إلى روح الشهيدة شيرين ابو عاقله/ شربل بعيني


بأيّا وقاحه وغدر قتلوكي   

يا نجمة القدس.. وما عرفوكي

إنّك شيرين الحامله فلسطين   

بقلبك.. بـ صوت مدوزن ملوكي

افتكروا إذا بتموت الحساسين   

بيقضوا ع أشرف ناس سمعوكي

ولمّن عليكي قوّصوا مجانين    

برصاص جوّا الرأس صابوكي

ركعتي تبوسي تراب بـ جنّين   

غفيتي تحت شجره وما وعّوكي

جن الشعب.. وتجمهروا ملايين  

متل العروس بحب رفعوكي

برموا المخيّم.. سكّروا دكاكين   

وبالعطر.. بالأزهار رشّوكي

ركعوا وصلّوا ورددوا الآمين  

ومتل الوشم ع الصدر طبعوكي

صرتي شهيده بين قديسين   

ونار الجحيم لناس ظلموكي

بأسف على عربان ملهيين   

خوّان.. كيف بدّن ينصروكي؟

باعوا القدس مع شعبها من سنين   

وبتلاتعش أيار باعوكي

ووقت الجنازه تجمّعوا شياطين   

منعوا العلم.. ضربوا اللي حملوكي

معقول حرمه تخوّف ملاعين   

وإنتي بقلب تابوت خافوكي

لا تزعلي.. ما بيعرفوا مساكين  

بدل العلم بالدمع لفّوكي

المتلك صعب تا يموت يا شيرين 

والقدس أمك.. والشعب بوكي

شربل بعيني


شربل بعيني يرثي الشهيدة شيرين ابو عاقلة



ـ

آه يا شيرين ابو عاقلة

لو تعلمين ما فعلت بنا..

لقد متنا بموتك..

فرصاصة الغدر التي أصابت راسك

أصابت قلوبنا جميعاً.

فلقد كنت صوتنا..

وقد خنقوا هذا الصوت..

وكنت الأمل..

وقد اغتالوا أملنا..

ـ2ـ

لن نبكي عليك

بل سنردد اسمك ما حيينا..

لا بل سننحني أمام عظمتك

وتضحيتك من أجل القيام بعملك.

ـ3ـ

أنت خالدة يا شيرين

وهم الى مزبلة التاريخ..

انت العظيمة يا شيرين

وهم الأوغاد السفلة..

ـ4ـ

يا نجمة القدس..

يا وجه فلسطين الأجمل

يا صوتها النسائي الأنقى

أيتها المهاجرة مثلنا..

أنت ابنتنا وحبيبتنا

وهم أعداؤنا الى أبد الدهر..

ـ5ـ

لو علموا كم تحبك الملايين

لما تجاسروا على اغتيالك..

لقد زلزلت الأرض من تحتهم..

أجل.. لقد أرعبهم موتك..

أكثر مما كانت ترعبهم طلتك الاعلامية المضيئة..

ـ6ـ

ما أجملك..

ما أروعك..

ما أعظمك..

لك الخلود.. ولهم اللعنة.

شربل بعيني

مخايل ابراهيم سفير الكلمة الوطنية الحرة/ شربل بعيني




 رغم مرور أكثر من ستين سنة على سماعي بيتين من الشعر الزجلي في لبنان، أجد نفسي مرغماً على ترديدهما في غربتي، كلما اختليت بنفسي، وهما:

الدهر بإيديي لجمتو

وبليس بحجره رجمتو

حافر مهري انصاب الموت

مطيّر طاسة جمجمتو

   كنت يومذاك بالتاسعة أو العاشرة من عمري، وكان شاعر هذين البيتين التاريخيين العالقين في ذهني، يزور المرحوم عمي باخوس البعيني، ويقيم بمفرده حفلة زجلية في بيته، ولا أروع.

   ورغم صغر سني، فلقد طلب مني عمي أن أرد خلف الشاعر الضيف، وأن أصفّق بيديّ حسب وقع الوزن الشعري، ولهذا حفظت هذين البيتين المذكورين سابقاً.

   فمن هو هذا الشاعر الذي احتل ذاكرتي وأبى أن يمنحها الإستقلال، رغم الغربة والبعد عن الوطن؟

   إنه الشاعر الزجلي الشهير مخايل إبراهيم صاحب "حقل الشعر"، وحقول الإبداع، والومضة الشعرية النابضة بالدهشة.

   ورغم إبداعه الشعري، فلقد ترك لنا نسلاً شعرياً لا يقل ابداعاً عنه، ومن حظي أن الغربة جمعتني بولدين منه، هما الشاعران لطيف ونبيل مخايل.

   وبما أنني أكتب هذا المقال في شهر رمضان المبارك، يسرّني أن أطلعكم على هذه الردة المدهشة:

وجهك بريشة نور ألله مبودرو

وعا دروبك ملوك الجمال تأخرو

لا تمرقي برمضان بين المسلمين

بيفكرو طل القمر وبيفطرو

   ومن منا لم يقرأ أو يسمع عن غرق المراكب التي تحمل طالبي اللجوء الانساني من كل شعوب الأرض، ما عدا الشعب اللبناني، فلنسمعه يقول:

بيغرق بقلب البحر شعب الأرض

بس ما بيغرق شعب لبنان

   وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، فرغم الحرب الأهلية الطاحنة التي أدمت قلب لبنان الى الأبد، لم نجد مخيمات للاجئين اللبنانيين، ولم تبحر مراكب اللجوء، كي تغرق في البحر، بل بقي شعب لبنان يتمتع بكرامته وعزّة نفسه، حتى في أحلك الظروف.

   وأثناء زيارته لأستراليا، تهافت المغتربون لتكريمه، ولسماع قصائده، وكلهم من أثرياء الجالية، ولكنه لم يأبه بأموالهم، فقال:

الأكثريه طفّحو الجزدان

وبعدنا نحنا بكرامتنا

قلتلهم: هادا الشعب غلطان

قالو: يا شاعر وين غلطتنا

قلتلهم: وينو الوطن لبنان

وحياتكن مال الشرق والغرب

ما بيسوى شلش أرزتنا

   إنه شاعر الكرامة، وما نفع الشعر بدون عزّة نفس؟ وما نفع الكرامة دون الالتفات الى من ضحّوا بدمائهم من أجل استقلال لبنان، وحماية شعبه من الاستبداد العثماني الغاشم، ومن أفضل من البطل يوسف بك كرم الذي مات منفياً عن إهدن، بتكريم الشعراء وتخليد ذكره، فلنسمعه يقول:

لو ما حسامك يا بطل لبنان

كانت بلادي احتلّها التركي

مفروض كلمن في معو إيمان

عن ضريحك ياخد البركي

   الأبطال الشهداء بنظر مخايل ابراهيم قديسون، ويجب التبارك منهم، أي أن نحذو حذوهم في الدفاع عن بلادنا، وحفظ حقوق شعبها، ليس من أجلنا، بل من أجل الأجيال القادمة. فلقد ورثنا الأرض عن أجدادنا ومن حق أطفالنا أن يرثوها عنّا أيضاً.

