أسعد المكاري يحلق في ومضاته الشعرية السريعة

عندما التقيت الشاعر أسعد المكاري في حفل تكريم، كي لا أقول تأبين، العملاقين اللبنانيين سعيد عقل وصباح، صحت بأعلى صوتي:
ـ أنت في سيدني يا أسعد، ولم تزرني بعد؟
فأجابني بهدوئه المشهور به:
ـ الاستاذ سركيس كرم هو المسؤول عن زياراتي، وستتم زيارة "الغربة" بأقرب وقت ممكن.
وبعد أيام زارني وهو يحمل كتابه الجديد "في عينيك يتمشى الليل"، فأعجبت بالعنوان وسألته:
ـ من اختار لك عنوان الكتاب هذه المرة يا أسعد؟
ـ في المرات السابقة هناك من ساعدني باختيار عناوين كتبي، أما الآن فالعنوان من اختياري أنا.
ـ عنوان جميل جداً.
وما أن بدأت بتصفح الكتاب، حتى قرأت:
ليلُ عينيك 
يحمل مسائي..
وقمر اللهفة
يطلع
من ردائك
عارياً..
فأرتمي 
في اللحظات 
عاشقاً..
ورحت أفكر في "قمر اللهفة" الذي يطلع من الرداء عارياً، كي يسامر الشاعر، علّه يرتمي في اللحظات عاشقاً. تصوير رائع لحالة عشق، ما من أحد من مخلوقات الله إلا ومر بها، أو عانى منها.
ومن الأشياء التي لفتتني في الكتاب، تلك الومضات السريعة التي حلّق بها أسعد، أكثر مما حلّق في القصائد الطويلة، فهو يرميك في "غيبوبة الصمت" بعبارة واحدة فقط:
وأنا خارج من الصمت 
دخل صوتي في غيبوبة!
وأيضاً هذه الومضة الخلابة، التي تجعل من حبيبته قمراً، يخشى أن يتطلع به، ويعجز عن حجبه بستارة:
تتعرين أمامي!
فكيف أضع ستارة على القمر؟
أما عن الشرنقة، التي سيخرج منها جسد حبيبته، بعد أن استحمت بعطر الياسمين، لتلبس نشوتها منه وتمضي، فيقول:
تستحمين بعطر الياسمين
ليخرج جسدك من شرنقته
ويلبس النشوة 
ويمضي..
هذا كلام رائع يا أسعد، من أين جئت به؟، ليتك فرشته على كامل صفحات الكتاب. ليتك عرّيت الكتاب من قصائده الطويلة، وتركتنا نذوب بومضات كهذه:
عارية إلا من طوق الياسمين!
أو بعزف ناري كهذا:
اعزفي على ناري قليلاً
أستلذ أنفاسك بين ألسنة اللهب
وأعشق أوتار حروفك العابثة في أبجديتي!.
أما طيوره، فلا تعرف الأقفاص الحديدية أو الخشبية، فلقد حبسها تحت قميص حبيبته، وأوصاها بأن تزرّر القميص جيداً، فالغيرة ستدمره إن رأى طيورها أحد غيره:
زرّري قميصك جيداً
حتى لا تغادر الطيور
لغير أمكنتها..
كما أنه يسخّر الدين من أجل عينيها:
دحرجت قلبي كحجر قبر المسيح
فقامت أحاسيسي من موتها
ليعيش عشقي قيامته!
مرة واحدة رأيته يكذب كشاعر، عندما أعلن أنه تعب من النساء:
تعبت من النساء
اللواتي يأكلنَ من حروفي نشوتهنَّ
ولا يخدشنَ لهاثي..
أسعد المكاري، الشاعر السياسي، عرف كيف يغازل الصبايا، دون أن "يخدش لهاثهن"، لا بل جعلهن يتبعنه في جميع أمسياته، فاستحق عن جدارة لقب "شاعر الحلوين".
شربل بعيني

ميشال زخور الوالد القديس

ـ1ـ
صباح الثاني من آذار جاء مثقلاً بالحزن،
فلقد أخبرني ابن خالتي جوزيف زخور بوفاة والده ميشال،
وأنه سيترك كندا في الحال ليكون قرب أمه، وعائلته.
فأحسست أن فسحة الكون قد ضاقت،
وأن الاغتراب أبعدني عن أناس زينوا طفولتي بالمحبة والقدوة الصالحة.
