أيها النسر المحلّق/ سوزان بعيني

شربل، 
أيها العزيز،
يا صديق الأدباء،
وحبيب الشعراء.
أيها النسر المحلّق أبداً نحو السماء.
يا من حملت في قلبك لبنان
ومجدليا الى كل الأجواء.
شكراً لك!
منذ زمن بعيد..
لم يعد يحمل إلينا البريد
الرسائل..
والهدايا.
فعصر التكنولوجيا حرمنا من كل تلك الملذات!..
وعلى غير عادة،
يحمل إليّ ساعي البريد،
في هذا الصباح الجميل كتابيْ:
ـ شربل بعيني شاعر العصر في المغتربات
للأديب نعمان حرب.
ـ عزيزي شربل بعيني
للعزيز الراحل د. عصام حداد.
.. وهكذا أنت تأتي من دون موعد،
وتدخل من دون استئذان،
فتحلّ ضيفاً طيّباً على قهوتي الصباحية،
في حديقة منزلي القروي المجدلاوي.
أن تلهم الأدباء والشعراء،
فهذا ليس بجديد،
وقد كتبت عنك المجلدات...
وأن تكون الصديق الوفي للصغار والكبار،
فتلك ميزة شربل ابن البعيني،
وابن مجدليا البار،
الذي تربّى على محبّة الناس،
ونصرة قضاياهم،
والوفاء لذكراهم.
شربل الحاضر دوماً
والمتأهّب للاستقبال والتكريم
والضيافة المادية والمعنوية.
شربل..
يا صديقي البعيد
والقريب دوماً وأبداً،
لقد بكيت عصام حداد، وبحرقة، مرّتين:
الأولى، عندما غادرنا على غفلة..
والثانية، عندما قرأت ما كتب عني
ونحن لم نجتمع، 
إلا على اسمك، 
ولبضع هنيهات.
ووددت لو كنت سمعت منه هذا الكلام الرائع،
لكنه فضّل أن يقوله لك،
وقد قمت أنت حتماً بواجب الشكر والامتنان.
رحمه الله.
أعرف كم حزن قلبك على فراقه،
عزاؤك أنك احتفيت به كما يفعل الكبار،
وحملت الفرح الى قلبه الكبير
الذي اعتز بصداقتك..
وها أنت تحيي ذكراه الى الأبد.
قد يفرحك أن تقرأ ما قلته فيه،
حين قدّمته في تلك الأمسية الشعرية الرائعة
من ليالي "البيت الثقافي" النيرات عام 1992.
لذا ارسل لك طيّه نسخة عن هذه المقدمة.
عزيزي شربل (كما يقول عصام)..
شكراً لكل ما قدمته وتقدّمه للوطن
والانسان،
والأدب..
هل تعلم أن الوطن بغربة عنك،
وأنت مشغول عنه في الغربة؟
هل تعلم أن مجدليا مشتاقة اليك؟
الى متى ستدوم غربتها؟
صديقتك التي تفخر بك.
مجدليا، 6/6/2014
**