  وكشاعر عملاق، لم ينسَ عمالقة الشعر الذين رحلوا، فلقد أبدع حقاً في القصيدة التي ألقاها أمام تمثال أسعد السبعلي في بلدة سبعل الشمالية، فلقد قال رحمه الله:

يا مسيح الشعر.. وحياة المسيح

حسدت الحجر ها الإسمك عليه انحفر

وحياة من مشّى المخلّع والكسيح

عا الصخر لما شفت اسم السبعلي

تمنيت حالي كون في سبعل حجر

   ألله، الله، ألله.. كم أنت محظوظ أيها السبعلي التمثال، فلقد أعطاك ابن حقل العزيمه، ما لم تعطك إياه الحياة، فلقد تمنى أن يهبك حياته، شرط أن تهبه حياتك، اي أن تعيش في شعره، كي يعيش هو كالتمثال حجراً.

   ولم ينسَ أبو حاتم قول أحد الشعراء لملكه: على رأسك التاج وفي يدي القلم.. أي أن النصر سيكون للكلمة لا محال، وهذا ما أثبته بقوله هذا:

والقنبله اللي قابلي التفجير

في سلاح بيدمّر معاملها

ومهما الكلمه يكون حجما زغير

لو بطّلت هالأرض فينا تدور

ما في حدا قادر يبطّلها

   أي الكلمة أقوى من القنبلة، الأولى تبني والثانية تهدم، أما قال الله في إنجيله: في البدء كان الكلمة؟.

   ومن النسل الذي أهداه للبشرية، أبدأ بنشر بعض أبيات ابنه البكر حاتم، قال:

الزمن في معجزه من معجزاتو

بعد ما شاف منها في حياتو

خلق شاعر أمير العبقريه

لسان الوصف عاجز عن صفاتو

إسمو مخايل ابراهيم بيي

إذا بيطلع على كراسي المنابر

بيطلع مدرسه بالشعر ذاتو

   ومن شعر ابنه نبيل أنشر ما يلي:

يا حاج ابنك كل ساعه فلفشو

انشالله جناحو عا السعاده يريّشو

ويربى بحنان الوالدين بإعتزاز

ويحميه ألله والمسيح يعيّشو

ومن شعر ابنه لطيف أختار ما يلي:

حسن القمر من سحر ضيعتنا انسحر

والشمس بتدلّي عليها حبالها

عا جبالها بتنخ تا تطال القمر

وشلال نور الشمس من شلاّلها

   وأختم رحلتي القصيرة مع "حقل الشعر" بأبيات خالدة لصاحب الديوان، يقول فيها:

ها الأرزة اللي عمرها بعمر الزمان

غصونها الغيمات ما بتطالها

مكبشي بجبالنا.. ونحنا كمان

مكبشين بهالأرض كرمالها

   لله درّك يا أبا حاتم، فلقد اختصرت في هذه الأبيات الرائعة، شعور اللبنانيين أينما كانوا، ونبت عنّا نحن الشعراء في قول الحق، والإفصاح عمّا يجيش في صدورنا من محبة تجاه وطننا الحبيب لبنان.

   لقد كنت، وبحق، سفير الكلمة الوطنية الحرة.

**

شربل بعيني ـ سيدني ـ أستراليا


يوسف بك كرم



 في مثل هذا اليوم 7 نيسان، توفي البطل يوسف بك كرم منفياً عن بلاده، مات لينتصر لبنان على الجيش العثماني الذي أفقر البلاد وجوّع العباد:

ليش حتّى ترفعوا التمثال

ع الأرض.. والتمثال بـ قلبي

حاسس بصدري دعسة الخيّال

بدل الباروده حامل الطلبه

يوسف كرم ذكرو إذا ما انقال

بيبكي المجد.. وبيستحي ربي

لفّوا القصايد حول عنقو شال

عيون البطل عم يحرسو دربي

ومهما انحكى.. أجمل شعر بالبال

ناطر تا حتى تكتبو الغربه

شربل بعيني


فواتح شهية لكتاب الحلوة عن بعيني/ محسن ادمون يمين



بالثناء والتقدير للجنة الثقافية في رعية السيدة- مجدليا أستهل كلمتي هذه لإصرارها على إعادة التواصل الهادف إلى نشر العلم والمعرفة ، برغم حصار المحن والصعوبات ، وتداعيات الحروب القريبة والبعيدة ، والتباعد الإجتماعي الذي إستوجبه الكورونا ، ولا يزال .

وكأني بالرعية قد أبت ألا يمر كتاب "شربل بعيني بين الفصحى والعامية" ، وهو  إبن مجدليا التي يجري حبها ، وحب لبنان ، في عروقه مجرى الدماء ، بقلم ، بلمعان قلم الدكتور مصطفى الحلوة ، دون أن تحرك ساكنا .فكل الموانع تتهاوى ، وكل المحظورات تزول ، أمام واجب رعاية مجدليا لعهد الأمومة ، والإفتخار ، والمودة ، لمن تأصلت جذوره في تربتها ، رغم الهجرة المديدة ، والبعاد . فكيفك بالشاعر شربل بعيني الذي لم يترك شمس يوم تغيب عليه في مغتربه دون أن يذكر بانه إبن " القندلفت" سركيس بعيني ، وبحنينه إلى رائحة الأهل ، وذرات التراب ، وعبق الصعتر ، وأجراس الكنائس .