ـ2ـ
ميشال زخور..
زوج خالتي عاقله، 
آخر حبّة في عنقود الرجال الأقرباء.
وأحبّهم الى قلبي،
فلقد كان يأتينا كل أحد تقريباً ، 
رغم بعد المسافة بين بعبدا ومجدليا،
ليجمع عائلتي الأختين معاً: بترونله وعاقله.
وقد نجحت خطته، 
لأن ما زرعه من حب بيننا وبين أبنائه وبناته،
لن تقوى عليه أعاصير الحياة.
ـ3ـ
مجنون من يعتقد أنني أبالغ لو قلت:
ميشال زخور قديس،
أجل: قديس،
ومن يعرف سيرة حياته،
سيعلن قداسته حتماً.
لماذا؟
لأنه كان الوالد المثالي،
التقي، النقي، العطوف، المحب،
المؤمن بإنسانيته، 
التي قرّبته أكثر فأكثر من ربّه.
أف، ما أقسى الموت 
عندما يسرق من بيننا أناساً عظماء مثله.
ـ4ـ
سأفتقدك يا زوج خالتي..
يا حبيب قلبي..
وسأحسدك في آن واحد،
لأنك سبقتني الى حضن العذراء مريم،
الى زنبقة مار يوسف،
الى صليب المسيح،
الى جنة الملاك ميخائيل، الذي تحمل اسمه.
أحسدك، لأتك عرفت كيف تتاجر بالوزنات،
بينما أنا ما زلت أتخبّط في غربتي،
علّني ألتقط السراب.
ـ5ـ
نم قرير العين،
وهنيئاً للجنة بك.
**
شربل بعيني
سيدني أستراليا

شربل بعيني... كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم بالثمر/ الأب يوسف جزراوي

يداعبني أمل لا اراه بعيدًا، وأنا أعدّ كتاب "الأب يوسف جزراوي وهؤلاء" بأنْ يرى هذا الكتاب النور في المستقبل القريب  إنْ قيض لي الله. ولقد اعتاد القرّاء على موضوعية الجزراوي في الكتابة، لهذا  سيلقاني القارئ الكريم اشرح إنطباعاتي عن شخصيات ووجوه عرفتها عن قرب في شتى المجالات، بقدر ما أوتيت من معرفة وما أتيح لي من متابعة، وسيلحظ القارئ النبيه أيضًا عبرَ صفحات الكتاب المُشار إليه إعلاه  إنني امتلك من المرونة والإنصاف ما يتيح لي الكتابة عن الأشخاص والأحداث والمواقف، في إطارٍ من الموضوعية والتجرد والحياد الفكري والعاطفي .
وكعادتي لم أجز لنفسي، تدوين اسرار حياتية للذين عرفتهم وتقربت منهم،  أو احكامٍ عن شخصيات وسلوكيات اصحابها يتحكم فيها الهوى أو المزاج المُتقلب أو النزعات الشخصية. تجنبت الأنحياز لاحد وابتعدت عن  الآراء الظالمة والتحليلات الناقصة، نائيًا بنفسي عن  استخدام لغة هابطة أو معقدة  تدلّ على نقص المعرفة وغياب الرؤية، وسطحية الفكر وسذاجة الكلمة وقلة الخبرة.
أكتب اليوم عن  شخصية قريبة إلى القلب محببة إلى النفس محترمة من العقل. جمعتني به علاقة صداقة طيبة  تغلفها علاقة التلميذ باستاذه والأبن بابيه بل قلّ علاقة الكاهن بالراهب الحكيم،لأن الرجل كان دائمًا مثارًا للإعجاب والتقدير. كما إنني أكتب في هذه الصفحات عن نموذج لبناني ربّما اختلف بعض النقاد حول آرائه، ولكن الجميع اتفقوا على قيمته الفكرية وقامته الأدبية، فضلاً عن روحه المرحة ونفسه الصافية الوفية واخلاقه العالية، الذي تسامى عن الصغائر فلم يلهث وراء الجوائز ولم يتكالب على الأضواء ولم يضع العصا في طرقات الآخرين بل كان سلمًا يرتقون من خلاله للمجد. إذ ليس المهم أن تملك الموهبة وحدها، ولكن أن تُضيف إليها الشخصية الرصينة والجاذبية الإنسانية والخلُق الرفيع، فهذه كلّها تُعطي للكاتب ولكتاباته تألقًا وتفردًا، وهنا تكمن قيمة الأديب، حين يقرن الكلمات بالسلوكيات.
