السبت، فبراير 18، 2012

الحب هو الدواء: كتاب جديد لأنطوني ولسن/ شربل بعيني

أنطوني ولسن في (الحب هو الدواء) لا يختلف عن أنطوني ولسن في باقي مؤلفاته الكثيرة، فهو المؤرّخ بصدق، والواعظ بإدراك، والمصري بجنون. فلقد وجدته في كل كلمة نزفها يراعه محترماً لكل الأديان، من خلال احترامه لأخيه الانسان، كائناً من كان.
وإذا كان قيس مجنون ليلى، وعنتر مجنون عبلة، وروميو مجنون جولييت، فإن أنطوني ولسن، وبكل ما تنطوي عليه تلك العبارة من معنى هو مجنون مصر. أجل.. إنه مجنون مصر.. يحبها، يعبدها وفي كثير من الأحيان يؤلهها في مقالاته، ويصرخ بأعلى صوته: هي أمي.. ومن لا يحب أمه حتى العبادة.
الحب هو الدواء، مربح أدبي وتاريخي وثقافي ليس في بلاد الاغتراب فحسب بل في كل بقعة من هذا الكون الصغير، إذ أنه يأتي في زمن نحن بأشد الحاجة فيه الى كتّاب يعرفون كيف يؤرخون لهذه الحقبة العاصفة التي تمر بها مصر، لا بل كل الأمة العربية من المحيط الى الخليج.
أنطوني ولسن الذي أغنى المكتبة الاغترابية بالعديد من المؤلفات القيمة، أدرك في مؤلفه الأخير هذا أن "الحب هو الدواء" فنعم الإدراك، ونعم العنوان، ونعم الكتاب.. فتنعّموا به.

شربل بعيني.. الشاعر الفنان/ وفاء صدقي

فنانة مهجرية لحنت وغنت لشربل بعيني

الشاعر الفنان
ماذا أكتب إليك إيّها الانسان الحساس؟
ماذا تكتب وفاء صدقي الملحنة التي تعصر أحاسيسها أنغاماً، لتصوّر الكلمة، وتعيش مع أحاسيس كاتبها؟
ماذا أكتب أيها الشاعر الفنان؟
ماذا أكتب لمن كتب:
جايي إنت جايي
يا مركب البدايه
من أحلام ولاد
خلقوا بقلب حكايه
ما بتعرف نهايه
تا يعيشوا ببلاد
مراجيحا بالعالي
ونجوما دوالي
وسنينا أعياد
ماذا أكتب لمن ثار على الطغيان وتجار الأديان؟
ماذا أكتب لشلال الشعر المتدفّق، والكلمة الحساسة والصوت الداوي؟
ماذا أكتب، إن لم أكتب بكلماتك، يا من أتيت من بلد الحرائق، "بنور وعطر وزنابق"، فكانت كلماتك في بلاد الاغتراب سياطاً على أعناق المدعين والمتاجرين بالكلمة؟
ماذا أكتب أيها الصديق لأشكرك على هديتك القيّمة، مجموعتك الشعرية، وعلى روحك الشفافة المحلقة أبداً في سماء أرض أحرقها الحقد، ودمرها الطغيان، تطفو على صفحات كتبك؟
ولكن، أقول لك بكلماتك: أعدني يا شربل بعيني أن تبقى الصوت الداوي حتى يعود لبنان موحداً، ورايته تعلو وتخفق، وترفرف في سماء بلادنا الأم.
وأسألك أن تتقبل مني كل المحبة والتقدير والاحترام لشخصك ولكلماتك. مع تمنياتي أن تبقى الشلال المتدفّق بالأحاسيس، والكلمات المصوّرة بصدق للألم والحب والواقع، بكل ما فيه من حزن وفرح متعالياً عن كل ماديات الكون.
وفقك الله، وإن كانت بداية الغيث بيننا ثلاث قطرات هي: "تغرّبوا" و"هالقصّه" و"يا جدّي"، فلن يقف السيل عند هذا الحد، والقطرة الرابعة "جايي"، وسيكون فيها قطرات من روح وفاء، وقطرات من شفافية شربل بعيني.
مع تقديري ومحبتي
البيرق، العدد 188، 13/3/1990
**