كما تنحسر المحاذير أمام ضرورة إبداء  واجب الإحترام للدكتور مصطفى ، وتقديره حق قدره . فالناس هنا ، والزيتون ، يرفعون القبعات إجلالا له ، وهو يحل في ربوع مجدليا متحدثا ، وموقعا إصداره الذي جمعنا الآن ، على أن تضعه ، بإعتبارها مسقط رأس شربل ، من اليوم فصاعدا ، تحت وسادتها . لكبير علمها بأن الزمان لا يجود بمثل شربل كل يوم . ولعلمها ، فوق ذلك ، بأنه لا يتوفر لنتاج إبنها البار الذي غادرها ، عام ١٩٧١ ، ويوازي عدد مؤلفاته عدد أعوام إبتعاده عنها ، ناقد يشهد له ، في مضمار النقد ، بطول الباع ، وعلو الكعب . كما يشهد له بجلد التمحيص ، ودقة الملاحظة ، واناة العالم .

فأي كتاب يضعه الدكتور مصطفى تحت مجهره يحظى بدقة ساعة سويسرية   وعناية ممرضة إنكليزية ، وصبر حرفي طرابلسي في سوق النحاسين . ما يجعل اي مراجعة من مراجعاته تلاقي أصداء إيجابية ، حال خروجها إلى النور ، وتلقفها من قبل المهتمين ، لما يمتاز به من قوة بحث ، وسلامة تحليل ، ورصانة مقاربة ، وطلاوة بيان .

وعندما يكون الأمر متصلا بشاعر مهجري كشربل ، غادر لبنانه في عمر الشباب الطري إلى أوستراليا ، فكانت له الدار بدل داره ، طوال النصف قرن الفائت ، وكان له ، هو فيها ، من الدواوين الحائرة بين الفصحى والمحكية ، والمجلية في كليهما ، ما يملأ رفا زاخرا بالإبداع من مكتبة ، فان الفضول للوقوف على ما يحتويه العمل ، وما خلص إليه المؤلف ، يبدو  مضاعفا . لأنه قلما يردنا عن الشعراء والكتاب المهجريين ما يروي عطشا للتائقين إلى المعرفة ، وتذوق حلاوات الأدب .

وأنت ما ان تأتي على مطلع الكتاب الذي سنتحلق حول مؤلفه بعد قليل حتى يتبين لك حالا  بأنه ليس من الصنف الذي تستطيع أن تقلب صفحاته على عجل ، وتسرع في قراءته ، إسراع متسابق . أو من النوع الذي  يسهل عليك إجتياز  المسافة بين دفتيه بأقصر ما يمكن من الوقت .فالكتابة المتأنية تقابلها قراءة لا تقل تأنيا . إستيعابا لما تم تفكيكه من نصوص ، كما تفكك الصدور العامرة للرمان ، وتفتت حباته بالعين قبل اليد ، وتلذذا بشرب ما جرى إعتصاره .

هذا هو الحال مع الدكتور مصطفى في دواوين بعيني الأربعة المسلط عليها الضوء في الكتاب : " أحبك" ، " مجانين" ، " نجمة الشعر" ،و"خماسيات حب" ، وفي مراجعته المدرجة في الثنايا لكتاب الدكتورة بهية أبو حمد "شربل بعيني منارة الحرف" . وهو الذي كابد ، أسوة بشربل ، وما زال يكابد ، عذاب الحرف .

كما هو الحال مع شربل بعيني الذي يشكل الكتاب الذي صدر في اوستراليا سنة ٢٠٢٠ غيضا من فيض أعماله الجديرة بالإبراز والتنويه ، والمكملة بعطرها ، لعطور الأدب المهجري الذي قيل ، بحق، انه " ملأ عيون الأدب بالنور"  و" خلع عن اللغة وقوالب التعبير أكسيتها القديمة" . أولا من خلال " الرابطة القلمية"، في المهجر الأميركي الشمالي ، منذ عام ١٩٢٠ حتى وفاة عميدها جبران خليل جبران ، عام ١٩٣١ . ثم ، من خلال " العصبة الأندلسية" ، في المهجر الأميركي الجنوبي ، منذ العام ١٩٣٣، إلى ما بعد العام ١٩٥٥ بقليل .

فشربل بعيني يواصل ، شانه شأن سائر الشعراء والكتاب المنتشرين بعد النصف الثاني من القرن العشرين ، إلى يومنا هذا ، تسطير فصل إضافي من الفصول الأدبية المهجرية التي تختلف بإختلاف بيئة النشأة ، والإنتشار . برجحان كفة للمحكية ،  على حساب الفصحى . رجحان " جاز معه - بلغة الدكتور مصطفى- إلى العالمية" ، بعد ترجمة ديوانه "مناجاة علي" ، وهو يالمحكية ، إلى الإنكليزية ، والفرنسية ، والإسبانية ، والأوردية . وليس ذلك بجديد على شعرنا العامي الذي نهض كل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني لترجمته إلى الإنكليزية ، قبل زهاء القرن . وغالبا ما كانت هذه الترجمات تنشر على صفحات مجلة " العالم السوري" لصاحبها سلوم مكرزل .

في أي حال ، فالدكتور مصطفى يسلم بجمالات المحكية التي تضارع جمالات الفصحى . وقد إستخلص ، إثر خوضه لغماري شعر بعيني ، أن شربل بقدر ما أبدع في فصحاه المراعية للأوزان الشعرية الكلاسيكية ، أبدع في محكيته . وهو لا يدع هذا الشعور بتساوي الجودة في قريحة بعيني يفارق القارىء ، سواء فاضت في هذه الوجهة ، أم تلك ، وسواء حين يتأجج كحمم البركان غيظا على ما آل إليه وضع لبنان ، أو حين يندفع كالسيل الهادر في نقمته على الحكام ، أو على ضياع القدس من أيدي العرب ، أو حين ينبري ممجدا المدن والعواصم العربية ، أو حين يرى نفسه محمولا على أجتحة الحنين إلى بلاده، أو حين يتقلب على جمر الحب . فشربل بعيني لا يزال ، في سبعينه ، يغني تحت شرفة الحب . كما لو أن السطر الأول من ديوانه الأول ، لم يجف حبره بعد : ديوان " مراهقة" ، زمن التنانير القصيرة ، والشعور الطويلة . وهو سيظل حتى السطر الأخير من ديوان الحياة . والحق ليس على الطليان ، إنما  " على النجوم التي - على حد قول صديقه الراحل الشاعر نزار قباني، وملهمه-تهرب من خيمتها لترقد على مخدته" ، فحكاية الحب ستستمر . ولا فرار من الشعر الا بالشعر  .

وأخيرا ، إذا كنت قد قصرت في إيفاء كتاب الدكتور مصطفى حقه ، فحسبي أنني قد بسطت أمامكم فواتح شهية لإلتهام صفحاته .


