لعن الله من منحني شهادة الدكتورة الفخرية

بقلم شربل بعيني ـ

هذا ما قاله يوسف الحنكليس عندما غادر منزل أحد أصدقائه في سيدني، فلقد أراد هذا الصديق أن يكرّمه بعد نيله أعلى شهادة في العالم، وأن يفاخر به أمام جيرانه العرب، فدعا أكثر من ثلاثين شخصاً الى حفل باربكيو على شرف الدكتور حنكليس، وما أن انتهى الجيران من التهام لحوم الغنم والدجاج، حتى التفتوا الى حضرة الدكتور وراحوا يوجهون له الاسئلة المحرجة:
ـ أهلا بك يا دكتور وألف مبروك الشهادة.. أنا اسمي فاضل أسكن في ثالث بيت من هنا، أحب أن أسألك شيئاً عن معركة اليرموك، متى حصلت ولماذا حصلت؟
ـ آسف، لم أسمع بهذه المعركة اطلاقاً؟
فصاحت سهام إبنة صاحب المنزل التي لم تبلغ بعد ربيعها الثالث عشر:
ـ معركة اليرموك، وقعت عام 15 هـ (636) بين المسلمين والروم (الإمبراطورية البيزنطية)، ويعتبرها بعض المؤرخين من أهم المعارك في تاريخ العالم لأنها كانت بداية أول موجة انتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب.
ـ أنا نجوى، ومن حقك يا دكتور أن لا تعرف شيئاً عن التاريخ، لأن الدكتورة التي حصلت عليها قد تكون أدبية، هل لك أن تعدد لنا الأسماء الخمسة في اللغة العربية؟
ـ لم اسمع بها ايضاً؟ هل هي حقاً باللغة العربية؟
فصاحت سهام مرة ثانية:
ـ أب، أخ، حم، فو، ذو..
ـ أنا سامي أقرب الجيران الى صديقك، يا حضرة الدكتور، إذا لم تعرف بالتاريخ واللغة فإذن أنت دكتور علوم. عدد لنا أسماء الكواكب في المجموعة الشمسية لو سمحت؟
ـ كواكب في المجموعة الشمسية؟ هذا عجيب حقاً! ولكني لم أسمع بها ايضاً.
فصاحت سهام مرة ثالثة:
ـ عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، زحل، أورانوس، نبتون، وبلوتو.
وما أن لفظت إسم "بلوتو" حتى راحوا يصفقون لها، وينادونها بالدكتورة سهام.
هنا تدخل صديقه والد سهام بعد أن وجد أن العرق المتصبب من جبينه قد يسبب له الذبحة القلبية، فصاح بأعلى صوته:
ـ اتركوا الدكتور يا جماعة، بلا أسئلة بلا بلوط.. صديقي حصل على الدكتورة الفخرية بالموسيقى.
ومثل هزة أرضية صاح الجميع:
ـ فليطبل لنا إذن؟
ـ لا توجد طبلة..
ـ فليطبل لنا على تنكة الزيت.. المهم أن نسمع موسيقاه.
وفجأة، شذر حضرة الدكتور ابنة صديقه الطفلة الذكية بلؤم شديد وانسحب من حفل التكريم، وصوته يلعلع في الفضاء:
ـ لعن الله من منحني شهادة الدكتورة الفخرية.. إنه لص ابن لص.
وكان أول شيء فعله حين حط الرحال في منزله أن أنزل الشهادة من على الحائط ورح يدوس عليها الى أن حطمها شر تحطيم.
ملاحظة: هذه القصة لا تعني لا من قريب ولا من بعيد أولئك المبدعين الحقيقيين الذين منحوا شهادات دكتورة فخرية من جامعات عالمية معترف بها ويحق لها منح مثل تلك الشهادات، فلهم ارفع قبعتي.