الشاعر شربل.. بعيني/ فرناندو فرنسيس

إعلامي فلسطيني مهجري

يشكو الجميع في هذا المغترب من النقص المتواجد في الإبداع الفكري بين أبناء الجالية العربية، وقد كدت أصدق هذه المقولة، كما بدأت بالتغني بها لفترة من الزمن، مثلما يتغنى بها هؤلاء.
وبعد مرور عام تقريباً على تواجدي في هذا البلد، استعدت إيماني بمثقّفي الاغتراب، وذلك عندما رأيت العدد الكبير من هؤلاء منعزلين بسبب قيام البعض من مدّعي الثقافة والمعرفة بإحباطهم، فتقمقموا وسكتوا بانتظار ما قد يستجد.
لكن بقي هناك بعض من أولئك المثقفين الذين قاموا برفع أصواتهم بالصراخ في بريّة هذا المغترب. أحدهم شربل بعيني الشاعر الانسان والشاعر الفنان الثائر.
أقول الانسان لأنه انسان أولاً وأخيراً، والفنان الثائر لأنه ثار بشعره على مجتمع حاول اسكاته واخضاعه ولكنه بقي صوتاً صارخاً في هذه البريّة رافضاً الاستسلام والتقمقم.
أبدع شربل، وحلّق وأعطى ما لم يعطه شاعر قبله في استراليا، وثار على حكم "المسقفين"، وأكمل العطاء بسخاء ولم توقفه الحواجز المادية. إذ صدر له إثنا عشر ديوان شعر، علماً بأن دور النشر الكبرى في هذا البلد رفضت حتّى الاطلاع على أعماله، دعك عن مساعدته في نشر دواوينه.
لم يحبط هذا الانسان، وبقي سائراً على طريق العطاء، وقام بعض من الصحافيين الأشاوس، كالاستاذ كامل المر رئيس تحرير مجلة الوفاق، والاستاذ بطرس عنداري رئيس تحرير جريدة النهار، والاستاذ رفيق غنوم رئيس تحرير جريدة صوت المغترب، بمحاولة تقييم عمل هذا الانسان الشاعر الفنان، وأقول محاولة، دون أن أقصد الانتقاص من قيمة العمل الذي قاموا به، وإنما لأنه باعتقادي أن الشعر والعمل الفني غير قابلين للنقد أو التقييمن ولذلك قيل قديماً: يحق للشاعر والفنان ما لا يحق لغيرهما.
ويبقى مأخذي على شربل هو أنه لا زال يعيش الاقليمية، مع انه حاول الخروج عنها في بعض الأحيان، مفجراً طاقاته المخزونة لما فيه خير الجالية. لكن، بنظري، المحاولات كانت أقل مما يجب.
وأخيراً، لست بمدعٍ للثقافة أو النقد، ولكني قارىء خطر لي كتابة هذه الخاطرة، وأنا أكيد بأنه مهما قلت أو قاله غيري عن شربل بعيني، فلن نستطيع إيفاء هذا الانسان الشاعر حقه.
صوت المغترب، العدد 867، 1986
**

الثلاثاء، فبراير 07، 2012

مفارقة العيب والفرح في مسرح شربل بعيني/ انطوان قزي

أن يسرح الخاطر على مدّ الدقائق فوق الخشبة ليس بالحدث الملفت، وأن تجول العين مع وقع الخطوات وحركية الطفولة ليس بالأمر الغريب.أما أن يتحوّل العيب الى فرح، والشؤم الى مفخرة، فذاك لعمري عصارة جهد جيّد، ونافذة تطل من ألف لمحة وعبرة وألف حكمة وفكرة، فتتجسّد شتولاً تغني الفصول وإيقاعاً يلهب الخشبة ويفتح للصدر صعداءه.شربل بعيني الآتي من خميلة الشعر على جنح فراشة، لوّن لوحاته بأبعد من القريحة، وأغوى من اللون، وأعمق من الينابيع.
وإذا كان المسرح وقفة شكسبيرية في الكتب، وحبكة درامية لدى اليونان، وفروسية النبلاء في أوروبا، فإنه مع أطفال "سيدة لبنان" فعل حياة وأنشودة وفاء: حياة قست على الناس ففرقت فيهم الأهواء، ووفاء مزروع أبداً في الذات القدسية اباء واصالة وعودة الى صفاء الروح، واذا بالايام والناس تتحول مع الطفولة رسماً خالصاً لأجيالنا الضائعة بين الأمس واليوم، بين النزعة والتقليد، بين جمرة الشرق اللاهبة وبرودة الحضارة القاتلة.
واذا كان شربل بعيني ادخل اخطر المضامين مع اصفى القلوب وانقى الجباه، فلأنه رأى أن الضدّ لا يظهر حسنه إلا الضدّ.فلكي ترى العيب عليك أن ترى البراءة، ولكي تلحظ الشؤم عليك أن تواكب فطرية الانسان وجذوة الخير فيه.حسناً فعلت يا شربل، فإن الشرور لا تقهرها الشرور، بل البراعم الواعدة التي لا تزال على يديك وستبقى، أثقل من الثمار، وأينع من وجنات الربيع.
حسناً فعلت باختصار الزمن وجنونه الى واحة تبرّد النفس وتمنّي الخاطر بأجيال تزرع على المسرح ما يجب زرعه في قلوب الكبار.من الثبات، من غفلة الساعات المتسارعة، من عجقة الأرصفة المظلمة، يوقظنا شربل بعيني، ويحملنا إلى مسرح سيّدة لبنان مشاهدين، مستلهمين، معجبين، حاملين في أيدينا أسراب عصافير، ولتبقَ الأشجار بلا أطيارها، نغمض العيون على الفرح الآتي من فوق، من على الخشبة، نغمضها جيّداً كي لا نطل على الشارع من جديد على درب "يا عيب الشوم".
هنيئاً لنا بصغارنا الكبار، براهبات ساهرات، وبشاعر أقل ما يقال فيه انه يصهر من الطفولة ما يغني عن سفسطة البلغاء."يا عيب الشوم" مسرحية للشاعر شربل بعيني، عرضت الاسبوع ما قبل الماضي على مسرح سيدة لبنان، أبطالها تلامذة المدرسة.
التلغراف، العدد 2526، 28/6/1993