محسن ا. يمين

نص كلمة ألقيتها في حفل توقيع كتاب " شربل بعيني بين الفصحى والمحكية" للدكتور مصطفى الحلوة في قاعة رعية السيدة- مجدليا .


غالب النعماني يكتب عن شربل بعيني



 شربل بعيني أحد الشعراء اللبنانيين المغتربين في أستراليا، كان أول من أصدر ديواناً شعرياً باللغة العربية مطبوعاً في أستراليا اسمه مجانين، وقد اختارته الجامعة اللبنانية الثقافية – قارة أميركا الشمالية أميراً للشعر الاغترابي عام 2000، كما منحته رابطة إحياء التراث العربي جائزة جبران العالمية، وكرمته السفارة اللبنانية في العاصمة الأسترالية كانبرا عام 1987، أيام السفير الدكتور لطيف أبو الحسن وبحضور السلك الدبلوماسي العربي، كما شارك بمهرجانات المربد الشعرية في العراق عام 1987، وقال عنه يومذاك الدكتور الأب يوسف سعيد: شربل بعيني هزّ المربد الشعري الثامن في العراق. أصدر العديد من الكتب المدرسية والأدبية، وألف وأخرج العديد من المسرحيات التي أسهمت ببناء مسرح الأطفال العرب في أستراليا. كتبت عنه المؤلفات الكثيرة، وترجم العديد من مؤلفاته إلى الإنكليزية والفرنسية والأسبانية ولغة أردية والسريانية والفارسية. ولد عام 1951 في بلدة مجدلياالشمالية، كما منحته عام 2014 وزارة الثقافة اللبنانية درعاً تكريمياً لنشاطه الشعري المميز.


كلمة د. مصطفى الحلوة في حفل توقيع كتابه " شربل بعيني بين الفُصحى والعاميّة"

 


مجدليا، قاعة الخوري أنطون بيّوس البعيني/ السبت 26 شباط 2022 


ما جئتُكِ، مجدليا، هذه العشيّة، مُنتديًا حول كتابي المتواضع فحسب، ولم أسعَ إليكِ كي أُكرَّمَ- وتكريمُكِ لي موضعُ فخر واعتزاز- فأنا ذلك الدرويش العازفُ عن حُطام الدُنيا وبهارجها، أحمل قنديلي، في رابعة النهار، كما ديوجين، باحثًا عن الحقيقةِ العارِية ومنتصرًا لها، حتى الرمقِ الأخير، لا أرتجي جزاءً ولا شُكورًا!

ما جئتُكِ، مجدليا، إلاّ لأستحضِرَ، من وراء المحيطات، شاعرَكِ الذي رفع رأسكِ عاليًا، وطبع اسمكِ على شمسٍ لا تغيب، لأستحضرَ ذلك المتعبِّد لكِ، آناء الليلِ وأطرافَ النهار.. صلاتُهُ تسابيحُ ما انفكَّ يتلوها، منذ نيِّف وخمسين عامًا:" يا مجدليا، بحبِّكْ عْبَادِه/ رغم الضياعْ بغُربة المجهولْ/ المجدلاوي بينعطى شَهادة/ إنسانْ مُخلِصٌ بالتُقى مجبولْ/ بالمغتَرَبْ بِشرِّفْ بلادي" (ديوان "ابن مجدليا" ص 160).

أجل! أحبائي، أهلَ هذه البلدة، التي تستبطنُ المجدَ والحنان، جئتكم لكي أرى في وجه كل واحدٍ منكم، بل في وجه كل مجدلاوي ومجدلاوية، شربل بعيني، المُصابَ بداءِ الحنين إلى الربوع التي أنبتتهُ، والعالقَ على شفير هاوية الانتظار!

يقينًا، أحسبُ أن هذه القاعة تضجُّ بصوته، وهو يتلو فعل الندامة، وقد استبدّ به الحنينُ ولوعةُ الاشتياق إلى مسقطه: " ما عاد بدِّي عيشْ بالهجرانْ/ قِرفانْ من كلمة هَجِرْ قرفانْ/ مشتاقْ إرجَعْ بوِّس حروفِكْ/ واوقَفْ عَ بابْ كنيستِكْ ندمانْ" (ديوان "ابن مجدليا"، ص ص : 162- 163).

وها نحنُ، أحبائي، هذه العشِيّة، بجوار الكنيسة التي يرنو إليها شاعرُنا، فلنا أن نردِّد معه وبلسانه:" لماذا الهجرُ، يا ربي طويلُ/ أعِدْنِيَ، لا تُطِلْ فيَّ اشتياقا".

أيها الأحباء،

قد تستغربون كيف لباحثٍ أن يضعَ مؤلَّفًا وافيًا، حول أديب/ شاعر، بل يغورُ إلى عُمقِ أعماقِهِ، يتماهى  فيه ليعيش كل لحظةٍ من لحظاتِ إبداعِهِ، وهو لم يلتقِهِ حتى هذه الساعة ؟!

أجل! لم ألتقِهِ، لم ألتقِ شربل بعيني عيانًا، ولكنني ألتقيهِ فيكم- أنتُمْ أهلَه ومحبِّيه وقادريه- فنِعمَ الدوحةُ  البعينية ، ونِعم المحبون ونِعمَ قادروه!

لن أُحدِّثكم، أحبائي، عن كتابي، فقد أُعطيتِ القوس باريها، حين أُسنِدَت هذه المهمة إلى الصديق الأديب محسن أ. يمين، فأفلح في القبض على مفاصله، وفي تقويمِهِ أيّما تقويم!

قصّتي مع شربل بعيني، أحبائي، ذاتُ فصولٍ، لعبَ فيها القدرُ لُعبتَه، وقد استعرضتُها في مقدمة الكتاب، تحت عنوان : " قصتي مع البعيني والطريقُ إليه"، فلكم أن تتعرّفوا هذه القصة، ولي، في هذه العُجالة، أن أُجيبَ عن قضيتين، هما من القضايا المحورية لهذا المؤلَّف. 

أولى القضيتين: لماذا هذا الكتاب، الذي صدر في سيدني العام 2020، وجال في أرجاء أستراليا، وجاء ليحطّ الرحال في لبنان؟ وأما ثاني القضيتين، لماذا شربل بعيني دون سائر أدباء المهجر الأسترالي وشعرائه المشتهرين؟ 

عن القضية الأولى، فقد جهدتُ في إبراز ما للشعر بالمحكية من جمالات بل مجالات إبداع، لا تقل عمّا للشعر بالعربية الفُصحى، وأن الشاعر الشاعر هو من يستطيع أن يُبدِعَ في كلا هذين اللونين الشعريين، وقد فعلها شربل بعيني، إذْ جمع مجدهما، وكان من المُفلحين! ولكم أن تُعاينوا مطوّلتَه العصماء "المربديّة"، التي ألقاها في أحد مواسم احتفال المربد في العراق، إذْ ضمّنها الشعر العمودي الخليلي، إلى الشعر الحرّ، وإلى الزجل، فكانت هذه القصيدة حُجَّةً له، لمرةٍ واحدةٍ وفي وقفة شعرية واحدة.