الكاتب الداهية/ فاطمة ناعوت

نقلا عن موقع 24
   سألني الصحفيُّ، في حوار لجريدة “القدس العربي”: “مَن هو الكاتبُ الداهية؟”
   وأدركتُ أنه يشير إلى النعت الذي وصفتُ به الروائي الأمريكي “فيليب روث” في مقدمتي لروايته “الوصمة البشرية”، التي ترجمتُها للعربية وصدرت قبل عامين عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الجوائز، فيما يربو على ٨٠٠ صفحة. فأجبته بما عنَّ لي، ثم قررتُ أن أكمل إجابة السؤال في مقال، أعلم سلفًا أنه سيكون غير مكتمل أيضًا!
   كلُّ كاتب يستطيع أن ينتزع منك، وأنت تقرأه، كلمة: يا إلهي! - الله! كيف هذا بحق السماء!- لعنة الله عليك!” وسواها من صيحات الدهشة، أو الاستنكار، هو بالضرورة كاتبٌ داهية. كل روائي ينتصر عليك فيهزمك ويجعلك تبكي أو تضحك أو تترك الكتاب وتفكر، أو تشرد في سقف الغرفة، هو بالضرورة كاتبٌ داهية. كل شاعر يجعلك ترى الأشياء مختلفة بعد قراءة قصيدته، عما كانت عليه تلك الأشياء قبل القراءة، هو بالضرورة كاتبٌ داهية. كل أديب يجعلك تسأل: كيف بنى الرجل هذه الجملة، أو كيف التقط هذه الفكرة، هو بالضرورة كاتبٌ "داهية.
   الكتابةُ فعلٌ عسِرٌ. نبوءة. استشرافٌ للغيب. رسالةٌ غيرُ سماوية يكتبها إنسانٌ راءٍ شاهد وسمع ما لم يره سواه ولا سمعه. أما فيما عدا هذا، فمحضُ كتابات عابرة، يكتبها عابرون، ويمضون، دون أن يشعر أحدٌ بهم أو بما كتبوا. 
   قال نزار قباني مرّة: “إن لم تستطع أن تكون مدهشًا، فإياك أن تتحرش بورق الكتابة”. ولو اعتمدنا هذه العبارة “المدهشة” معيارًا وقانونًا، فانظروا كم من الكتّاب سيدخلون في زمرة “المتحرشين” بالورق الأبيض! 
   تشيكوف، كاتبٌ داهية، حين يحكي لنا عن الحوذي الذي مضى يومَه يبحث عن أُذن تُصغي لقصة ابنه الذي مات. 
   فرجينيا وولف كتابةٌ داهية حين تحكي لنا عن بقعة صغيرة على زجاج نافذة قطار تحاول سيدة مسافرة مجهولة الاسم أن تمحوها بقفازها كأنما تمحو خطيئة قديمة ارتكبتها وتريد ألا يراها الله الذي يراقبُها من فوق غيمة يجلس حاملا صولجان الحكم مثل ملك عجوز. أو وهي تحكي عن الفستان البشع الذي ارتدته في الحفل وهي تظن أنه ساحرٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ، فجلب سخرية النساء. فراحت تنظر إليهم وإلى نفسها فكان الجميع حفنة من الذباب تتحلّق حول صحن من العسل قبل أن تسقط الذبابات في أسر لزوجة العسل ولا يستطعن فكاكًا. 
   بشارة الخوري كان داهية حين قال: “لو مرَّ سيفٌ بيننا لم نكن نعلم هل أجرى دمي أم دمك”. 
   إبراهيم أصلان كاتبٌ داهية وهو يحكي لنا عن قطرة من عصير الليمون تسقط على جانب شفاه رجل تحت الإغماء ويحاول أن يلتقطها بطرف لسانه فلا يقدر. 
   نزار قباني داهية حين يصف ارتباك المرأة بين ذراعي حبيبها إذ يراقصها فلا تعرف ماذا تفعل بذراعيها وأين تضعهما بحيث لا تبين لهفتها ولا يختفي حياؤها؛ فتقول: “وحيرتني ذراعي أين ألقيها”، وكان داهية حين لخّص محنة مجتمع فقال: “تطلبين مني، توصيةً للبحر حتى يجعلكِ سمكة/ وتوصيةً للعصافير حتى تعلمك الحرية/ حتى يعترف بأنك امرأة/ حتى يؤجل موعد ذبحك”. 
   ابن الفارض شاعرٌ داهية حين يقول مناجيًّا رب العزة: “أحبُّك حبّين، حب الهوى، وحبًّا لأنك أهلٌ لذاك.”  
   بلقيس، ملكة سبأ، امرأة داهية حين تنظر إلى عرشها الذي جاء به جند الملك سليمان، وسألها: “أهذا عرشُكِ؟”، فقالت: “كأنه هو!”، جملة شديدة الدهاء، فلا العرش هو، ولا ليس هو، حيث يشبه عرشَها في هيكله بينما تبدّلت أحجاره الكريمة على ألوانها. 
   الحلاج حين يصف حلوله في الذات العُليا: “أنا مَن أهوى/ ومَن أهوى أنا/ نحن روحان حللنا بدنا” كان شاعرًا صوفيًّا داهية. 
   أحمد عبد المعطي حجازي حين قال: “هذا الزحامُ، لا أحد!” كان شاعرًا داهية. 
   دانتي إذ يقول في الكوميديا الإلهية في فصل “المطهر” بالقصيدة السادسة عشر: "إذا كان العالم الحالي منحرفاً وضالاً فابحثوا عن السبب في أنفسكم" كان كاتبًا داهية. 
   شربل بعيني، الشاعر اللبناني، حين قال: “الشعراءُ يتنفسّون برئة واحدة. إن تألّم أحدُهم، تألّم الجميع" كان شاعرًا داهية. 
   “لا تقاوموا الشرَّ بالشر، بل قاوموا الشرَّ بالخير”، “انصرْ أخاك ظالمًا بأن تردّه عن ظلمه” مقولتان داهيتان للسيد المسيح وللرسول محمد عليهما السلام. 
   تشارل ديجول حين قال: “المقابرُ مليئة برجال لا غنى عنهم” كان سياسيًّا داهية. 
   علي بن أبي طالب حين قال:“حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق” أو “لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه” كان خليفةً داهية. 
   وحين قال جون دافيس: "جميعكم تضحكون عليّ لأنني مختلف. وأنا أضحك عليكم لأنكم متشابهون" كان فيلسوفًا داهية. 
   وحين قال إيميل زولا: "إن أخرستَ الحقيقة ودفنتها تحت الأرض، سوف تنمو وتُنبت" كان كاتبًا داهية. 
   أما الذي قال: “إني لأعجبُ كيف يمكن أن يخون الخائنون!/ أيخونُ إنسانٌ بلاده؟!/ إن خان معنى أن يكون/ فكيف يمكن أن يكون؟!” فكان داهية اسمه بدر شاكر السياب.
وأخيرًا، ليت لي مساحة مقال بألف صفحة لأعدد دواهي الكتّاب، ويكتمل مقالي الناقصُ هذا!
**

