إيمان إمي صنع أعجوبة

اليوم في الثاني من ايلول يصادف عيد ميلاد امي المرحومة بترونله بعيني، فاسمحوا لي اذن ان أنشر هذه القصة الحقيقية كمعايدة لها في ملكوتها السماوي حيث يوجد الكاهن رود براي ايضا:

إذا كنتم لا تؤمنون بالعجائب أرجوكم أن لا تكملوا القراءة، فلقد كنت مثلكم إلى أن حدث ما حدث.
ذات يوم زارنا الكاهن "رود براي" خادم كنيسة "سانت مارغريت ماري" في منطقة ماريلاندز، جرياً على عادته في تفقّد الرعية، فاستقبلته أمي بالترحاب، ومدت أمامه وليمة صغيرة مؤلفة من أطايب ما طبخت في ذلك اليوم.
وكان بين الفينة والفينة يمسح سائلاً لزجاً يسيل على جبينه، لدرجة لم يعد قادراً على ايقافه، فسألته والدتي بالعربية، وأنا أترجم له ولها:
ـ ما بك يا أبانا؟ أرى درنة كبيرة في جبينك؟
ـ انه سرطان جلدي خبيث، وسأجري عملية استئصال له بعد أسبوع.
ـ أتسمح لي بأن أمسح الدرنة بزيت مقدّس وصلني منذ يومين؟
ـ ومن أين جاءك الزيت؟
ـ من لبنان، من كنيسة مار رومانوس ـ حدشيت.
ـ لا مانع عندي البتة.
هنا، لم أعد أتمالك أعصابي، فصحت بها:
ـ لا يا أمي لا.. قد يؤذيه الزيت.
فأجابت وهي تغطّس القطنة بالزيت:
ـ مار رومانوس لا يؤذي أحداً.
فما كان من الخوري "براي" إلا أن نهرني قائلاً:
ـ شربل.. شربل.. خلّ إيمانك قوياً بربك. لو كنت تعرف قصتي مع العجائب لما فتحت فمك.
ـ ولكن الزيت قد يسبب لك التهاباً أو ما شابه.
ـ ألم أقل لك خلّ ايمانك قوياً بربك، فلماذا تحرمني من نعمة أرادت والدتك أن تهبها لي؟.. ماذا كنت ستفعل لو علمت أنني كنت مقعداً في بداية مشواري مع الحياة، وأن أبي وأمي باعا كل شيء يملكانه من أجل دفع تكاليف رحلة جوية من سيدني الى سيدة "لورد" في فرنسا، هناك حملني والدي ورماني في المياه المقدسة، فخرجت منها معافى، ولكنني لم أعد معهما الى البيت، بل قررت أن أخدم رب السماء والأرض، وأن أصبح كاهناً، وها أنا أمامك بصحة تامة. فاخرس اذن، ودع والدتك تكمل ما بدأت به.
وبعد أن رسم إشارة الصليب، انحنى أمام الزيت المقدس، وهو يتمتم بصلاة لم أفهم منها شيئاً، وبعد الانتهاء، ركع على ركبتيه، وأغمض عينيه، وقال: أنا جاهز يا بترونلة.
فمسحت أمي جبينه، وهي تردد صلاة لم أفهمها أيضاً، وكأنني أعيش في دوّامة من الحيرة والقلق والخوف.
انتهت عملية مسح الزيت، فوقف منحنياً، ولكن هذه المرة قبالة أمي، وقبّل يدها وقال:
ـ أنا واثق من أن الله سيشفيني على يدك أيتها السيدة المؤمنة.
أثناء النوم، أحس الخوري "براي" أن حرقاً قوياً يجتاح جبينه، فنهض من فراشه وتطلع في المرآة، فلم يجد تلك الدرنة السرطانية، فما كان منه إلا ان اخبر الناس في قداسه الصباحي عن أعجوبة حصلت معه في الليل، وأنه سيلغي موعد العملية الجراحية، لأن الله هو الطبيب الأعظم. ولكنه لم يخبرهم عن اسم السيدة التي مسحت جبينه كي لا يعرّضها لمضايقاتهم واسئلتهم الكثيرة.
ولكي تطمئن أمي أكثر على صحته، طلبت مني في اليوم التالي أن أذهب الى مكان سكنه واصطحبه ليتناول طعام الغداء معنا.
قرعت جرس البيت، فلم يفتح لي أحد، تطلعت نحو الكنيسة فوجدت بابها شبه مغلق، فعرفت أنه في الداخل، وقد تتعجبون اذا قلت أن المفاجأة عقدت لساني، وأجبرتني على الخروج من الكنيسة على رؤوس أصابعي كي لا ينتبه لي. فلقد وجدته مصلوباً على الارض تحت الصليب المرفوع فوق المذبح، وهو غارق بصمت قاتل، لولا تنفسه البطيء.
بعد ربع ساعة من الانتظار، خرج الكاهن القديس ـ هكذا صحت يوم مر جثمانه من أمامي بعد سنوات من وفاة والدتي ـ ليتفاجأ بوجودي، فقلت له:
ـ أمي بانتظارك على الغداء، تريد أن تطمئن عليك.
فأمسك بأحد أصابعي وقال:
ـ هات إصبعك يا شربل، لتصدق أن ايمان امك قد صنع أعجوبة.
الشيء الوحيد الذي أطلبه من والدتي الآن، هو أن تقوّي إيماني بالله تعالى، فلو كنت قويّ الايمان وقتذاك لما حاولت منعها من مسح جبين الخوري "براي"، وإتمام تلك الأعجوبة المقدسة التي حدثت على يدها الطاهرة، وشاءني ربي أن أكون الشاهد عليها.
شربل بعيني
سيدني ـ أستراليا