من المغتربات:شربل بعيني من مجدليا إلى الغربة الطويلة في أستراليا/ هدى الصبّاغ

أديبة ورسّامة لبنانية معروفة
منذ وطأت قدماي أرض المغترب، تعرفت إليه مدرساً في سيدة لبنان ـ باراماتا، وشاعراً يكتب في الصحف المهجرية : صوت المغترب، النهار، صدى لبنان.
عرفته شاعراً ثائراً جداً، يزرع الدرب لهيباً شعرياً أبياً، وينثر العنفوان اللبناني في سماء المهجر..
شاعراً يكتب بأحاسيسه قصة شعبه الممزق، الناهض مع وطنه من كبوة الحرب والدمار..
 شاعراً يصفع بالحقيقة المرائين والدجالين، يكتب بالوطنية المخلصة شعراً رقيقاً عاصفاً واعياً.. يوقظ بغمرات سيفه الشعري من السبات العميق الغافلين عن صولة الحق، ونهضة الوعي..
شاعراً شاباً يمسح بكلماته تخاذل كثيرين قبعوا وراء الكلمات المنمقة ليستأثروا بعطف القراء..
استلّ يماني الحقيقة الناصع، وشهره بوجه أعداء الوطن كلمات ونغمات ثورية مكان كبش الفداء لوطن الآباء..
سطعت من بين نغماته الشعرية أنوار أبرزت للجميع إيمانه بكل الاديان السماوية، وتأكيده أن الدين للجميع، ما كان يوماً منازعاً أو محارباً، بل هو دعوة للمحبة والتعاضد والاخاء.انه شربل بعيني ابن مجدليا القرية الشمالية في لبنان، القابعة على كتف الوادي الأبي، الذي سمع صرخاته الأولى في العاشر من شباط 1951.بدأ كتاباته الشعرية في التاسعة من عمره، وأول قصيدة نشرت له في لبنان وهو في الرابعة عشر من العمر، يقول فيها:
براس الجرد
زرعنا المجد
حد الأرز اللبناني
وصار الورد
بمرج السعد
يغني للحب غناني
وادي، جبال
سهول تلال
مصدر كل سلال الخير
راحة بال
الشاعر قال
انكان بالجامع أو بالدير
كان حلمه أن يصبح محامياً إلى جانب كونه شاعراً، فالمحاماة والشعر في نظره متقاربين، كلاهما يهاجمان الظلم، ويطالبان بالعدالة.
نشر في لبنان كتابين: مراهقة وقصائد مبعثرة عن لبنان والثورة.
غادر لبنان إلى أستراليا سنة 1971، حيث كان يعمل مدرساً في المدارس الابتدائية، بعد أن عمل في المصانع الأسترالية كأي مهاجر في بداية هجرته لمدة سنتين، ثم أسس شركة صوت الأرز للتسجيلات الصوتية، لينقل صوت الوطن عبر الفن الى المغترب.
كان يكتب لمجلة الدبور في لبنان عن البلد الجديد، ولجريدة الشرق الأوسط يوميات مراسل أجنبي.
توقف فترة عن الكتابة، وعندما اندلعت الحرب في لبنان عاد إليها، وأصدر ديوانه "مجانين" باللغة العامية.
انه شاعر الغربة الطويلة، له العديد من الدواوين: قصائد مبعثرة، كيف أينعت السنابل؟ مناجاة علي بالعربية والانكليزية، إلهي جديد عليكم، مشّي معي، رباعيات، قصائد ريفية، من كل ذقن شعرة، من خزانة شربل بعيني، القراءة السهلة، سامي وهدى، الله ونقطة زيت، وكثير غيرها.
لا زال يكتب في الصحف المهجرية، كما اعتلى منصة "المربد" في العراق ومثّل الشعر المهجري هناك.
ألّف العديد من المسرحيات، ويكتب زاويته الخاصة في مجلة "أميرة" الأسترالية.
عددوا أوصافه وقالوا عنه الكثير. كرموه في العديد من المنتديات في أستراليا ولبنان وسوريا.
هو الشاعر الثائر الذي يدعو الى المحبة وينظر بعين مجردة الى الواقع، وهو القائل:
خلينا بهالدنيي إخوه
نعيش ونحنا متفقين
من محبتنا بتخلق قوّه
كلما بإيدك بتباركها
بتتلاشى الأديان بدين
يبقى الوطن همه وحبه وكلمات شعره، ويبقى صوت الوطن الأبي النظيف في المهجر.
تحيّة الى شاعر الغربة الطويلة الشاعر الصديق الثائر شربل بعيني.
مجلة الغد، العدد 32، تشرين الأول 2001