نموذجنا اليوم أسمه شربل بعيني  الذي ارى فيه عصرًا كاملاً يسير على قدمين، وفكرًا متقدًا لم تؤثر فيه سنوات الغربة الطويلة، ولا خطوب الزمان، ولا ندوب الأحداث. ولقد لفت نظري في أدبه، نقده وشخصه، هو امساكه لميزان الكلمة بحيادية وموضوعية قلّ نظيرهما في زماننا هذا، فضلاً عن أدبه الجم ونزعته الصوفية الواضحة وجاذبيته الإنسانية. فهو رغم كلّ هذا لا يزهو بما يملك من قامة أدبية، بل يزهو بتقربه من الله الذي قاده لينصف الذين جعلوا من اعماقهم فرنًا للكلمة، بعد أن غدت أفكارهم او كلماتهم خبزًا للجميع.
ولا تزال لصيقة بذاكرتي تلك الكلمة التي  أشاد  فيها الأديب العربي الكبير شربل بعيني بوفاء كاتب هذه السطور لأساتذته، يوم قال في أمسية إطلاق كتابي "المبدعون غرباء عن هذا العالم" بتاريخ 12/11/2011:" الملفتُ حقاً هو وفاءُ الكاهنِ يوسُف لِمَن ساعدَهُ من بعيدٍ أو قريبٍ، وهذا ما لم نَعُدْ نَجِدْهُ في هذا الزمنِ التعيسِ، زمنِ الوصوليّةِ والغدر، وهذا ما يُرَجِّحُ كَفَّةَ موعِظَتِه، ويجعَلُ المُتَلَقِّي يَرْضَخُ لها دون إدراكٍ منه".، فاليوم أودّ أن اسجل  واخصص في هذه الصفحات قليلاً من الكثير الذي عرفته عن أستاذي شربل بعيني، عسى أنْ يفي الجزراوي الأديب الصغير المغمور حق أستاذه الكبير وأبيه الروحي.
كنت اسمع عنه وأقرأ له مثل عامة الناس، إلى أن بادرني صديق  مشترك في ايار 2011 وهو الصحافي المعروف جوزاف بو ملحم ـ أبو أمين- برغبة صديقه الشاعر العربي الكبير شربل بعيني بالتعرف عليّ شخصيًا وإجراء مقابلة تلفزيونية في مجلته (الغربة) الغرّاء، لا سيّما بعد مطالعته لكتابي الموسوم (خلجات الذات الجريحة ج2). فقلتُ له: يا فرحة ما بعدها فرحة؛ فمنذ سنوات وأنا أسمع عن الشاعر اللبناني (رسّام الكلمات) شربل بعيني الذي تمكن من رسم أجمل الصور الشعرية والإنسانية بواسطة كتاباته العميقة المُعبرة عن عمقه ونضجه الإنساني. شربل الذي أمتدحه الشاعران  نزار قباني وعبد الوهاب البياتي رحمهما الله. وللتاريخ أقول فلكلّ ساقطة لاقطة: لقد تأثر شربل بعيني بابيه الروحي وملهمه الأدبي نزار قباني، سيّما بعد أن التقاه في بيروت عام 1968 واهداه باكورته الشعرية ديوان "مراهقة"، وقد نصحه شاعر العرب الأكبر القباني بالإبتعاد عن العامية والكتابة بالفصحى. وقد لا أكون واهمًا إن قلت: إنَّ شربل بعيني استمد من الشخصية العراقية جزءًا كبيرًا من الذكاء الأدبي والقدرة على تصوير المواقف الشعرية من خلال خبرته في المراسلة مع الشعراء الأب يوسف سعيد، عبد الوهاب البياتي، نزار حنّا الديراني. ولا غرابة في الأمر فعلى مرّ التاريخ شهدنا كيف عانقت النخلة العراقية الباسقة الأرز اللبناني الشامخ.