ثور.. ثور.. يا شعبي ثور

منذ أكثر من ثلاثين سنة نشرت في دواويني الشعرية قصائد كثيرة أدعو بها شعبي الى الثورة، مثل مجانين، وعالم أعمى، وكيف أينعت السنابل، ولبنان بس.. وها هو شعبي يثور اليوم، لذلك اسمحوا لي أن أنشر إحدى تلك القصائد مجدداً:
ـ1ـ
ثُورْ..
ثُورْ..
شُو نَاطِرْ يَا شَعْبِي.. ثُورْ
فَبْرِكْ مِنْ ضَافِيرَكْ سَيْفْ
وْمِنْ آهَات وْلادَكْ تَوْبْ
مَا بْتِحْرُقْ خِيطَانُو النَّارْ.
ـ2ـ
قْصُورُنْ حَطِّمْهَا..
مْصَارِفْهُنْ..
خَلِّيهُنْ مِنْ ضَرْبِةْ كَفّْ
يْنِخُّوا قِدَّامَكْ وِعْيُونُنْ
عَمْ تِسْكُبْ دَمْعَات كْبَارْ.
ـ3ـ
لا تِفْزَعْ مِنُّنْ.. لا تِفْزَعْ
هَوْدِي هِنِّي لْصُوص الْهَيْكَلْ
يَللِّي عَ كْتَافُنْ كِرْبَاجْ
مْعَلَّمْ.. مِنْ هَاك الأَيَّامْ
الْـ شَرْقَطْ مِنْ صَابِيعَا.. نْهَارْ.
ـ4ـ
عَلِّي.. عَلِّي.. عَلِّي صَوْتَكْ..
بَرْكِي بْيِجْرُفْ سَدّ الذُّلّ
الْـ بَعْدُو بِيجَمِّعْ أَوْسَاخْ
مْنِ السُّرْقَاتْ اللِّي سَرْقُوهَا
مْنِ الْكِذْبَاتْ اللِّي كِذْبُوهَا
مْنِ النَّهْجَاتْ الْـ رِكْبِتْ صَدْرُنْ
كِلْ مَا غَطّْ اللَّيْل وْطَارْ.
ـ5ـ
لا تِسْكُتْ عَنُّنْ وِتْطَنِّشْ..
هِنِّي الْـ بَاعُولَكْ أَرْضَاتَكْ
هِنِّي الْـ شِرْبُولَكْ دَمَّاتَكْ
وْهِنِّي بْسَاعِةْ جُوعَكْ دَقُّوا
كَاسُنْ بْكَاس.. الدُّولارْ.
ـ6ـ
رَضِّعْ طِفْلَكْ حِقْد عْلَيْهُنْ..
قِللُّو تَا يْهَجِّي أْسَامِيهُنْ
وِيْعَلِّقْ عَ خَشْبِةْ تَخْتُو
تْصَاوِيرْ وْجُوهُنْ الِمْرِتِّه
الْيَابِسْ عَ خْدُودَا.. مِنْخَارْ.
ـ7ـ
صِبِّلُّو مْنِ عْضَام الْـ مَاتُوا
فَرْد زْغَيَّرْ..
شِدِّلُّو مْنِ غْصُون الأَرْزِه
قَوْس النِّشَّابْ الْـ عَ سْهَامُو
مَحْفُورَه آيَات التَّارْ.
ـ8ـ
خَلِّصْنَا بْزِنْدَكْ خَلِّصْنَا
رَجِّعْنَا.. تْعِبْنَا مْنِ الْغُرْبِه
وْنِسْيِتْنَا الأَرْضْ.. وْنِسْيِتْنَا
كْرُوم دْوَالِينَا الْـ بِالْعَالِي
الْـ مَاصِصْلاَ عْنَاقِيدَا.. غْبَارْ.
ـ9ـ
نْطَرْنَا تَا نِسْمَعْ خَبْرِيِّه
كِيفْ الإِيدَيْن شْبَكْتُوهَا
وْكِيفْ دْعَسْتُوا حْوَاجِزْ بُغْضُنْ
وْكِيفْ شِكَّيْتُوا بْقَلْبُنْ رَايِه
وْكِيفْ عِمَّرْتُوا حْجَارْ الدَّارْ.
ـ10ـ
نْطَرْنَا..
وِنْطَرْنَا..
وِنْطَرْنَا..
تَا سَرْقِتْنَا الْحَرْب وْصِرْنَا
دَمْعَه بِعْيُون الْخَبْرِيِّه
الْـ كَتْبِتْ بَيْنَا وْبَيْنَكْ عَهْدْ:
مِنَّكْ مَا بَدَّا أَخْبَارْ!!
**
شربل بعيني