الإباحية عند روميو عويس

بقلم شربل بعيني ـ
   
مساءَ الخير،
      بعد مسيرة طويلة مع الغربة يُتحفنا الشاعرُ الصديق روميو عويس بإصدار كتابين رائعين، هما: كاس نبيد وعناقيد شعر، وصدقوني ان كلَّ قصيدة في هذين الكتابين تتشاوف على غيرها، لدرجة احترت معها من أين أبدأ، ولكي اكونَ منصفاً، سأبدأ من ديوان "كاس نبيد" لأن لقصائده الفضلَ الأولَ في إصدار ديواني الأخير "عبلى"، فلقد تساءلت وأنا أقرأ قصيدة "يا ريتني خياط": هل روميو أكبر مني سناً أم أصغر؟ فوجدته يسبِقُني بعدة سنوات. إذن، فالغزلُ الإباحي ليس حكراً على الشعراء الشباب، بل يَحُق لأي شاعرٍ أن يكتبَه، بغض النظر عن سنوات عمره، إذ أن الشعرَ صوتُ القلب، والقلبُ لا يشيخ. وإليكم ما كتب:
عليي اتركي فستانك الصيفي     
بفصّلك الموديل ع كيفي
شوب الدني رح اعملو بلا كمام      
مزلّط ع ضهرك اجمل الهندام
وفتحات ع جنبين نحت رخام     
وأرشتو ع الصدر من قدّام
احلى اذا بتبيّن القونه      
من بين هالـ ريتن يقبروني
خيّاط "نسونجي".. ولكنه شريف، عينُه فقط على زبونة واحدة، لا تأتيه إلا وقت الحشرة، لذلك نسمعه يصرخ: 
يا ريتني خيّاط وتكوني     
بآخر نهاري آخر زبونه
وصدق المثلُ القائل: العين بصيرة واليد قصيرة.. مسكين روميو، لا هو خياط ولا هي جولييت.
ومن قصيدة "كاس نبيد" أختار ما يلي، فقط لتُدركوا أن هذا الشاعرَ الختيار ما زال يعيشُ مراهَقَتَه:
وبين اللي بدّا وبين ما بتريد     
ما عاندو عراوي بلوزتها
بوّس شفافا تقول: دخلك زيد      
وشو شفاف؟ متل المسك طعمتها
وبين الضحك واللعب والتغريد      
فوّرت ع النار ركوتها
مجنون مَن يعتقد أن روميو فوّرَ "ركوة القهوة" بالمفهوم الذي نعرفه، معاذ الله، فعبارة "فورت ع النار ركوتها" تنطوي على ايحاءات جنسية صارخة، قد لا يُسمح لي أن أفسرَها لكم الآن.
روميو عويس الشاعر، في كل ما كتب، يرفض أن يتخلى عن شبابه، عن نزواته، عن دقات قلبه، اليس هو القائل:
مين قال كبر العمر بيولد فتور      
بالقلب.. وفصول الربيع بتنتهي
ورغم كثرة حبيباته، تبقى هناك حبيبةٌ واحدة، لا يمكن لأي أنثى أن تحتلَّ مكانَها في قلبه، إنها بلدَتُه "رشعين" الشامخة في شمال لبنان، والمشهورة بنبعها، لا بل نراه يستدرجُ حبيبتَه كي تُحِبَّها أكثرَ منه:
مشّي معي "رشعين" حلوه تفرّجي      
من النبع دوقي طيبة مويّاتها
بالمي.. أوعِك تدعسي بتلّجي       
وإمك.. بيطلع عَليي خواتها
لقد طلبتَ مني يا صديقي أن لا يزيدَ كلامي عن خمس دقائق، وها أنا أتقيّد بالوقت وإن كنتَ قد ظلمتني.. فشعرُك يدعوني للاسترسال وأنت تدعوني للإختزال.. وانا بين الاسترسال والاختزال ضائعٌ والله. وشكراً.