الاثنين، ديسمبر 19، 2011

رسّام الكلمات: شربل بعيني أسطورة الأدب العربي المهجري/ الأب يوسف الجزراوي

في سدني كنتُ قد تعرفتُ بواسطة صديقنا العراقي السيّد زيد البيداري الموقر، على الصحافيّ اللبناني وهو السيّد جوزيف بو ملحم المُحترم صاحب مطبعة (راليابرس)، فغدا هذا الرجل الكريم والأمين أحد اصدقائي القلائل، ومع الأيام تعمقت صداقتنا،لاسيّما حين قمتُ بطباعة مجلة الكنيسة التي كنتُ أخدم فيها وطباعة أحد مؤلفاتي بمطبعته العامرة. مرّت الأيام ليعرض عليَّ السيّد بو ملحم / أبو أمين- رغبة صديقه الشاعر العربي الكبير شربل بعيني بالتعرف عليّ شخصيًا وإجراء مقابلة في مجلته (مجلة الغربة ) الغرّاء، لاسيّما بعد مطالعته لكتابي الموسوم(خلجات الذات الجريحة ج2). فقلتُ له: يا فرحة ما بعدها فرحة؛ فمنذ سنوات وأنا أسمع عن الشاعر اللبناني (رسّام الكلمات) شربل بعيني الذي تمكن من رسم أجمل الصور الشعرية والإنسانية بواسطة كتاباته العميقة المُعبرة عن عمقه ونضجه الإنساني، والذي أمتدحه الشاعر العربي الأكبر نزار قباني رحمه الله. ألتقينا في غذاء محبة في مدينة ميريلاند بسدني، فقلتُ في نفسي يا محاسن الصدف! وأخيرًا ألتقيت بالشاعر الذي كرمه بلدي العراق في مهرجان المربد الشعري سنة 1987؛ ذلك الشاعر الذي مُنح جائزة جبران خليل جبران العالمية. وبالفعل تم لقاء التعارف، وإذا بيّ أمام صرح أدبي عملاق! أملتُ سمعي إلى كلامه، أمعنتُ النظر فيه، تفرست في وجهه جيدًا، إنقضت ساعة وإثنتان، فالإستماع إليه شيّق ومُفيد، يُنسيك الطعام، فكلامه غذاء للفكر ودواء للذات، لباقته وحديثه وثقافته ونكاته جعلتني أنسى دروس الموسيقى وإلتزاماتي الكنسية والحياتية. مضت الساعات لنغادر المكان معًا، وليدعوني إلى زيارة مقر مؤسسته العامرة (مؤسسة الغربة الإعلامية)، كان لقاءً ثقافيًا، إنسانيًا مُثمرًا. ولا أخفيكم سرًا كم هو عظيم ومفيد أن يجتمع الإنسان بإناس تجمعه معهم شراكة الفكر والإبداع، أُناس نكبر من خلالهم فكريًا وروحيًا وثقافيًا وإنسانيًا.
وهكذا يومًا بعد يوم بدأت اواصر العلاقة تتوطد بيننا، فتعلمت من أدبه وكتبه الكثير، واستفدت من تجاربه الحياتية، فهو رجل قد أختبر الحياة واستوعب ما هو جوهري فيها.
كان لي الشرف بأن يقوم الأستاذ شربل بعيني بالمراجعة اللغوية لمؤلفي الموسوم" المبدعون غرباء عن هذا العالم" والذي صدر حديثًا في سدني، ولعلَّ أجمل ما قيل وكُتب في أدب الأب يوسف جزراوي ما سطرته انامله الذهبية حينما قال في كلمة كتبها وألقاها في حفل توقيع مؤلفاتي الثلاثة (ثلاثية الجزراوي) يوم 12/11/2011 على قاعة كنيسة مريم العذراء بسدني:".... فأبونا يوسف ينْبُشُ ما فَوْقَ الأرض وما تَحْتَها مِنْ أَجْلِ موعظةٍ يقدّمها لنا مُبَسَّطَةً كرغيف خبزٍ، ما أن يراهُ الجائعُ حتَّى يلتهمَهُ بصمتٍ وسعادة. فالجوعُ السماويُّ لا يشعرُ بهِ الإنسانُ إلاّ عَن طَريقِ كاهِنٍ طبّاخٍ، يعرفُ كيف يُعِدُّ وليمةً سماويةً تجذُبُ الجائعينَ إليها.. وَتُثَبِّتُ أَقدامَهم على طريق الخلاص".