هكذا تماهى اللبناني المجدلاوي بالعربي النِجار، وكان خَلْقٌ في أحسن تقويم! 

لقد كان للبعيني وأقرانِهِ، من شعراء المحكيّة، أن يتكلّموا بلغتهم المحليّة وبلسانِ قومهم، إقتناعًا منهم أن اللغة هي أحدُ مكوِّنات الهويّة الوطنية والثقافية والانتماء إلى الحيِّز الجغرافي، ذي الخصوصية الأصيلة. وإذا كان من ميزة فارقة للمحكية، فهي، وفق الباحثين في علم اللغات" القوتُ اليومي للشعوب!".

وأما عن القضية الثانية: لماذا شربل بعيني، فقبل الإجابة عنها، لا أبالغُ إذا قلتُ إن صفحاتٍ وصفحات تُقصِّر عن إيفاء شاعرنا العملاق حقه، وإذْ نحاولُ، فذلك غيضٌ من فيض مسيرتِهِ الإبداعية التي لا تعدِلها أية مسيرة: 

- شربل بعيني، لأنه، إلى كونِهِ مُتجذِّرًا في المغترب الأسترالي، منذ نيِّف وخمسة عقود، يحملُ قضية وطنه الأم (لبنان) في عقله، ويُعانيها جرحًا منغرسًا في قلبه، ووجعًا يؤلمهُ، حتى آخر العمر!

- شربل بعيني، لأنه الطاعنُ إيمانًا في زمن لبنانيتِهِ، لا يرتضي منها بديلاً :" وَقْتْ اللي بحاكيكن/ لا تقولوا هيدا نصراني/ وقت اللي بحاكيكن/ لا تقولوا هيدا قرآني / أنا ما بحاكيكن/ ولا الحكي بيطلع عَ لساني/ إلاّ ما حاكيكن/ لبناني ابنْ لبناني".

- شربل بعيني، لأنه المتقدِّم، بل  المتصدِّر أقرانَه، من شعراء الصف الأوّل، في المغترب الأسترالي، على جبهة الشعر: فصيحِهِ ومحكيِّه.

- شربل بعيني، لأنه "شاعر الغُربة" من دون مُنازع، مثَّلَ شعرهُ شلاّلاً هادرًا دفّاقًا، في خضمّ شعر المنافي، ولما يَزَلْ بعد نصف قرن دائم التدفُّق. وتكريسًا لهذا اللقب ، فقد كان لمسمّى "الغُربة" أن تحوي أذرُعُهُ الإعلامية: إذاعة  وتلفزيونًا ومجلة.

- شربل بعيني، لأنه المتأجِّجُ أبدًا في الدفاع عن قضايا الأمة، لا سيما قضية فلسطين، وعن سائر قضايا العرب ، في وجه أعداء الأمة الذين يتناوشونها، من كل حدبٍ وصوب.

- شربل بعيني، لأنه ذلك "الجبراني" و"النزاري"، الثائر على الحلف الجهنمي بين بعض تجّار الهيكل والساسة الفاسدين، الذين باعوا وطنهم وأفقروا شعبهم، وذرّروا الكثير من أبنائه ، في أربع جهات الأرض!

- شربل بعيني لأنه الداعية إلى العيش الوطني اللبناني الواحد، المعترف بالآخر المختلف، عقديًا ودينيًا، فما يهمه الإنسان، والإنسان وحده، بريئًا من كل انتماءٍ فئوي أو جهوي أو عرقي!

- شربل بعيني، إذا أبقى اسمه طيَّ الكتمان، فإنك لا تعرفه، إذْ يتكلّم، إلى أي طائفةٍ أو دينٍ ينتمي، فهو عابرٌ الطوائف والمذاهب إلى رِحابِ الإنسانيةِ السَمحاء!

- شربل بعيني، لأنه باقٍ ذلك "الطفل" السبعيني المحبّ، طيِّب القلب والسريرة، لا يُماري ولا يُداهن، المتواضع الذي لا يُصعِّرُ خدّه للناس، ولا يمشي في الأرضِ مَرَحًا، من مُنطلق إيمانِهِ بأن الله لا يُحبُّ كلَّ مختالٍ فخور!.

- وشربل بعيني أخيرًا، لأنه ذلك المجدُّ، المنهمُّ، العاكف ليلَ نهار، وحتى الجنون، على وضع نتاجِهِ، لوجهِ العلم، بين يدي الناس، لا يرتجي إلاّ خدمة الأجيال، وخدمة الأدب العربي وفنونه، في مغتربه الأسترالي، وما وراء وراء هذا المغترب، وقد طبّقت شهرته في الآفاق!

... هوذا، أحبائي، ابن بلدتكم، فتشامخوا- يا أهلَهُ- وارفعوا الرأس عاليًا، فقد أنبتت لكم هذه الأرض الطيبة المباركة شاعرًا، قد لا تجودُ الأيام بمثله!

في هذا المجال، والقولُ بقولٍ يُذكر، أستميحُ ابن رشيق القيرواني عُذرًا، فأذهبُ مُقايسًا على ما أحدثه المتنبي من كبير فعلٍ: " ثم جاء شربل بعيني فملأَ دُنيانا وشغل الناس!". كما استحضرُ قول نزار قباني، في إحدى رسائله إلى شاعرنا: "شربل بعيني دوَّخ قارة أستراليا!".

أجل! دوّخها، بعظيم شعره، محكيًا وفصيحًا، وبأعماله المسرحية الأربعة عشر، وبعشرات دواوينه، فكان "طاحونة نشر كتبٍ"، كما وُصِفَ، وبما كُتب عنه وما قيل فيه، وبمقابلاته الصحفية التي تبلغ بضع مئات، وبالجوائز التي حازها من مختلف بلاد العالم، ودوّخها بسمو منظومة القيم التي اعتنقها، ولم يحِدْ عنها قيدَ أُنملة!