عهد التميمي

عهد التميمي أصبحت أملا
بنتُ النشامى هزّت الجبلا
شعبي أنا قد عابه فزعٌ
لمّا رآها إنطوى خجلا
الإسمُ صارَ اليومَ بيرقَنا
في كلّ قطرٍ قد سما وعلا
صيحاتُها زادتْ توجّعَنا
لكنّها لم تعرفِ الوجلا
والدّمعُ باسَ الخدَّ في عجلٍ
ما منْ دموعٍ تسبقُ العجلا
لكنّ دمعَ "العهد" منتظرٌ
كي يستقيْ من خدّها العسلا
لا لن تقولوا: وجهُها قمرٌ
ما همّها بدرٌ وإنْ كمُلا
فالشمسُ غارتْ من توهُّجها
والشعرُ غنّى إسمَها غزلا
والقدسُ قالت: هذه فرحي
مثلَ "التميمي" لم أجدْ رجلا
أوصافُنا يا "عهدُ" ناقصةٌ
إلا إذا نادتْكِ: يا بطله

شربل بعيني
**

الانفلونزا القاتلة تصيب شهادة الدكتورة الفخرية



لست أدري كيف يسمح الدكاترة الحقيقيون بأن تمر مهزلة منح شهادات الدكتورة الفخرية من معاهد شتى دون أن ينبسوا ببنت شفة، أو أن يعلموا جامعاتهم بالمهزلة التي تحصل على مرأى منهم.
هناك عظيمان فقط، لن أذكر اسميهما كي لا أجرح كبرياءهما، أرجعا شهادة الدكتورة الفخرية التي منحت لهما لأنها غير صالحة للاستعمال، إذ ان مانحها لا يستوفي الشروط المطلوبة كي يمنح شهادة مدرسية ابتدائية فكم بالحري أعلى شهادة في العالم.
شهادة الدكتورة الفخرية هي أصعب شهادة تمنح لمستحقيها من جامعات معروفة، تقيم لها احتفالات كبرى أمام دكاترة الجامعات وطلابها والاعلام المرئي والمسموع والمكتوب. انها فخر لا يضاهيه فخر، ولذلك يهتم عمدة كل جامعة بها اشد اهتمام، ولا تمنح إلا نادراً، ونادراً جداً جداً.
اليوم بدأوا يشرشحون الشهادة، وبدأوا يوزعونها كما توزع المأكولات في مطاعم الفقراء، ببلاش، ولمن يرضى باستلامها، عله بذلك يرتفع شبراً عن زملائه.
إنها انفلونزا شهادة الدكتورة الفخرية القاتلة، التي تفتك بمانحها المتطفل، قبل أن تفتك بمستحقيها المساكين، إذ تحول المانح المتطفل الى القضاء، لأن هذا ممنوع قانونياً، والمستحق الى المهزلة.
ألا فاسمعوا وعوا.. هنا في أستراليا معاهد كثيرة، بإمكانها فقط أن تمنح شهادات استحقاق وتشجيع بالاضافة الى شهادات بالطبخ والنفخ إلى آخره، ولكن لن تتجاسر، رغم عظمتها، على منح شهادة دكتورة فخرية لأي كان، كما يحصل مع معاهدنا العربية الوهمية. الجامعات فقط، وليس كلها، لها الحق بمنح شهادة الدكتورة الفخرية.
فيا أعزائي، أنتم مبدعون حقاً، فلا حاجة لكم بشهادات ليست بشهادات، فما تركتم من نتاج ستكرمون عليه ما دام الكتاب خير جليس في الأنام، لذلك أطالبكم بأن تحذوا حذو العظيمين اللذين ذكرت سابقاً، وتعيدوا شهادات الدكتورة الى مانحيها مع كلمات جارحة كي لا يعيدوها مرة ثانية ويسيئوا الى غيركم كما أساؤوا اليكم بمنحكم ما ليس من حقهم.
هذا رأيي مع احترامي الشديد لكم.
شربل بعيني

يا ضايعين/ عصام ملكي

مرة جديدة يهديني الشاعر عصام ملكي إحدى قصائده الجميلة، وكأنني المحظوظ الوحيد، الذي حصل منه على أكثر من مئة قصيدة والحبل على الجرار.. فألف شكر له:

يا ضايعين بقلكم إنو
عا الواقع القانون منسنّو
هللي بكبر العقل إسمو كبير
مش هل بيقولو طاعن بسنو

مفروض ما تخلو العقول تطير
صوب الوعي غاراتكم شنّو
ها العمر اسمو دخنة سواكير
عطونا عبر وجراسكم رنّو

ولا تجبرونا إدن طرشا ندير
وقت البلا أسباب بتعنّو
من زمان قلت بأصدق التعبير
شربل بعيني جبلتو إخلاص
هنيال هللي بينعدي منّو

استقلال 2017

أقام مجلس الجالية اللبنانية برئاسة الصديق علي كرنيب حفلاً رائعاً بمناسبة عيد استقلال لبنان، وقد ألقيت هذه القصيدة تكريماً لابن عائلتي البطل اديب البعيني:

المجلس.. عم بيعيّد عيد
استقلال بلاد الأرز
الارض اللي شبعت تمجيد
وخلتنا نغرق بالعز
أبطال.. ويا شعري شيد
ورش عليهن ورد ورز
وفوق الكلمه محبّه زيد
بالحبّ الدنيي بتهتز
غنّوا للشعب أْناشيد
وجروحن كانت بتنز
ع مجدن ما بقدر زيد
هنّي المجد.. وهنّي الفخر
وهنّي المال.. وهنّي الكنز
ـ2ـ
ومن عيلتنا في أديب
البعيني شيخ الأبطال
ضحّى بدمو.. ومش غريب
يفدي بروحو الإستقلال
بقلّك يا علي كرنيب
لبنان بدّو هيك رجال
من الشوف لضهر القضيب
من جنوب بيحلم بشمال
لبنان باقي بالصليب
لبنان باقي بالهلال
لبنان باقي مهما نغيب
بقلوب شيوخ وأطفال
إسمو لبنان الحبيب
إسمو بالغربه رسمال
وبيرق عزّو ما بينطال

اللغة الشعرية والادراك الحسي في معمار القصيدة الغنائية لدى الشاعر شربل بعيني/ نزار حنا الديراني


شربل بعيني ونزار حنا الديراني ـ بغداد 1987
بداية ، نشير إلى أن جمالية النسق اللغوي – عند الشاعر شربل بعيني سواء أكان نسقاً وصفياً أم سرديا، لا يتأتى من بداعة التشكيل اللغوي فحسب، وإنما من بداعة الرؤى المستفيضة التي توَلِدها مخيلته الشعرية حين تكون في حركة الأنساق؛ وما تثيره من مؤثرات ترفع وتيرة المتخيلات الشعرية جاذبية، فالشاعر يشتغل في مجاميعه الشعرية ( التي فاقت 40  مجموعة من بينها قصائد ريفية ، ظلال ، اوزان ... ) على اللعب الشعري في إخضاع اللغة الى مراياه الشعرية من خلال الاحتفاظ باسلوب مرتبط بلغته الشعرية المصبوغة بطابعها الشخصي التي تتضافر مفرداتها وصورها فيما بينها مكونة مشاهده الشعرية المتلاصقة بروح الوطن والغربة دافعا بذاته الشاعرة المعبرة عن ذات الإنسان لتصور مشاعره التي تمتاز بالتدفق العاطفي والخلجات وكل الانفعالات كاشفا عن أصالته الشخصية لترتقي الى مصاف ذات الشعراء الكبار في التراث العربي ، لذا شق الشاعر لنفسه أسلوباً يختلف عن أسلوب معاصريه من الشعراء اللبنانيين. فهو يضفي على معطيات الفكر ثوبا موضوعيا وعقليا بعيدا عن تحميل المفردة بشحنات تفوق طاقتها من خلال الرموز والأساطير والتزاوجات لتكون مطابقة قدر المستطاع للواقع ، ولكنه – في أغلب الأحيان- يضيف إليها – بكثافات متنوعة- عناصر عاطفية قد تكشف لنا أناه ، وقد تغيرها ظروف اجتماعية مردها حضور أشخاص آخرين ، أو استحضار خيال المتكلم لهم كقوله في قصيدة بيروت من مجموعته أوزان:

بيروتُ يا بَيْروتُ.. لا تَتَرَدَّدِي
قولي: أحبُّكَ.. كَيْ يُعانِقَني غَدي

لَوْ تَعْلَمينَ كَمْ يُؤَرّقُني النَّوى
لَفَتَحْتِ حُضْنَكِ واخْتَزَلْتِ تَشَرُّدي

أَمْضَيْتُ عُمْرِي كالرياحِ مُشَرَّداً
لكنَّ وجْهَكِ كانَ دَوْماً مَقْصَدي

وبما أن النص هو محصلة تفاعل المتخيلات الشعرية ، فإن ما يحفز اللغة الشعرية أنها فضاءات متخيلة أولاً؛ وإيحاءات نصية مموسقة ثانياً ، فالنص الشعري الذي جاء كنتيجة لانعكاس أنفعلاته الوجدانية وما يجيش في صدره من عواطف ، يستمد قيمته الفنية من طريقة صياغته وائتلاف مكوناته التعبيرية ليفيد من خصائصها الإيحائية ليؤدي أقصى ما لديه من طاقات جمالية ليسمو في التعبير الناتج عن مخيلة الشاعر شربل وذوقه كونه لصيق بالإحساس بالنفس الإنسانية ولا يستطيع أن يتحرر من أحاسيسه في التعبير عن مكنونات نفسه ، بما ينعكس ذلك كله على نتاجه الإبداعي . فيقول في قصيدته بغداد من مجموعته الشعرية اوزان :

أحْبَبْتُ وَجْهَكِ.. وَالْغَرامُ حِكايَةٌ
مِثْلَ الدِّماءِ تَدَفَّقَتْ بِمَفاصِلي

لَوَّنْتُ بِالشَّفَقِ الْجَميل شَوارِعاً
خِلْتُ الشَّوارِعَ أمْسَكَتْ بِأنامِلي

كَمْ مِنْ قَصائدِ حُبِّنا غَنّى الْهَوَا
وَتَشامَخَتْ فَوْقَ الرُّبوعِ مَنازِلي
إن التماثل والقافية يعتمد كلاهما على تكرار الأصوات المتشابهة في لغة الشعر فتتفاعل مستويات الصوت والمعنى،ضمن منظومة الشعر الغنائي الذي يمتاز كغيره من أنماط الشعر كونه لا يقتصر على الجانب المادي وحده ، لأن عاطفته تتجاوز الأحساس بالواقع، من خلال تشظيها وألتحامها مع عواطفنا مما يظفي على قصيدته طابع تأثيرها في المتلقي . حيث تُشكّل الذَّات لديه حافزَ انبنائها داخليًّا، فالذي يتكلم في القصيدة إنّما هو الشاعر نفسه وأناه المجروحة والّتي ترتبط بـ"ملفوظٍ واقعيٍّ" الذي ينشدّ إلى تلفُّظه من خلال الذّات الحقيقية والأصلية والتي هي الأنا الجمعي (الكل) كقوله لماذا أغني؟ من مجموعته ظلال :