 ولا زلت أتذكر يوم رأيته للمرّة الأولى بجسده الضخم وصوته الجهوري حين نهض من مقعده وانتصب قائلا: "يا هلا بـالأبونا المفكر"؛ حيث التقينا معًا للمرّة الأولى في غذاء محبة وتعارف بأحد مطاعم مدينة ميريلاندز بسيدني رفقة الشيخ د. مصطفى راشد والصحافيّ جوزيف بو ملحم الذي كنا في ضيافته المعهودة، فقلتُ في نفسي  يا محاسن الصدف! وأخيرًا التقيت أنا البغدادي الهوى والمولد بالشاعر اللبناني الذي كرمه بلدي العراق حين صدح صوته وتغنى ببغداد في مهرجان المربد الشعري سنة 1987؛ ذلك الشاعر الذي مُنح جائزة جبران خليل جبران العالمية.
وجدت نفسي أمام شاعر لا يشق له غبار، بل قلّ  أمام صرح أدبي عملاق! أملتُ سمعي إلى كلامه، أمعنتُ النظر فيه، تفرست في وجهه جيدًا، إنقضت ساعة واثنتان، فالإستماع إليه شيّق ومُفيد، بحيث يُنسيك وجبة الطعام التي أمامك؛ كلامه غذاء للفكر، حكمته دواء للذات، لبق الحديث، واسع الثقافة، محفز للفكر.  شخصيته مرحة قادرة على توليد النكتة، محبة للدعابة، بحيث كان يبث النكات بين الحين والآخر اضفت على الجلسة جمالاً ورونقًا. لقائي الأول به جعلني أنسى دروس الموسيقى والتزاماتي الكنسية والحياتية!.
 في اليوم ذاته لبيت دعوة الرجل لزيارة مقر مؤسسته العامرة (مؤسسة الغربة الإعلامية)، وما أن وطأت قدمي أرض المؤسسة،  لتطلّ عليَّ  في الحال أوسمة وجوائز وميداليات ادبية وهدايا لا تحصى  من شخصيات أدبية وسياسية ومؤسسات ثقافية عديدة، ناهيك عن ما يزيد عن 60 كتابًا حصيلة 45 عامًا في رحلة الأدب الممتعة والشاقة. وليكن هذا سرٌّ بيني وبينكم : لَكَم هو عظيم ومفيد أنْ يلتقي المرء باناس تجمعه معهم شراكة الفكر والإبداع، ينمو خلالهم إنسانيًا وروحيًا وأدبيًا. وعندما برِحنا مكتبه نظر كلّ منا إلى الآخر وقلت لهم: إنه قيمة وقامة، إذ ما رأيت في حياتي قدرة على  موضوعية السرد مثل تلك التي تمتع بها هذا الرجل، فهو يرد الأمور إلى أصولها ويتعقب الظواهر إلى أسبابها.
ولعلَّ أهم الامور التي ينفرد بها عن الاخرين هو أنه يصغي بتمعنٍ ويستوعب الموضوع المطروح عليه ويرتب أفكاره قبل أن يتفوه بكلمةٍ، ويمتلك ناصية التأثير في الآخرين من خلال شخصية مرحة في غير أوقات الجد، شديدة الجدية أثناءه. وهو متحدّث لطيف المعشر؛ الجلوس إليه متعة، والحديث معه فائدة، والاقتراب منه هو اعتراف بمكانته وتأكيد لقيمته وحفاوة بعطائه المتجدد وتألقه المتواصل.
لقد لفت نظري أنه منهك الصحة، راحته تبدو في وحدته. تبدو على وجهه ندبات الزمن وعلى شعره المنكوش دلالات العبقرية التي لا تخلو من مسحة كبرياء شخصي، إلاّ أنه قريب من البسطاء والعامة، وله قفشات ونوادر يعرفها أصدقاؤه المقربون. ورغم اعتزازه الشديد بكرامته وقيمة قامته فضلاً عمّا حل به من أهوال وازمات حياتية وأدبية، فإنه يبدو سعيدًا مرحًا قريبًا من القلوب في المناسبات الاجتماعية المختلفة والأحاديث الأدبية  الخاصة التي يُقلّ في الحضور إليها. لقد وجدت استاذنا الجليل يوم زاملته  في مهرجان العراقية وأمسية تأبين الشاعر كاظم اسماعيل كاطع وحفل تأبين صباح وسعيد عقل يجمع بين رقي الشخصية وسمو النفس وعلو كعب موهبته على الآخرين. وتميزه  بحضوره الإنساني الطاغي وشخصيته الخلاّقة وقدرته على اختراق القلوب والعقول في وقت واحد.