.. ختامًا، أتقدّم بجزيل الشُكر من رعية السيدة مجدليا، راعية هذا الحفل والداعية إليه، والشكر موصولٌ لخادم الرعية الصديق الأب عبود جبرايل، مهندس هذه التظاهرة الفكرية الرائعة، وللصديق الأستاذ وليد فرح، رئيس نادي روتاري زغرتا الزاوية، والشكر للصديق العزيز الأديب محسن يمين الذي شكَّل إضافة نوعية في مقاربته الكتاب. والشكر لجوقة رعية السيدة مجدليا، بقيادة الآنسة جوزيت المقدسي، وللفنان الملحن السيد الياس المقدسي، والشكر للحضور الكرام، فردًا فردًا، من أهلنا في مجدلياوالجوار وطرابلس وسائر المناطق. وأخيرًا الشكر لأخي الشاعر المحبّ شربل بعيني، وقد أردتُ هذه التظاهرة تكريمًا له في عُقرِ داره، فأنا ممتنٌّ له إذ أتاح لي هذه الفرصة الغالية.


شربل بعيني ظاهرة أدبية وطاقة إنسانية

بقلم غسان علي الأسدي ـ

   رجل تمسك بقراراته، وحمل حقائبه مبتعداً عن وطنه الأم لبنان، منذ بداية السبعينات، تاركاً خلفه إرثاً من الذكريات التي بأقلها تُذرف الدموع أنهاراً، وتمتلىء الصدور حسراتٍ، ويشق البحار والمحيطات ليتكىء على قلمه الفظ، وأدبياته المتناثرة خيالات تمخضت بوشائج جابت دوواوين الجالية بطولها وعرضها ناثرةً روائع وحكايات وكلمات مليئة بالحب والمحبة.

   قيادة أدبية محكمة بضوابط الثقافة العربية الأصيلة، تجلت في كتب طرزت مكاتب المثقفين، بالحق إنه ظاهرة أدبية سامية، وقد جاهد وكابد لخدمة الكلمة والقصيدة بشجاعة دون ميول ولا تملق ولا حتى طمع بمديح غير مفترض.

  رجل ملأ المحافل غبطة وسروراً بتلك الانسانية الشفافة المتواضعة بقوله الجميل: إن الاديب  لقبه أدبه.  فلن يهتم ويأبه لتلك التنازلات بأنفعالات عُرفاء الحفل ليقولوا ما يقولوا، بل يمتطي المنصات شاداً الاذهان إليه بتلك السمفونيات العذبة من مزيجه العامي والفصيح.

رفض كل أشكال الديكتاتوريات بحجمها وقوتها ليكون قوياً بأنسانيته ويكون الاب الروحي للجالية المفتخرة بوجوده معها بعبقه وطيبة قلبه وكبر مقامه الكريم. فلم يقتبس كتاباً ليكون مؤلفاً بارعاً يضحك به على الذقون، ولم يسرق منشوراً ليكون دكتوراً بالدجل والنفاق، ولم نره يوماً مهرولاً وراء الفخريات المطرزات بالاختام الملونة، بل رأيناه شامخاً بقامته الجميلة وكلامه الساحر ليكون شربل بالعين والقلوب…

   لم يترك أبواب الأدب صامتة، بل أطربها بطرقه جميع النواحي بدءاً من روانق الحروف منتهياً ببدائع الكتب والمجلات والمذياع وصولا لثورة النشر بالغايات الواصلة للأذهان.

   كم جميل أنت أيها الأديب وكم كبير أنت أيها الانسان، لقد حاصرت الاحداث لقاءات الاحبة، ولم تكسر حواجز الخواطر، وهنا سارت بي الهواجس الى حيث الوجوه التي لطالما أسعدتنا وطرقت أبواب أفراحنا، تحية حب وثناء لك أيها الرجل الاديب التربوي الابوي شربل بعيني.  

ولطالما انت وأمثالك بيننا فنحن بخير، ولطالما حروفك ساطعة فان الايام مشرقة بك أيها الأديب المخلص للأدب والشعر…خالص التقدير لك من قلوب مليئة بالمحبة والتقدير.


مجلة مديات العراقية: لقاء مع الشاعر والأديب اللبناني شربل بعيني ـ استراليا



شربل بعيني ربيع لا ينضب وإرادة لا تسلب وكلمة تسمع قبل أن تكتب...فهو لم يجعل من الشعر صنعة ولا اختاره سلعة ولكنه كان بالنسبة له صوت لعالم كله سمعه...

قال عنه نعيم خوري في مجلة الوفاق:

كبيراً ذهب الشاعر شربل بعيني إلى بغداد وكبيراً عاد منها، فقد لبّى هذا الشاعر الجريء دعوة لحضور مهرجانات المربد الشعريّة هناك، فحمل الرسالة، وأدّى الأمانة على أتـمّ وجه...

و قال عنه  إياد الزاملي من العراق أيضا:

أن تكتب شعراً، يعني إنك إنسان أولاً، وإنسان ثانياً، وإنسان أخيراً. وأن تكون إنساناً، إنساناً حقّاً، يعني أن للكلمة الكأس المعلّى، وان الخير إلى ازدياد، وأن العالـم أجمل.

 

أستاذ شربل بعيني، أهلا بك عبر مجلة مديات العراقية

ـ أهلاً بك أخت بشرى، وأهلاً بأهل العراق، الذين علّموني، أثناء زيارتي لهم عام 1987، أن الضيافة العربية التي يتغنى بها العالم أجمع، تنبع من بين أصابعهم، وتترقرق في جداول حبهم، لتنسكب فيما بعد ابتسامات ولا أجمل على شفاههم.

قبل أن نبدأ حديثنا ما رأيك في الانتفاضة الثقافية العراقية من جديد؟

ـ العراق بلد الثقافة، ومنبع الشعر، فيه كان البدء، ومنه انطلقت الرحلة، والرحلة لم تتوقف، ولن تتوقف، ما دام هناك قلم عراقي ينبض، يتألّم، ويثور. فالانتفاضة الثقافية العراقية لم تتعثّر، رغم الحرب الأليمة، لتقوم من جديد. فلقد كانت، وما زالت، وستبقى، لأنها البدء، والرحلة، والهدف.

