورة مثل (أحسن الله عزاكم) و(كذلك لله ما أعطى وله ما أخذ) فهذه العبارات قد يكون لها وقع لدى أهل المتوفى ويجب ألا يطيل المعزين لدى اهل المتوفى لأن في ذلك احياناً مضايقة لهم، ومن الأشياء التي ابتدعها الناس في العزاء هو التوافد على منزل أهل المتوفى لتقديم العزاء بأوقات غير مناسبة تبدأ من الفجر ومنتصف الليل وغيرها وهذا الأمر قد يقع لدى اهل المتوفى موقعاً لا يسر تصوره.
    أما انا اقترح ان يكون هناك صالات مخصصه للقيام بمراسم العزاء على غرار صالات الأفراح . وتكون ملمة بتقاليد جميع الطوائف وتلتزم بجميع المستلزمات على سبيل المثال تأمين تمر والكنافة او زنود الست في مثل عادات المسلمين تقدم خلال العذاء، و كتب للتواقيع الحاضرين، وأنا أؤيد الأخ الذي علق بأن لا مانع ان يوقع شخص نيابة عن شخص آخر مقرب تعذر عليهم الحضور، المهم توصيل عبارات المواسات والمحبة ومشاركة الأحزان . ومنها أيضاً تأمين رجال دين بحسب طائفة الفقيد ليقوم بمراسم العذاء من قراءة قرآن الكريم او تراتيل من الإنجيل المقدس الخ... وبهذا تخفف عبء ومشقة تنظيم المراسم التعزية فقط وأنا أتكلم طبعا بتقاليدنا العربية العفوية ومنها الرسمية.
    Best Regards,
    Fadi El Haje

    ردحذف
  10. ايلي عاقوري8:51 ص

    I wish ya Charbel
    for me I don’t ( Azzi) I always send a Card

    ردحذف
  11. د. عبدالله عقروق ـ فلوريدا8:56 ص

    مع خالص تحياتي الى زعيم العرب في استرالي .يؤسفتي أن اقول لك انا مع التقاليد والعادات .فهذا احترام للميت وأهله ..طبعا أحترم رأيك وأقدر اجتهادك .أنتم بأستراليا لكم وضعكم الخاص .فلا اجد ضرورة لتطبيق عاداتنا . وللعلم فعاداتنا غير سيئة يا حبيبي شربل ..بارك الرب فيك وباجتهاداتك وتواصلك مع قرائك
    أخوك عبدالله

    ردحذف
  12. محمود شباط ـ الخبر ـ السعودية9:10 ص

    حلان لتلافي الحشود
    اطلعتُ على مقالك بعنوان "حلان لتلافي الحشود أثناء تقبل التعازي" حيث يومض همك لتقويم العادات إضافة إلى حملك لهموم الأدب والشعر.كما اطلعت على التعليقات المتسمة بالظرف والاستحسان والإدلاء بالرأي. استوقفتني معلومة جديدة في كلمة الأستاذ أنطوني ويلسن عن أننا ورثنا حمل التابوت على الأكتاف عن الفاطميين. معلومة يستحق الأستاذ ويلسن الشكر عليها.
    في شرائح اجتماعية معينة يسمع المشارك في العزاء عبارات مواساة لم تتغير منذ قرون ربما، ثرثرات ضحلة الدلالة ولكنها للأسف لا زالت سائدة جامدة بجماد عجلة تطورنا. أين من تلك "الثرثرات" عمق معاني المواساة الشهيرة التي أدلى بها شبيب بن شيبة للخليفة المهدي حين قدم لتعزيته بابنته قائلاً "أعطاك الله يا أمير المؤمنين أجراً ، وأعقبك صبراً، لا أثقل الله بلاءك بنقمة ولا أزال عنك نعمة، فرحمة الله خير لها منك ، وثوابه خير لك منها، وأحق ما يصبر عليه هو ما لا سبيل إلى ردِّه".
    نثمن مبادرتك أخي شربل لانتهاج الجديد المفيد على حساب القديم العديم، نشد على راحتك حين تدعو الطيور المنسابة بتكاسل ولامبالاة مع السرب حيث يتجه السرب، وحثها على تصليب عضلات أجنحتها كي تحلق إلى أعلى ، أو في أي اتجاه تريد. سلم قلمك ، و لجناحيك القويين دوام الطيران في أجواء الحرية والتطور والإخاء والإباء . دمت شاعراً و أديباً ومصلحاً و.. إنساناً.
    مع محبتي
    محمود شباط
    الخبر في 29/01/2013


    ردحذف
  13. د. عدنان الظاهر ـ ألمانيا9:20 ص

    كيف حالكم أخي شربل
    أخي جاوز الظالمون المدى ...
    هل ستحضر فاتحتي؟
    لا... بل أرسل لي وأنا تحت التراب رسالة إيميل..
    معقول هذا المقترح ولا لا ؟

    ردحذف
  14. عصام ملكي6:33 م

    يا غابّين من الوعي غبّه
    دخل السما لا تمثلّو محبّه
    ليا بو الزلف في عندنا هيهات
    ولكل خردق عندنا طبّه
    الماضي انتهى وعم نعملو حكايات
    شروطو ما فيها الحاضر تلبي
    لا تفتحولو بهالعصر درفات
    وتعيّشو تقاليد منكبّه
    ولا تعمّرو عا يرحم الاموات
    وقت العزا وعا دموع منصبّه
    ان كان مش رح تشطبو العادات
    لازم تضلّو تلبسو شراويل
    وتسافرو عا الكر والدبّه

    ردحذف