ورغم أنني لمست في الرجل غصة دفينة وحزنًا خفيًا سيّما عندما يُقلّب سجل الذكريات ويفتح صندوق الذاكرة، لكنه لم يكن يومًا من أيام معرفتي به من ناشري مناخ الأحباط واليأس، بل على العكس تمامًا. ولقد تميز الرجل من بين أقرانه، بالصدق والاتزان والطيبة على نحوٍ اكتسب به احترام كلّ من حوله. وإن أنسى لا أنسى تلك الأمسية الأدبية المُصغرة التي جمعنني به في حديقة منزله العامر بمناسبة ذكرى ميلاده الحادي والستين بصحبة الصديقين الكابتن سعدي توما والاستاذ موفق ساوا، بعد تركي كنيسة مار توما التي كنت أخدم فيها بكلّ جوارحي، فرأيت أنْ أطرحَ عليه بعض همومي في جلسةٍ لم تخلُ من تبادل الهموم واستعراض المشقات التي تعرض لها الحاضرون، فإذا به يعبر عن تقديره لشخصي ويزيد على ذلك رغبته في المساعدة ، وهو أمر لا أنساه له ما حييت.
لقد قرأت عن شربل بعيني وسمعت عن لسانهِ: إنّه ابصر النور في بلدة مجدليا بقضاء زغرتا شمال لبنان عام 1951، ومنذ نعومة اظافره كان مولعًا بالقراءة، فاكتشف في سنّ صغيرة إنَّ علاقته مع الكلمة كانت كعلاقة الوليد بأمه. فدبجت انامله الذهبية اولى قصائده (قصيدة حرّة) نشرها بعمر 13 ربيعًا في إحدى المطبوعات بطرابلس وكان مطلعها: (عربي ما دمت انت عربي، فاخي انت ابن امي وابي). ثم اصدر ديوانه الشعري الأول وله من العمرِ 17 عامًا،  وقد انبهر  استاذه  الراحل "جليل بحليس" بذلك المراهق، فأطلق عليه لقب "فرخ فيلسوف". ويعد ديوان (فافي) الذي نشره عام 2013، آخر مؤلفاته، حيث تغنى فيه بالشاعرة والاديبة المصرية المعروفة فاطمة ناعوت.
يوم كان شربل  ذلك الشاعر المراهق  لم يكن يعلم أنَّ ديوان "قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة، لبنان 1970"، سينغص عليه الحياة، ويحرمه من لبنان ومن حضن الوالدة [1] التي كان لها اليد الطولى والاثر الكبير في نجاحات شربل الإنسانية والأدبية؛ ففي ليلة من ليالي مجدليا الحالكة الظلام، وبعد أن رأى الديوان النور، قصد خوري الضيعة بيت العائلة وابلغ والدة شربل بأنَّ الكتاب لم يرق لبعض اشباح المكتب الثاني اللبناني يومذاك، وعلى شربل أنْ يرحل وإلاّ سوف يرمونه في البئر!.
هرعت والدته اليه وراحت تتوسل كي يترك لبنان، لكن شربل ابى الرحيل، لانه  لم يخلق ليكون مشرداً في الأرض. ونزولاً لتوسلات الوالدة التي يكن لها حُبًّا جمًا، قرر شربل الهرب إلى ضيعة بعيدة عن يد البطش، ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان، إذ  ذات مساء دعي لالقاء قصيدة في مناسبة حزبية أو وطنية على ما أذكر من حديثه، نالت المديح، ولشدة الإعجاب قام بعض الحضور باطلاق العيارات النارية أحتفاءً وأنطرابًا بقصيدته التي ألبت عليه المعارضين والاعداء، وحتمت عليه الهجرة من لبنان قسرًا.
هاجر من لبنان عام 1971 إلى أستراليا، فوجد هناك مساحات من الحرية في الرأي لم يألفها في باريس العرب - لبنان، فلبنان كان باريسًا للعرب بجمالِ اراضيه وناسه وليس بساسته.