   قبل الحرب كانت الثقافة العراقية في أوج عزّها، وكنا نذهب إلى بغداد لنتبغدد أدبياً، وأثناء الحرب وبعدها كتب الأدباء العراقيون في مواقع إلكترونية مئات الالاف من المقالات، ونشر بعضهم الصحف والمجلات الورقية خارج حدود بلادهم، ففي أستراليا مثلاً صدر العديد من الصحف العراقية كالفرات ودجلة وبانوراما والعراقيةوغيرها. وبما أن لا حدود جغرافية للكلمة، وجب علينا أن نقر بأن الأدب العراقي بقي سيّداً كما كان رغم كل شيء.

 

عرفك العديد من الشعراء والكتاب ببغداد ومثقفو هذه المدينة يذكرونك بكل خير  ويقال أن اشتراكك في المربد الشعري العراقي قد أتاح لك فرصة الانتشار في العالم العربي كله، فهل لك أن تحكي لنا عن مرتعك من فرات الثقافة وعن ذكرياتك هناك؟

ـ هذا كلام صحيح، فاشتراكي بالمربد الشعري عرّفني بشعراء كبار لم أكن أحلم أن ألتقيهم لولا العراق، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر الكبير عبد الوهاب البيّاتي، الذي جمعتني به بغداد، وتوطدت أواصر الصداقة بيني وبينه إلى يوم وفاته، رحمه الله، وهذا ما تجدونه في رسائله إلي، المنشورة على الشبكة العنكبوتية في كتاب إلكتروني جميل.

   كما تعرّفت على الشاعر اليمني محمد الشرفي، الذي استضفته في بيتي في أستراليا، يوم زارنا لاستلام جائزة جبران العالمية، ورسائله إلي منشورة أيضاً في كتاب إلكتروني.

   ولكن معرفتي الأجمل كانت للدكتور عصام حداد، الذي أوجد جائزة شربل بعيني في لبنان، لتوزع فيما بعد في أستراليا.

   أما إذا تكلمت عن ذكرياتي في العراق فيلزمني مجلدات وليس جواباً على سؤال، إنها أجمل من الكلام، إنها السعادة التي تغمرني كلما تذكرتها، إنها الصرخة التي أطلقتها في قصيدتي المربدية:

أرض العراق أتيتكِ

مدّي اليدين إلى الحبيب

إلى أن أقول:

قَد تَضْحَكينَ، وَأَنْتِ الضَّادُ،

مِنْ نُطْقي، وَمِنْ لُغَتي..

وَمِنْ شِعْرٍ غَريبِ السَّبْكِ

يَحْمِلُ وَشْمَ مَحْبَسَتي.

قَدْ تَضْحَكينَ.. وَلكِنْ، ضِحْكَةَ الأُمِّ

الَّتي ابْتَهَجَتْ بِطِفْلٍ تَمْتَمَ: يَمَّا..

فَيا أُمِّي..

بِغَرْبٍ ضَمَّني طِفلاً

تَرَكْتُكِ أَنْتِ "سَيِّدَتي"

وَنَشْرَ الضَّادِ أُمْنِيَتي

وَفَوْقَ شِراعِ أَسْفاري

كَتَبْتُ كَلامَ أُغْنِيَتي:

"هَيْهاتْ يا بو الزّلُفْ

عَيْني يا مُولَيَّا

بَغْداد هِيِّي الْقَلِبْ

وْلُبنانْ عينَيَّا.."

   وأعتقد أنها المرة الأولى التي يدخل بها شاعر موّالاً زجلياً في قصيدة مربدية فصيحة.

كشاعر ومفكر مغترب، بما تصف أدب المهجر ولم يقول البعض انه أدب بعيد عن فهم مشاكل الوطن؟

ـ أدب المهجر أدب صادق، لم ترعبه سياط رجال المخابرات، ولم تتلاعب به أموال الحكام، إنه صافٍ كدمعة أم، ومن يقول عنه أنه بعيد عن مشاكل الوطن، أتهمه حالاً بعدم القراءةً، فهل كان أدب جبران خليل جبران بعيداً عن هموم الوطن، بالطبع لا، وغيره وغيره الكثير. ومن يقرأ كتبي يجد أن هموم الوطن العربي ككل تدمي كل كلمة نزفتها في غربتي، خذي مثلاً قصيدة (لعنة الله علينا) التي قيل عنها: الويل لمن تصيبه لعنة شربل بعيني. وقصيدة يا طفل الأرض المحتلة التي أقول فيها:

إضرب، إضربهم، إضربنا

فالكل بحقّك قد أجرم

وغيرها المئات، فكيف يكون أدبنا بعيداً عن همومكم، ونحن نعيش معكم لحظة بلحظة، فإذا ضحكتم ضحكنا، وإذا بكيتم بكينا، وإذا ثرتم ثرنا.. أنتم ونحن واحد، شئنا أم أبينا.

 

ما هو الثمن الذي تدفعونه انتم المغتربون لكي تساهموا في إنجاح مسيرة أوطانكم و إثبات جدارتكم في بلدان غريبة؟

ـ الثمن واضح، هو أن الكثيرين من أدباء المهجر غير مرحب بهم في أوطانهم بسبب الثورة التي ينادون بها، فأثناء الحرب اللبنانية اللعينة، قلت عن شعبي "شعب حمار" لأنه شارك بحرق لبنان، فوصفت مجلة "النهار العربي والدولي" القصيدة يومذاك بالشعر الصادق، وإليكم بعضها، وهي بالعامية اللبنانية:

وكانوا يقولوا إنّو بلادي

قطعة سما

ألله لولا وفا جدودي

ما تقاسما

وضلّوا يغنّوا روابيها

تا صارت حلم

وبالآخر شكوا فيها

رايات الدم

والناس الماتوا صاروا

حكايات كبار

يحكيها الجار لجارو

عن شعب حمار

يرضي يحرق ديارو

بقلب غضبان

ورضي يفوّت مسمارو

بقفا لبنان

   أما عن إثبات جدارتنا في بلدان غريبة، فحدّثي ولا حرج، فلقد أهديناها الرؤساء والوزراء والنواب ورجال الأعمال والمخترعين والأدباء وغيرهم، ولم نكن يوماً عالة عليها، بل اصبحنا وبوقت قصير أحد أهم أسباب نهضتها.

 

حدثنا عن جائزة شربل بعيني و ما هي الفئات التي يمكنها أن تفوز بهذه الجائزة؟

ـ جائزة شربل بعيني، كما ذكرت سابقاً، أوجدها الدكتور عصام حداد في لبنان، ومن ثم بدأنا بتوزيعها في أستراليا والعالم على فعاليات خدمت مجتمعها فكرياً واجتماعياً وإنسانياً. ولكي تفوز بالجائزة عليك أن تثبت أنك إنسان بكل ما للكلمة من معنى، فتصوري، أخت بشرى، أن تُعطى الجائزة لأديب ينادي بالمحبة وهو مخبر سري للطاغوت الجاسم على رقابنا.