ما لفت إنتباهي في كلمة إديبنا العربي الكبير في ذلك اليوم، ليس ما نطق به من كلمات جميلة صادقة صدرت من فيض قلبه وفكره وحسب، بل كيف استطاع أنْ يجعل الحاضرين والذي فاق عددهم عن الـ(300)، أن يصغوا بعمق ودراية ويشدهم للإستماع إليه باعجاب! إنَّ كلماته هذه، لوسام كبير على صدري وشهادة غالية أعتز بها من شاعر المهجر الأول.
لقد كُتبَ عن أدب وشخص الأديب شربل بعيني مئات المقالات وعشرات الكتب والتي تُزين اليوم رفوف مكتبتي التي تزيد عن ألف كتاب ومجلة. فقلت في قرارة نفسي:هل سأضيف شيئًا جديدًا أو أضيف رصيدًا معنويًا لبوصلة الشعر العربي في عالم الغُربة والإغتراب، وهل أسطورة الشعر العربي المهجري بحاجة لشهادة أديب صغير مثلي؟ هذا هو الهاجس الذي كان يراودني ويمنعني عن الكتابة. إلى أن تجرأت؛ فسحبتُ أوراقي وامسكت بقلمي وكتبتُ هذه السطور لسبب وجيه وهو: إنني أنشأت ذاتي على أن أكون وفيًا لكل من تعلمت منه شخصيًا أو من خلال كتاباته وخبراته، علاوة على ذلك فشربل بعيني يستحق أن يُكتب عنه مجلدات لا صفحات، فكانت هذه الكلمة المُقتضبة، علني أفي فيها أستاذنا وصديقنا الأستاذ شربل بعض حقه .
شربل بعيني مدرسة إنسانيّة مُميزة، تخطى بأدبه حدود العالم العربي ليُحلق إلى العالمية. بعد أن منح ثمار إبداعه للناس، وقدم عصارة فكره وأحساسه بأسلوب سلس وشيق يخلو من التعقيد ويبتسم أحيانًا بروح الفكاهة.
إنَّ من حق كل أمة أن تزهو بعباقرتها وتتباهى بأدبائها، ويحق لنا أيضًا أن نضع شربل بعيني في رأس مفاخرنا الأدبية في هذا العصر.
لقد أنجب لبنان العديد من المُفكرين والأدباء والفلاسفة والمبدعين.. والأسماء لا تحصى، ولكن هنالك ثلاثة مبدعين لا يمكننا أن نمر عليهم مرور الكرام. مُبدعون يعرفهم القاصي والداني بعد أن افرزوا للعالم رحيق إبداعهم، وهم جبران خليل جبران- ميخائيل نعيمة- شربل بعيني. ، ولا أنسى الكبير نزار قباني الشاعر السوري الذي عاش سنوات طويلة في لبنان.
لقد أشعل شربل بعيني شمعة حياته من طرفيها فاكتوى بنار الإبداع، وأنتج وأبدع لنا أكثر من خمسين مؤلفًا ومئات المقالات، جعلته نجمًا ساطعًا وخالدًا في سماء الأدب اللبناني والعربي والعالمي... فبصم بصمته في جبين الأدب والشعر والمسرح، ليوجّه أنظاره ويكرس وقته منذ زمن ليس بالبعيد إلى الإعلام الإلكتروني من خلال تلفزيون وراديو ومجلة الغربة الألكترونية.