بهية ابو حمد وحفظ الأدب الاغترابي

الدكتورة بهية ابو حمد تسلم القنصل العراقي العام باسم عباس داود خزائن المكتبة الفخمة التي تظهر وراءهما
رسالة من عدة أسطر كنت أرسلتها الى الدكتورة المحامية بهية ابو حمد، مثل كل الرسائل التي ارسلتها من قبل الى عدة مسؤولين من أجل حفظ أدبنا الاغترابي من الضياع، حولتها الى قضية وطنية عربية مشرّفة.
والقصة تبدأ في منتصف عام 2014، عندما أخبرتني الدكتورة بهية أنها مسافرة الى لبنان، حيث ستلتقي هناك ببعض الوزراء والمسؤولين اللبنانيين، فما كان مني الا أن قلت لها:
ـ هناك خدمة جليلة بإمكانك أن تقدميها للأدب المهجري في حال تمكنت من اقناع وزير الخارجية والمغتربين بإصدار أمر حكومي مبرم بإيجاد مكتبة في كل سفارة او قنصلية من أجل حفظ أدبنا الاغترابي.
وبدون أي تردد طلبت مني رسالة رسمية بهذا الخصوص كي تسلمها لمعالي الوزير، فكتبت:
سيدني في 4/6/2014
حضرة رئيسة جمعية إنماء الشعر العامي المحامية بهية ابو حمد المحترمة
تحية لبنانية اغترابية وبعد..
كنت طرحت عليك خلال المقابلة التلفزيونية التي أجريتها معك فكرة ايجاد مكتبة في القنصلية أو السفارة اللبنانية بغية حفظ نتاجنا الادبي المنشور في أستراليا، فهناك المئات من الكتب التي ستضيع، وسيلفها غبار النسيان بعد أن لفّها الضياع والتشتت وموت أصحابها.
إذا وافقوا على تنفيذ هذه الفكرة، أنا على استعداد للتبرع بكل مؤلفات الأدباء الموجودة في مكتبتي زائد الخزانة التي ستحفظ بها.
قد يسأل سائل: ومن سيقرأ هذه الكتب؟
الجواب: هذه الكتب للحفظ وليس للقراءة، انها تراث لبناني اغترابي يشرّف بلدي لبنان، ومن يدري فقد تشد الباحثين الأكاديميين لدراستها وتسليط الضوء عليها.
أتمنى يا عزيزتي بهية أن يلقى طلبي آذانا صاغية.
مع احترامي
شربل بعيني
**
المكتبة الاغترابية الاولى بتاريخ المهاجر في القنصلية اللبنانية العامة في سيدني
ولقي طلبي آذاناً صاغية، أولاً من إنسانة صغبينية مثقفة اسمها بهية، وثانيا من وزير الخارجية والمغتربين المهندس جبران باسيل، الذي عمم القرار على باقي السفارات اللبنانية، ومن القنصل العام جورج البيطار غانم، لتشرق في قنصليتنا العامة في سيدني أول مكتبة من نوعها بتاريخنا الاغترابي على كافة بقاع الارض، تحتوي على أكثر من 450 كتاباً حتى الآن، كلها من نتاجنا هنا. والجدير بالذكر أن رئيسة جمعية انماء الشعر هي التي تبرعت بثمن الخزانة، وليس أنا كما هو مذكور في الرسالة، فألف شكر لها.