هناك لجنة لمنح الجائزة يشرف عليها في لبنان الدكتور عصام حداد، وفي أستراليا الدكتور علي بزّي، ومن تجد فيه اللجنة الكفاءات المطلوبة يحصل على الجائزة في الحقل المختص به، كالشعر، والنثر، والطب، والخدمات الاجتماعية، وغيرها.

ماذا عن المسرح اهو هواية أم رغبة في تجسيد ألم المجتمعات أم ماذا بالضبط؟

ـ أوجدت المسرح الطفولي في أستراليا بغية تعليم أطفالنا المغتربين كيفية النطق باللغة العربية دون خوف أو تلعثم، إذ أن معظم أطفالنا يهابون النطق بلغتهم الأم فجاء المسرح ليقضي على هذا الخوف، وبعد عرض أكثر من 14 مسرحية غنائية فكاهية اجتماعية، تمكنّت من إيجاد ممثلين ومغنين، أشهرهم الفنانة المهجرية ريما الياس، التي غنت في مسرحياتي أكثر من عشرين أغنية بإمكانكم الاستماع إليها إلكترونياً.

صحيح أن مسرحي كان هواية، ولكنه أثبت وجوده بعد أن جسّد آلام المغتربين وتوقهم الحار للرجوع الى أوطان لا تعرف كيف تسترجعهم، أو تتمكن من إيقاف سيل رحيلهم بسبب الحروب المتكررة، والسياسات العقيمة. مسرحياتي عالجت مواضيع كثيرة حساسة أجبرت الفنان الكبير دريد لحام على القول حين شاهد مسرحية ضيعة الأشباح: جميع وزارات الثقافة والتربية والتعليم في الدول العربية لا يمكن ان تأتي بمثلها.

كشاعر ومفكر يحمل هموم الوطن العربي، فتحت أيضا مجال الإعلام أمام إبداعات الشباب، فأنت تنشر مقالتهم وتساهم في انتشارهم حدثنا أكثر عن هذا التوجه

ـ مثلما فُتحت لي مجالات كثيرة لنشر أدبي، قررت أن أساهم أيضاً بنشر أدب الآخرين، وخاصة الشباب منهم، دون أن ألجأ إلى مقص الرقيب، فالرقابة في مجلة (الغربة) غير موجودة إطلاقاً إلا في حالة واحدة ألا وهي الإساءة المتعمدة إلى الآخرين، بغية التجريح الشخصي وليس النقد البناء، فالقانون الأسترالي لن يرحمنا إذا تغافلنا عن هذه الناحية. ثم ما نفع الوسيلة الاعلامية إذا كانت تنشر ما يتلاقى وسياستها، وترفض الرأي الذي يعارضها.

ماذا يمكن أن تخبرنا عن حالة المثقف العربي الشاب وكيف يمكننا أن نرقى بالذوق العام بنظرك؟

ـ المثقف العربي بحاجة ماسة إلى القراءة، هو يكتب ولكنه نادراً ما يقرأ، وهذا ما لمسته من خلال احتكاكي الدائم بهم عبر مجلتي، فالكثيرون منهم يدخلون الموقع من أجل مشاهدة صورتهم المنشورة ضمن المقال، والاطمئنان إلى أن مقالهم قد نشر، ومن ثم يخرجون ليفتّشوا عن مقالهم في مواقع أخرى، دون الاطلاع على ما ينشر في الموقع، وأعتقد أن معظم أصحاب المواقع يعرفون ذلك، وهذا ما يحد من سعة تفكيرهم، وصحة استنتاجهم، وصقل مواهبهم.

وأيضاً هو بحاجة إلى تحسين لغته العربية أولاً، قبل أن يمطر الوسائل الإعلامية بمقالاته الكثيرة جداً جداً، فلقد وجدت أن العديد منهم لا يعلمون أن الفاعل يرفع، والمفعول به ينصب، وأن أحرف النصب تنصب المبتدأ وترفع الخبر، إلى ما هنالك من قواعد لغوية مختلفة، يجب أن يدركها الكاتب وإلا جاءت كتاباته ركيكة، مهما حملت من معانٍ سامية، إذ أن اللغة السليمة هي الوجه الجميل لكل كلمة يكتبها، وبهذا نكون قد ارتقينا بالذوق العام، من خلال الارتقاء بالكلمة.

قلت انك توقفت عن إجراء لقاءات صحفية فلماذا هذا الابتعاد عن أسئلة الصحافة لمدة من الزمن؟

 

ـ لم أتوقّف فقط عن إجراء اللقاءات الصحفية، بل توقفت أيضاً عن الكتابة، فلقد كنت بحاجة إلى استراحة طويلة استجمع بها قواي الفكرية، فالأديب كالأرض يجب أن تستريح قبل أن نحرثها ونحضّرها للموسم القادم.

    بالماضي أجريت معي لقاءات كثيرة وجدتها تتلاقى من ناحية الأسئلة والأجوبة، فقررت أن أبتعد عنها بعض الشيء كي لا يشمئز القارىء أو المستمع من إجاباتي المتكررة وكأنني ببغاء أدبي ليس إلا.

وكما تذكرين يا أخت بشرى فلقد طلبت منك أن تقرئي كتبي قبل أن تحاوريني، مخافة أن لا تتكرر الأسئلة والأجوبة ونقع في التكرار. وأعتقد أنك نجحت في الامتحان، فقلت لك: أنت رائعة يا بشرى، وأسئلتك أروع. وها أنا أجيبك عليها بكل فخر.

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

ـ لقد بدأت منذ عدة أشهر بإعادة نشر مؤلفاتي الأدبية بطريقة حديثة وجميلة، وتجميع ما تبقى من مقالاتي المنشورة هنا وهناك في كتب، لأن العمر قد اقترب من خريفه ولا بد من الرحيل ساعة يشاء الخالق، وأخشى أن يضيع أي عمل قمت به، إذ أن كل أعمالي غالية على قلبي، وهذا ما يتطلب الكثير من الجهد والوقت.

نشكرك استاذ شربل على تلبيتك دعوتنا و نتمنى لك المزيد من التوفيق

ـ ألف شكر لك أخت بشرى وألف شكر لمجلة مديات والقائمين عليها، وألف تحية لشعب العراق البطل.