إنّه شربل بعيني؛ الرجل الوقور، الشاعر الإنسان، والمؤلف المسرحي، والأديب العبقري، والكاتب المُميز، الطيب المُحب، الخلوق، الكريم المعطاء، طيب المعشر، بشوش الوجه، فصيح اللسان، حلو الكلام، عفيف النفس، صاحب المُخيلة الجامحة، الخدوم، قلبه ناصع البياض، حُرّ الكلمة، قلبه وفكره ينبضان بالحبّ والصدق والأمل والتشجيع والمواكبة والإبداع..هذا هو شربل بعيني كما عرفته كأديب وإنسان.
لقد حصد شربل بعيني منذ شبابه إلى يومنا هذا، أثمن الجوائز التقديرية، وحصد جملة من الألقاب. وكُرم كثيرًا، واعماله الأدبية أنتشرت في الكثير من ارجاء المعمورة، بعد أن تُرجم بعضها إلى لغات عدة. فكان ولا يزال وسيبقى نجمًا وضاءً. وكيف لا ينتبه العالم لأدبه وهو شمس الأدب العربي المهجري! فأدبه وجد كي يدوم.
لقد أُجريت معي العديد من المُقابلات واللقاءات، ولكني لن أنسى ما حييت المقابلة التلفزيونية التي أجراها معي الأستاذ شربل بعيني يوم 10/11/2011 في تلفزيون الغربة بسدني. ولا تسقط من ذاكرتي أيضًا اللقاءات التي حاورني فيها صديقنا الإعلامي المُميز غسان نخول. ما أريد قوله: لقد تعلمت هذه المرة الكثير والكثير، ولكن ليس من شربل الأديب، بل من شربل الإعلامي.
أختم كلمتي المُتواضعة هذه بأمنيتين، الأولى: أنْ يمد الله بعمر شاعرنا الكبير شربل بعيني ليرفد من خلال كتاباته ومؤسسته الاعلامية، الأجيال الحاضرة والقادمة بكل ما هو مُفيد وبناء. والأمنية الثانية: أنْ يُعاود امتشاق قلمه ليدبج لنا باسلوبه الرقيق والجذاب وباحساس الأديب والفنان أجمل الأشعار.... فبانتظاره الكثير من القرّاء.
الناس في رأيي ثلاثة في الأقل: الحاضر الحاضر. الحاضر الغائب. الغائب الحاضر....وشربل بعيني الأديب والإنسان هو نموذج للإنسان الذي إبدع وأثمر، فعاش ويعيش حضورًا حياتيًا وأدبيًا جعله من الأحياء الخالدين. وما الخلود؟ سوى انك تمر بالحياة وتلتقي بالآخرين، فتترك آثرًا، وبقدر ما يكون حجم وعمق وكثافة آثرك الإيجابي والإبداعي، بقدر ذلك سيكون حجم حضورك وخلودك في هذه الحياة.
شربل بعيني، قمر مُضيء في ليل الحياة.. إنّه بحق لأديب كبير. أطال الله بعمره. هذا أبسط ما يمكنني أن أتمنى وأقول.
**
هوامش:
[1]  لقد أشاد الأديب العربي الكبير شربل بعيني بوفاء الأب جزراوي لأستاذته، فيقول:" الملفتُ حقاً هو وفاءُ الكاهنِ يوسُف لِمَن ساعدَهُ من بعيدٍ أو قريبٍ، وهذا ما لم نَعُدْ نَجِدْهُ في هذا الزمنِ التعيسِ، زمنِ الوصوليّةِ والغدر، وهذا ما يُرَجِّحُ كَفَّةَ موعِظَتِه، ويجعَلُ المُتَلَقِّي يَرْضَخُ لها دون إدراكٍ منه".(كلمة شربل بعيني في تقدديم كتاب المبدعون غرباء عن هذا العالم. ألقيت يوم السبت 12/11/2011 في سدني).

الأب يوسف جزراوي
في ذكرى رسامتي الكهنوتية
سدني 21/12/2011