وليس هذا فحسب، بل ان "البهية" لم تكتفِ بحفظ الأدب اللبناني من الضياع، بل حملت الفكرة الى باقي القنصليات والسفارات العربية، لتشرق بالقنصلية العراقية في سيدني ثاني مكتبة لحفظ الادب العراقي المهجري، وأتمنى أن يرسل شرفاء الكلمة العراقيون كتبهم الى القنصلية بأسرع وقت ممكن.
واليكم الخبر المفرح كما وصلني:
"بتاريخ 25 / 8 / 2015 ضمن سياق مبادرة المحامية الدكتورة بهية ابو حمد، استلمت قنصلية العراق العامة في سيدني المكتبة الخاصة لحفظ الكتب واﻹنتاج الأدبي والشعري والثقافي للشعراء والكتاب والمثقفين العراقييين، جرى بحضور سعادة القنصل العام لجمهورية العراق الاستاذ باسم عباس داود، وكافة موظفي القنصلية، حيث اشادت الدكتورة ابو حمد بتكريم معالي وزير الخارجية الدكتور ابراهيم الاشيقر الجعفري ودعمه  للثقافة والشعر والفكر والادب، وتشديده على أهمية التواصل بين العراق المقيم والعراق المنتشر. كما اشادت بجهود القنصلية العامة للحفاظ على التراث والشعر والأدب بين الوطن المقيم والمغترب، واﻹنتاج الأدبي والشعري والثقافي العراقي، واعربت عن املها بنجاح هذه التجربة وبالاخص كونها ستشمل جميع البعثات الدبلوماسية العربية في استراليا واﻹغتراب، كما شكرت السلك القنصلي العراقي وجميع الحضور على دعمهم ومساعدتهم لها. وبهذه المناسبة اعلنت ابو حمد عن استعدادها الدائم لخدمة العراق.
وبعدها اشاد سعادة القنصل العام بكلمة مختصرة بجهود الدكتورة ابو حمد لهذة المبادرة وانها تستحق منا كل الاحترام، متمنينا لها النجاح بمشروعها المتضمن حفظ النتاج الثقافي والشعري للجاليات العربية في استراليا. علماً ان الدكتورة ابو حمد والشاعر الاستاذ شربل بعيني بصدد تقديم مجموعة من الكتب لادباء وشعراء عراقيين في استراليا لغرض حفظها في المكتبة".
وليس هذا فحسب أيضاً، بل أن "شمس صغبين" وعدت بإيجاد مكتبة في كل بعثة عربية في أستراليا.. فكيف لا أصفّق لها، وكيف لا أرفع لها قبعتي، وكيف لا أمنحها جائزتي، وكيف لا أمدحها وأشكرها؟
صورة عن الرسالة المباركة التي أرسلتها للدكتور بهية ابو حمد
فكرة بسيطة رميتها في أذنها، تحولت الى قضية وطنية تهتم بها الوزارات العربية، وتكرّمها عليها، أفلا يحق لي أن أطالب بمنحها وسام الاستحقاق اللبناني؟ بلى والله، لأنها تضحي بالوقت والمال من أجل تحقيق فكرة أطلقها لسان إنسان متألّم في بلد ما، وزمن ما. 
هناك أناس كبار عملوا بصمت من أجل تذليل غربتنا، إن كان اجتماعياً او انسانياً او أدبياً أو فنياً او فلكلورياً وما على لبنان وباقي الدول سوى تكريمهم، والويل الويل لأمة لا تكرم مبدعيها.
بهية أبو حمد، وبدون أي لقب، حماك الله، ولك مني ألف خرزة زرقاء.
شربل بعيني
سيدني ـ أستراليا
الرجاء قراءة التعليقات تحت المقال