في أُستراليا امتهن شربل مهنة الحياكة في بادئ الأمر، إلى أنْ عملَ في التجارة، فادرك عن خبرةٍ ودراية كيف يجمع بين الأدب والتجارة؛ إذ مكنته التجارة من نشر نتاجاته الأدبية في المهجر الاسترالي، وقد أَلفَ المغتربون العرب أسمه كما أّلفوا الشهيق والزفير، بعد أنْ كتبت عنه الصحف العربية واجريت معه المقابلات على انواعها، فهو الذي كتب الزجل والشعر الحرّ والعامودي والنثر والمسرح بتفوق. ثم مارس رسالة التعليم في معهد سيّدة لبنان بعد عقدٍ من الزمن على دخوله سيدني، ألّف خلالها عشرات الكتب المدرسية التي ما زالت تُدرس في مُعظم المدارس الحكومية والخاصة، وأنشأ على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، كأستاذ للغة العربية، اجيالاً من التلامذة في معهد سيدة لبنان ـ هاريس بارك.
اغدقت عليه ألقاب كثيرة منها: أمير الأدباء والشعراء اللبنانيين في عالم الإنتشار، الأديب العبقري، شاعر المهجر الأول، سيف الأدب المهجري، ملاح يبحث عن الله، رسام الكلمات، أسطورة الأدب العربي المهجري، شربل بقلبي[2].
ولقد حصدَ شربل بعيني منذ شبابه إلى يومنا هذا، أثمن الجوائز التقديرية، وحاز على جملةٍ من الألقاب. وكُرم كثيرًا، واعماله الأدبية انتشرت في الكثير من ارجاء المعمورة، بعد أن تُرجم بعضها إلى لغات عدة. فكان ولا يزال نجمًا وضاءً. وكيف لا ينتبه العالم لأدبه؟ وهو شمس الأدب العربي المهجري! فأدبه وجد كي يدوم.
حاصل على عشرات الجوائز، منها جائزة جبران خليل جبران العالمية وجائزة الارز للأدب العربي، وجائزة امير الادباء اللبنانيين، وجائزة الإبداع من مؤسسة العراقية للثقافة والإعلام في 8 اذار 2012 بسيدني.، ودرع التكريم مع شهادة تقديرية من مؤسسة سواقي للثقافة والفنون بتاريخ 11/4/2014. وقد كرمته وزارة الثقافة اللبنانية بدرع الإبداع عام 2014 وهذه هي المرة الأولى التي تكرمه بلاده. كما أدرج اسمه مع نبذة عن حياته ومقطفات من شعره في معاجم عالمية وعربية أهمها: معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ـ الكويت، وموسوعة الشعر العامي اللبناني ـ بيروت، لبنان. إضافة الى الموسوعة الانكليزية التي أصدرتها جامعة ديكن في ملبورن عن الأدباء الإثنيين في أستراليا.
  
ولقد تميز شربل بالمزاج المتقلب أحيانًا والإنفعال السريع أحيانًا أُخرى، لكنه سرعان ما يعود ويهدأ ويلطف الأجواء خلال دقائق معدوة، ولا يغمض له جفن إن كان يعي أنَّ أحدًا قد أنزعج من كلمةٍ تفوه بها، أو سلوك أقدم عليه بغير قصد، فهو يعيد المياه إلى مجاريها بلطفٍ إنساني وكياسة عُهد بها. ومن خلال معرفتي الشخصية به ومطالعتي لنسبة كبيرة من نتاجاته، وجدته يولي المرأة  الواعية المبدعة اهتمامًا خاصًا وإحترامًا كبيرًا في حياته، وإنْ كان تعدد زيجاته نغص عليه مُتعة الحياة ورحلته الأدبية، لكنه لا زال يكن للمرأة نفس القدر من الإحترام والتقدير. وتلك على ما يبدو سمة تصيب بعض المفكرين والأدباء الذين يجدون في تقدير المرأة ملاذًا من ضغوط الحياة ووطأة الفكر!!
وفي زمن بات فيه الكثيرون ضيقّي الأفق في محبتهم للإنسان كإنسان، وجدت شربلاً تميزه البراءة، مُخلصًا مع نفسه ووفيًا ومساعدًا للآخرين. لا يتضايق من نجاح أيّ شخص، بل نلقاه يدعم ويسند الآخرين ويأخذ بيدهم إلى طريق النجاح ويؤمن لهم الإنتشار. منسجمًا وصادقًا مع نفسهِ والآخرين، يقول ما يريد قوله  دون مراوغة أو تمويه أو غش أو تملق...وقد علمني ونحن في هذا الزمن الرديء الذي يتوجب على المرء فيه أنْ يقول دائمًا ما يحب الآخرون أنْ يسمعوه، أنْ أقولَ كلمتي وأنْ أكونَ حُرّ الكلمة والمواقف حتّى لو وجهت لي سهام الغيرة والنقد، فعلى الأديب ألاّ يخشى لومة لائم ولا يهاب النقد الجارح غير الموضوعي.