غَريبٌ!.. 
وَخَلْفَ ارْتِحالي ارْتِحالْ
وَغَصَّةُ صَدرٍ، 
وَحُلْمٌ بِبالْ..
وَأُمٌّ تَحوكُ أُلوفَ الْحَكايا
عَساها تَنالُ الْبَعيدَ النَّوالْ
وَتِلكَ الحَبيبَةُ.. سِتُّ الصَّبايا
يُعَانِقُ قَدَّهَا طيبُ الدَّلالْ
فَكيفَ أُغَنِّي؟.. 
وَكُلُّ الْبَرايا
تَرُشُّ بِعيدِها زَهرَ الوَبالْ
فَكَيفَ أُغَنِّي؟.. 
وَبُومُ المَنايا
نَعيقُهُ شُؤْمٌ.. 
وَبَدءُ زَوالْ
وَأَرضي تَغوصُ بِبَحرِ الرَّزايا
وَشَعبي يَعُدُّ حُبوبَ الرِّمالْ؟
علينا أن ننظر إلى هذا الشعر من حيث التَّمادِي في الخيال والتَّصوُّراتِ داخل اشتغاله كنصّ لغويّ وجماليّ، لنُدرك مدى أهمية الموسيقى والتي هي جوهر الغنائيّة لياخذ الإيقاع وضع الدالّ العضوي والجوهري بالمعنييْن الفكري والجمالي ليكون مركز الثّقل .
وبما أن الشعر الغنائي يختصّ بالأحاسيس، فهي مادّته وموضوعه الأساسي ، ومن خلالها تمكن الشاعر من التعبير بوضعيّة خيالية أساسية للأحاسيس المعبَّر عنها، كي يوَصل قصيدته إلى النموذج المطمئنّ للحوار الداخلي المأساوي ذلك الفاصل من الخيال الّذي بدونه يستحيل تطبيق مفهوم المحاكاة على الشعر الغنائي، كما يرشدنا إلى ذلك جيرار جينيت . كما يتجلى في الشِّعْرِ الرُّومانِسيِّ الاندياحُ في عالم الطبيعة الواسع، والركون إلى أحضانها واستشعار حنانها وجمالها وروعتها ومناجاتها.  وهذا ما عبر عنه أيضا في قصيدته البحر الأزرق من مجموعته قصائد ريفية:
أَمْسِ،
كُنْتِ هُنَا يَا حَبِيبَتِي،
ما الَّذِي أَبْعَدَكِ عَنِّي،
وَأَنْتِ الضَّوْءُ لِعَيْنَيَّ الزَّائِغَتَيْنِ؟
قُولِي..
هَلْ خَلْفَ الأُفُقِ أُفُقٌ آخَر؟
وَالْبَحْرُ الأَزْرَقُ،
هَلْ غَزَتْهُ مَرَاكِبُ الزَّهْرِ؟
وَهَلْ طَافَتْ عَلَى وَجْهِهِ
بَطَّاتُ الْمَوْسَمِ الْحَالِي؟
عَمَايَ جَعَلَنِي كَثِيرَ الْفُضُولِ،
فَاعْذُرِينِي.
فالكتابة على ذاتيتها هي استحضار للآخر المنفعل عن طريق جعل أناه تنطق  بعد أن تقمطت الانا الجمعية ... الشاعرشربل من خلال كتاباته يعي واقعه الموضوعي ولعل هذه الانفعالية الواضحة، دعته على اختيار مفردات بسيطة ومألوفة قادرة على استيعاب طاقاته الانفعالية، بما يثير المتلقي، وبمعنى آخر تصدمه بما تحمله من شحنة توترية، يقوم اساسها على محورين: محور الذات الشاعرة ، المتأثرة، ومحور الموضوع، والعلاقة القائمة بينهما، التي إما ان تكون علاقة تنافر وخصام، واما ان تكون علاقة توافق وانسجام ، وذلك حال العديد من الشعراء الذين صاروا يتجرعون الأحزان نتيجة لما لاقوه في وطنهم الأم او في المهجر عبر كلمات جريحة تشدو بموسيقى الحسرة ما ألم بهم من مفارقات استدعت هي الأخرى تتابع الإيقاعات الموسيقية على اوزان أحبار أقلامهم الممزوجة بدماء الأبرياء مما جعلت الشاعر شربل أن يمتطي قلمه ركبا لمواساتهم وتعزيتهم لينعي القلوب المليئة بالزفرات المقموعة والبيادر الجميلة التي تفوح منها عيق الطفولة، كما يقول في قصيدته مزرعة الشوف من مجموعته اوزان :
غلاف كتاب نزار حنا الديراني عن شعر شربل بعيني