شربل بعيني: الشاعر الذي يخاف النقد ليس شاعراً/ الدكتور جميل الدويهي

كتب الشاعر شربل بعيني على موقع "الغربة" عن عودة الدكتور جميل الدويهي إلى الإعلام المكتوب في جريدة "المستقبل" العريقة، فقال: "جميلنا" كما يحلو لي أن أناديه، أعجبت بقلمه لحظة وصوله الى أستراليا، أي منذ ربع قرن وأكثر. وها هو يعود الى الاعلام الورقي ليعيدنا اليه قارئين متلذذين بالكلمة الهادفة البعيدة عن التبجح و"الشاو أوف.. أنا، أنا". فالنبع الغزير لا يتباهى بمياهه، لأنه يدرك تماماً أنها عطية الله له، وهكذا الموهبة الفذة، فهي عطية الله للمختارين من مخلوقاته."
وذكر الشاعر بعيني أنّه تسلم هدية من جميل الدويهي هي روايته "طائر الهامة" فقال: "لم أتجاسر بالكتابة عنه (الكتاب)، لأن لغته كانت رفيعة جداً، لدرجة تتشاوف بها على الشعر، فكتبت له عبارة واحدة تقول: "نثرك في "طائر الهامة" شعر يا دكتور جميل". وأعتقد أنني أعطيت الكتاب حقّه بهذه العبارة، لأن المرأة الجميلة لا تنتظر من الرجل الذي تحبّه خطاباً مطولاً يشرح به حبّه لها، بل تتلهف الى سماع كلمة واحدة: "أحبك"، لتحلق في عالم لا يطأه إلا المحبّون."
وعن مطولة "سعيد عقل شاعر الأجيال" الشعرية التي نشرها الدويهي في لبنان بمناسبة مئوية الشاعر سعيد عقل قال الشاعر بعيني: "عندما نُشرت له قصيدة مئوية الشاعر العملاق سعيد عقل، رحت أطالعها بشغف وإعجاب. إنها معلّقة إعجازية رائعة. وما أن التقيته وجهاً لوجه، حتى همست في أذنه: "قصيدتك لسعيد عقل لا تقل مهارة عن شعر سعيد عقل".
وكان بعيني قد نشر مجموعة مقالات كتبها عنه الدكتور الدويهي في كتاب حمل عنوان:"شربل بعيني شاعر الغربة السوداء"منحه عليه معهد الأبجدية في جبيل "جائزة شربل بعيني لعام 2014"، وعلى الرغم من أنّ هذه المقالات فيها انتقاد لبعض قصائد بعيني، فإنّه نشرها بشجاعة "فالشاعر الذي يخاف النقد، ليس بشاعر. إنه طرطور جبان، خاصة اذا كان هذا النقد مفيداً من أجل دعم حركتنا الأدبية المهجرية، وتقويم مسارها"، معترفاً بأنه عمل بمعظم انتقادات جميل له، خاصة حين استبدل بيته الشعري القائل: "مثل كلب أسكتوه بالعظام"، بهذا البيت "ككلاب أسكتوها بالعظام" ومن يقرأ قصيدة "لعنة الله علينا" يجد أن الشاعر بعيني أثبت كلام جميل في القصيدة.
وختم بعيني مقالته بالتأكيد على أنّ جميل الدويهي "سيمد يده للجميع من أجل النهوض من كبوة أدبية عانينا منها لسنوات طويلة."
وبدوره شكر الشاعر والأديب اللبناني الدويهي صديقه الشاعر بعيني على محبته وتواضعه، معتبراً أن النقد ليس عملية فرض بل هو كناية عن تقديم اقتراحات قد يؤخذ بها أو لا يؤخذ. كما أنّ الدويهي يظهر الإيجابيات ويشيد بها أيضاً. والدويهي نفسه يتعرض للنقد في شعره ونثره، ويأخذ بالانتقادات التي يجد أنّها مفيدة.
والدويهي إذ يشكر بعيني على شجاعته وصدق عاطفته، يتمنّى له السعادة، ويشيد بدوره في الأدب المهجري، كما يشيد بموقع "الغربة" الذي احتضن أعمال الدويهي، فكان منارة له في الغربة السوداء.
المستقبل حزيران 2014
**