شاعران وقصيدتان.. ومجلة صوت الشاعر

الشعر هو الشاعر لغة وموسيقى..
هذا القول نشرته في كتاب "خواطر" منذ أعوام، وما زلت مؤمناً به، لأن الشاعر وجد قبل الشعر وأوزانه وموسيقاه وطريقة كتابته، وله وحده حرية، لا بل كيفية التعبير عما يجول في مخيلته دون خوف من أحد.
منهم من يكتب بالعامية لأنها أقرب الى الناس، ومنهم من يمتطي حصان الفصحى كي يصل شعره الى دول عربية قد لا تفهم لهجته العامية.
ومن أغرب ما قرأت قصيدة للشاعر شربل نسيب الياس أستاذ اللغة الفرنسية في جامعة باريس السوربون أبو ظبي. نشرها في مجلة "صوت الشاعر"، التي أهداني مجلدها السنوي الشاعر المهجري عصام ملكي. والتي يشرف عليها الشاعر الصديق روبير خوري، حاول فيها أن يظهر أن الحروف التي يبدأ بيته الشعري أو ينهيه بها ستكون مماثلة، وهذه شطارة يشكر عليها، ولكنه ابقى قصيدته ضمن النمط الزجلي المعروف، وها هي القصيدة:

كما قرأت قصيدة ثانية بالفصحى للشاعر عبدالله ابي عبدالله افتتح بها احتفال حديقة الشعراء، هي أقرب الى المعلقات منها الى القصائد، بعد أن تجاوز عدد ابياتها الخمسين، ولست أدري كيف تمكن الشاعر من القائها كاملة دون أن يخسر صوته أو يغرق المستمعين بالملل، رغم صياغتها الجيدة، وصورها الرائعة.
الملفت للنظر أن لا الشاعر ولا مجلة صوت الشاعر أطلقت على القصيدة لقب "معلقة"، احتراماً منهما لرأي القارىء، وكي لا يقال انهما يفرضان رأيهما عليه. واليكم القصيدة: 


من الملكة كوليت اسكندر سركيس الى شربل بعيني

يا جبلاً 
يغار منك النظر .. 
يا صخرة 
ينحني لك الشجر ..
يا قلعة أدبية 
احتار بوصفك الشعراء ... 
يا أرزة
من بلاد الفينيقيين
أصبحت سفينة لكل المسافرين
ملك الغربة انت
بسفينتك المتعددة الحضارات
والثقافات
والإبداعات 
والإنجازات 
أمام حبر قلمك تذوب الأوراق
 شربل بعيني ملك الأشعار
والأسفار
وسفن البحار ... 
**