هذا أنا، يا شوفُ، هل ندمٌ
يكفي، لأنصبَ فيكَ أقبيتي

آتٍ كما الأطفالُ من سفرٍ
متلهّفاً، والريحُ أشرعتي

إنّي "بُعَيْنِيُّ" الهوى أبداً
أودعت فيها قدسَ أتربتي

يا "مجدليا" سجّلي فرحي
إلاّ لها لم تعلُ قبّعتي
نصوصه التي تحمل غنائية الحزن . الحزن الذي انكرته شواطئ الفرح وهي ذاتها التي عانقت المأساة حد أنفجار الأفكار وتشظي الخلجات وتشذر الأضلع ما بين جهات الاِختزال والترحال اللاهث صوب قيامة اليقظة ، اليقظة التي تحاول الرجوع للحلم الذي يعاود الاِحتراق لكن من دون جدوى الأمل .
نجد ان الشاعر شربل يميل الى استخدام المفردات ذات العلاقة الوطيدة بحياته اليومية، خصوصا عندما يتعلق الامر بالحضور المكاني، اذ تمتزج المفردات بلغة اكثر مباشرة، وقربا للفؤاد، مما يسمح للصور الشعرية بالتوالد والانصهار بتجربة الشاعر، وكما في قصيدته من قال؟ من مجموعته ظلال :
مَنْ قَالَ:
دِجْلَةُ
وَالْفُراتُ
يُغَذِّيانِ بِماءِ طُهْرِهِما الْعِراقْ
كَيْ تَشْمَخَ النَّخلاتُ
كَالأَبْطالِ؟
هَلْ فِي الْكَوْنِ أَبْطالٌ
كَأَبْطالِ الْعِراقْ؟
الزَّارِعِينَ الرُّوحَ
آياتٍ
وَراياتٍ
عَلَى شَطِّ الْعِراقْ
الْحارِقِينَ الْعُمْرَ إِيماناً
لِكَيْ يَتَطَيَّبَ فِيهِ الْعِراقْ..
وَالسَّاكِبِينَ دِماءَهُمْ
كَيْ تَمْحُوَ الآثَامَ
عَنْ وَجْهِ الْعُرُوبَةِ
.. وَالنِّفاقْ
وهكذا في قصيدته خريفي من مجموعته قصائد ريفية:
خَلَعَ الرَّبِيعُ عَبَاءَتَهُ وَمَشَى،
بَعْدَ أَنْ دَفَنَ بَقَايَاهُ فِي قَعْرِ ذَاتِه.
كُلُّ الْمُرُوجِ تَأَوَّهَتْ،
وَتَأَهَّبَتْ لِلسَّيْلِ الْجَارِفِ
الآتِي مِنْ مُحِيطَاتِ الْغَيْمِ الأَسْوَدِ.
خَيِّمِي عَلَيَّ..
فَخَرِيفِي يَتَلاعَبُ بِي،
يُثِيرُ أَعْصَابِي،
وَيَجُرُّنِي نَحْوَ الْمَجْهُولِ.
مُدِّي يَدَيْكِ وَأنْقِذِينِي.
إن هذا الوعي الإدراكي الذي يملكه الشاعر شربل بعيني بشأن العلاقة بين الشكل والمضمون واللغة لدليل على خبرة معرفية تتماثل تماما مع تأريخه الشعري الطويل الذي يمتد لعشرات السنين والتي من خلالها أطلع على تجارب المئات من القصائد الشعرية التراثيىة والمعاصرة مما مكنته من تطوير تجربته الشعرية ومرجعياته المعرفية و الثقافية ، ومعرفته أهمية التلاحم بين الشكل والمضمون في خلق الشعرية وخصوصا في القصائد التي تميل الى التراث شكلا ، فلا شعرية للشكل بمعزل عن المضمون ، ولا شعرية للمضمون بمعزل عن الشكل ، فكلاهما متلاحمان في اللغة الشعرية، لخلق مثيراتها الجمالية .
فإن ما يعزز شعرية المتخيل لدى الشاعر بداعة النسق الوصفي، وحيازته التصويرية المراوغة فالإحساس بالجمال، والوعي الجمالي بالأشياء هو ما يمنح الشعرية لدى الشاعر شربل خصوصيتها الفنية ومداركها الشعورية العميقة . كقوله في قصيدته حرجي الشّمالي من مجموعته قصائد ريفية
إِحْمِلْنِي أَيُّهَا الضَّوْءُ إِلَى رُبُوعِ بِلادِي،
فَأَنْتَ أَسْرَعُ مِنَ الصَّوْتِ،
وَأَخَفُّ مِنَ الْهَوَاءِ.
مُشْتَاقٌ أَنَا لِتِلْكَ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ،
الَّتِي زَرَعْتُهَا بِأَشْجَارِ الزَّيْتُونِ الْخَضْرَاءِ.
قُلْ لِي، بِرَبِّكَ،
هَلْ شَاهَدْتَ حُرْجِيَ الشِّمَالِيَّ؟!
وَهَلْ أَعْطَيْتَ الْحَمَامَ بَعْضَ أَغْصَانِهِ؟!
أَنْتَ أَنَانِيٌّ أَيُّهَا الضَّوْءُ،
لأَنَّكَ تَسْتَأْثِرُ بِالسَّلامِ لِوَحْدِكَ.
ختاما اقول جاءت تجربة الشاعر شربل متميزة على الصعيدين الفكري والفني ، فهي من ناحية الشكل تحمل نضجا فنيا واضحا في الصورة المعبرة الناضجة ، واللفظة الموحية ذات القدرة على التأثير، وطرق وجدان المتلقي ، بعيدا عن تعقيدات اللغة ، وانغلاق رموزها ، ومن الناحية الفكرية ، تكشف عن حالة تأجج نفسي يحمل ملامح تجربة اغترابية واضحة إذ ان تناول العلاقات والانظمة اللغوية في النص، يكشف عن قدرة شعرية ، أنتجت مجموعة من السياقات اللغوية ذات التراكيب الخاصة ، التي تنطلق من حالة توتر نفسي، وتأزم وجداني، تسيطر على الشاعر، وتبدع ما يناسبها من الالفاظ . 
إن الحضور المكثف لجملة هذه العناصر من الرويّ والقافية مرورا بالتفعيلة ساهم مساهمة فعالة في تأسيس شعريّة القصيدة الغنائية لدى الشاعر شربل بعيني، وخلق فضاء تتزاوج فيه العناصر بهدف تأسيس إيقاع القصيدة . وقد استطاع الشاعر بفضل براعته أن ينسج خيوطا من التّواصل الإبداعي مع الظّواهر الشّعرية القديمة و نحتها على نحو جديد في إطار من التّراكيب الحديثة، إ