يا شربل بعيني بدماتي/ عصام ملكي

ـ1ـ
يا شربل بعيني بدمّاتي
بعهد المضى ومستقبل الآتي
سمحلي تا قلّك من قبل ما تشوف
معلّق عا شعري بالحياة الوف
وذاتك أنا معلّق على ذاتي
ـ2ـ
ومنّو البهار بعرفنا قرفه
وصعبه الغلط يتمرّق بحرفه
الما صار صعبه نقول انو صار
الفاتو عا قلبي بالحياة كتار
واللي ما فاتو بيطلعو نتفه
ـ3ـ
بدنا نغم عا العود والقانون
الضمّه ما فينا نقول عنها سكون
بقلّك يا شربل أول وتاني
عرفتك أنا إنسان إنساني
وغير هيك ما بقبل تا حتى تكون

بايعناك عميداً تقديراً لك وشرف لنا/ مهندس عزمي إبراهيـم

عزيزي  شربل بعيني
أولا أعتذر عن تأخيري في مشاركة تلك الباقة الطيبة التي بايعتك عميداً.
كان جبران عميداً لشعراء المهجر المفعمين وطنية والمبدعين فكراً ولفظاً ونظماً، تلك الصحبة التي نبعت بالشرق (وبالتحديد بالشام لبنانه وسورياه) وازدهرت بالأمريكتين وبهرت الشرق والغرب فى النصف الأول من القرن العشرين: كانوا باقة رائعة و ما زلنا جميعاً نعيش في أعمالهم ونطير بأجنحتهم ونسبح بانبهار في فيض أفكارهم وما خطت أقلامهم.
وكم عاودنا حلمٌ وراودنا أملٌ أن يعود الدهر في عصرنا بمثل تلك الصحبة الرائعة. وكم أسعدني أن أرى صحبة رائعة من أدباء وشعراء المهجر باستراليا نابعة من لبنان الحبيب وشقيقاته بالشرق. وأسعدني أكثر مبايعتهم لك عميداً. فكن عميداً لنا نحن الغرباء كما كان جبران عميداً لصحبة المهجر بالأمريكتين، وفي ذاك تقديرٌ لك وشرفٌ لنا.
عزيزي شربل بعيني
لم تسعدني الظروف أن نتلاقى وجهاً لوجه، ولكن كان لقائي بك في ساحة أفكارك وأشعارك الروائع وعلى صفحات موفع "الغربة" المضياف.
**