الدكتور جميل الدويهي يتخلّى عن جائزة شربل بعيني

رسالة الى الدكتور جميل ميلاد الدويهي

عزيزي الدكتور جميل ميلاد الدويهي المحترم
أشكرك على ارجاع "جائزة شربل بعيني" التي منحناك اياها عام 2014، والتي قلت فيها كلاماً كثيراً سيبقى محفوراً على ألواح صدورنا نختصره بعبارة واحدة جاءت في مقالك الرائع "نحن ومثل العمال في الكرم" مجلة الغربة أيلول 2014:
"بالأمس القريب حصلت على جائزة أدبية هي جائزة الشاعر شربل بعيني التي يقدّمها معهد الأبجدية في جبيل، وقلت في نفسي: كم أنت كبير يا شربل لأنّك تسمع كثيراً، ولا تصغي إلا إلى صوت الضمير، ولا تفهم لغة إلا لغة المحبّة، والأدب الصادق، والإنسانيّة الصحيحة. إنّ الأديب لا يُكرَّم إلا على أدبه، ولا يكرِّم الأديب إلاّ الأديب، (وعلى صدر كلّ منهما خرزة زرقاء طبعاً)، أمّا مَن يلطمون وجوههم فليس على شربل بعيني ومعهد الأبجدية إلاّ أن يقولا لهم: "أَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أُرِيدُ؟ أَمْ أَنَّ عَيْنَكَ شِرِّيرَةٌ لأَنَّنِي أَنَا صَالِحٌ؟..." ويبقى لسان حالنا يقول: نحن لا نطلب التكريم لأن مدّ اليد إهانة، ولكنّنا لا نرفضه إذا جاءنا من أناس كبار".
كما أشكرك على الرسالة اللطيفة التي أرفقتها مع الجائزة والتي تدل على نبل أخلاقك، خاصة تلك الملاحظة الانسانية الرائعة في آخر الرسالة: "نحن لن ننشر تفاصيل ردّنا للجائزة في أي مكان". وهذا ما لم يسبقك إليه أحد، فألف شكر لك.
ولكن من حقك وحق كل فائز بالجائزة أن يعيدها باحترام كما استلمها دون أي انتقاص من قيمته أو قيمة الجائزة أو قيم الفائزين بها. كما من حقّنا أيضاً أن نعلن للجميع أن الشاعر الكبير والاديب العظيم الدكتور جميل الدويهي قد تخلّى عن جائزته وفق هذا التنبيه المدرج على صفحة الجائزة:
"الى كل من يشعر أنه غير قادر على حمل جبل التكريم، وانه قد يرزح تحته، أو أنه أكبر من جائزة شربل بعيني، ما عليه سوى ان يعيدها الى أصحابها، باحترام كما سلمت له، وله منا كل الشكر والتقدير، ونأسف لاختياره".
رسالتك المرفقة بالجائزة، والتي وجهتها "الى حضرة الأخ الكريم"، قد تكون آخر رسالة أستلمها منك. وكم كنت أتمنى أن تتضمّن كلمة شكر، ولو من ست أو سبع كلمات، كهذه مثلاً: "شكراً يا شربل على أطروحة الدكتورة التي كنت أنت السبب في حصولي عليها".
هل نسيت يا عزيزي جميل يوم همست في أذنك:
ـ ما رأيك يا جميل لو تعد أطروحة دكتورة بأدب محمد الشرفي، وأنا سأقنعه وأسهل الأمر لك؟
وشاعر اليمن الكبير كان ينزل، وقتها ضيفاً عندي في البيت، وقد دوّخته بالكلام عنك، حتى صاح من تأففه:
ـ لو كان ابنك لما مدحته كل هذا المديح.