كتاب "اليوبيل الفضي لجائزة شربل بعيني" باللغتين العربية والانكليزية


صدرت، بعونه تعالى، الطبعة الورقية لكتاب "اليوبيل الفضي لجائزة شربل بعيني" باللغتين العربية والانكليزية، وتحتوي على كلمات وقصائد رائعة، بالاضافة الى ملحق ملون لصور تاريخية التقطت في الاحتفال. وسنرسل نسخاً من الكتاب الى الفائزين وكل من شارك في الاحتفال، بعد أن يزودونا بعناوينهم. ألف شكر وألف مبروك مجدداً.

زوار نحنا/ عصام ملكي

قصيدة الشاعرعصام ملكي كما نشرتها
مجلة صوت الشاعر بلبنان
قصيدة جديدة يهديها الشاعر عصام ملكي لصديقه الشاعر شربل بعيني، تضاف الى المئات من قصائد محبته وتشجيعه لشربل

يا شربل بعيني.. الوحي أسرع
بوصفك لأنو كاسك منكرع
الظاهر انت مجبول بالإحساس
بوجه الأوادم بابك مشرع
إسمك ذكرتو وشربت كم كاس
وقلت لأنا تا بشعر إتبرع
زوار نحنا متل كل الناس
ومتل الشجر يبيسنا منفرع
ولما النهايه بتنتهي بقداس
وبيصير بدو العظم يتفرع
بتصير بزره روحنا وبتطير
صوب السما تا بغيرنا تزرع