أعتقد أنك نسيت القصة تماماً، لذلك دعني أذكرك من خلال حديث دوّنه المهندس السوري المرحوم رفيق غنّوم حين التقى بمحمد الشرفي في كتابه "أجمل ما قيل بأدب شربل بعيني" تحت عنوان: "محمد الشرفي: من أنت أيها الرجل؟" والكتاب مطبوع ورقياً مرتين، ومنشور على الانترنت:
"عام 1990، كنت أصطاد السمك تحت جسر سيدني الشهير، في المنطقة التي تقع بها مدينة الملاهي (لونا بارك)، فإذا بشخص يأخذ الصنّارة من يدي، وكأنّه يريد سرقتها، فتطلّعت به والغضب يجتاحني كعاصفة. فإذا بي أقف أمام رفيق غربتي الشاعر شربل بعيني والشاعر اليمني الكبير محمد الشرفي. فصحت بأعلى صوتي:
ـ أهلا وسهلا بابن اليمن البار، أخبارك تملأ صحفنا المهجريّة، ورسمك نحمله في أعيننا وقلوبنا.
فأجابني الشرفي وهو ينظر إلى قبّعة كنت أضعها على رأسي:
ـ شكراً يا أخي.. لقد غمرتموني بمحبّتكم. واللـه الجالية العربيّة في أستراليا عظيمة، لـم تتخلّ بعد عن عاداتها الشرقيّة المشرّفة.
هنا، التفت إليه شربل وقال:
ـ دعني أعرّفك بصديقي المهندس رفيق غنّوم، كان منذ مدّة صاحب جريدة صوت المغترب.
فسألني الشرفي:
ـ ولماذا تخليّت عنها..
فقلت:
ـ لأسباب صحيّة.. وها أنا، كما تراني، أصطاد السمك من أجل الترويح عن النفس، وتنفيذاً لرغبة طبيبي. والآن، أخبرني هل أنت مسرور في أستراليا.
فتطلّع بشربل بعيني مليّاً وقال:
ـ أنا في ضيافة صديقي وأخي شربل بعيني.. الرجل الذي يعرف كيف يكرّم أصدقاءه.. فلولاه لما جئت إلى أستراليا، ولولاه لما حصلت على جائزة جبران، ولولاه لما التقيت بصحفي شاب، أجرى معي حديثاً في منزل شربل، ووعدني بإعداد دراسة أكاديميّة عن أدبي، يقدّمها لنيل شهادة الدكتورة.. على أن أزوّده بمؤلّفاتي متى رجعت إلى اليمن، ولكي يقرّب شربل بعيني المسافة الزمنيّة للدكتورة أهداه كل ما أهديته من كتبي.. إسمه.. إسمه..
فصاح شربل بعيني من المكان الذي يقف فيه لالتقاط صورة تذكاريّة لنا:
ـ أتركها مفاجأة يا محمّد..
فضحك الشرفي وقال:
ـ هذا هو شربل.. لا يخبر عن عمل قبل الإنتهاء منه.
وعندما همّا بتوديعي، همس شربل في أذني:
ـ تعال الليلة إلى منزلي.. سيستلم الشرفي جائزة جبران، وسيلقي أحلى قصائده".
الصحفي الشاب هو أنت يا دكتور. أفلا يستأهل شربل بعيني كلمة شكر بعد كل الذي فعله من أجل تسهيل دربك كي تحمل لقب دكتور.
الأدب الراقي ليس بالكلام فقط، بل بالأفعال أيضاً، وأعتقد أنني كنت راقياً ومحباً وحنوناً ومؤمناً الى أبعد الحدود، وليس مغفلاً كما يعتقد البعض، حين جمعتك بمحمد الشرفي كي تحصل على لقب دكتور، وحين وهبتك جائزتي.
لقد ربحت مني اللقب الذي تحمله، والجائزة التي أرجعتها، وما عليّ سوى أن أردد مع الشاعر بألم شديد:
أعطني حريّتي أطلق يديّا
انني أعطيت ما استبقيت شيّا
حماك الله.
أخوك شربل بعيني  
وردتنا تعليقات كثيرة على هذا الموضوع، ولكننا نعتذر عن عدم نشرها