في مطلع حياتي الأدبية وتحديدًا عام 2000 اسدى لي أستاذي الراحل الباحث الأب بطرس حدّاد، نصيحة مجانية مفادها: "أنت الآن دخلت في وسط لا تفقه خفاياه ومحنه، لانك في مقتبل العمر، ولكن أعلم يا ولدي أنَّ الدخول في رحاب هذا الوسط أشبه بتسلق الجبل، كلّما تقدمت  خطوة نحو القمة تأتيك ركلة لتعيدك إلى الوراء عدة خطوات".
ولقد وجدت صدى لتلك النصيحة في حياة الكبير شربل بعيني،  فكما أنَّ ذكاءَ المرء محسوب عليه فإنَّ تألق الأديب أو أيّ مبدع  في شتى المجالات يكون خصمًا له. وفي تاريخنا العربي على مرّ العصور تعلمنا دائمًا أنه ويل لمن تطول قامته أكثر من اللازم! وفي محيطنا الشرقي ادركنا كلّما كثرت الأضواء على شخص كلّما كثرت حاجته لسيارات الأسعاف!. وقد أصابتني دهشة وصلت إلى حدِ الذهول، حين قرأت كيف تناولت سهام النقد أدب شربل بعيني وشخصه، رغم أنه لم يتردد في نشرها إيمانًا منه بحرية الرأي الآخر... وقناعة بعدالة الزمن الذي يُعده الحكم النهائي والمطلق على نتاج الأديب. وكما أنَّ الشيء بالشيء يذكر، فإنَّ البعض من منتقديه عاد وأمتدحه وأثنى على شخصه وادبه، أما البعض الآخر فلم يعدل عن رأيه البتة.
حقق شربل أمورًا كثيرة، وأخفق في أمور أُخرى شأنه شأن سائر البشر، لأن الشاعر إنسان في أخر المحصلة؛ فالرجل كان يطمح إلى الأبوة ولم يحظَ بها، وذات يوم أسرّ إلي بأمنيةٍ لا تزال تؤرقه ومفادها:  "لو مَنّ الله عليّ بالأبوة لتمتلت بأبي". لكنه عاد وهمس لي بنبرة الإتكال على المشيئة الربانية: "لتكن مشيئتك يا ربّ".
كما سألته في إحدى الجلسات: لو عاد الزمن بك إلى  الوراء هل سوف تمتشق قلمك مرة أخرى وتجعله يعانق الورق؟ اجابني بسرعة: "نعم، وسوف أكتب أكثر ممّا كتبت،  لان الله كلمة والكلمة لا تموت". 
من مقولاته البليغة والخالدة: (العقل دائمًا يغلب البندقية شرط ألا يستسلمَ ). (البخيل انسان يموت مرتين ليعيش ورثته من بعده)). الأديب الذي يستعطي الناسَ من اجل نشرِ ادبهِ سينشر الناس ادبه على السطوح)،(الغرور داءٌ قاتلٌ لا يفتكٌ إلاّ بصغارِ العقول).(معظم الذين يحبون الجلوس على طاولات الشرف بلا شرف).
وللرجل موهبة الخطابة، فقد تميز عن اقرانه بأنه ملك المنبر، ولا شك أنَّ براعة الخطيب والشاعر أو أيّ متحدّث مهما علا قدره تتحدد في قدرته على الإيجاز وصياغة الفكرة العميقة في كلماتٍ قليلة وباسلوبٍ سلس والقاءٍ يشدّ الآخرين إليه. وقد  تعلمت من شربل كيف أقف أمام المرآة والقي كلمتي خلال فترة زمنية لا تتجاوز الخمس دقائق قبل أنْ  أعتلي خشبة المنبر! ولا تزال نصحيته تصول وتجول في ذاكرتي: " يا أبونا تذكر أنَّ المتحدث الذي يكثر الكلام على المنبر يضجر من حاله قبل أنْ يضجر منه الآخرون".
أما عن وصيتهِ فقد كتب: "وصيتي قبل أنْ أموت أنْ لا يقال أنني مُت".  وكيف يموت شربل بعيني الشاعر والإنسان في ذاكرة الاجيال وهو القمر المُضيء الذي لا يعرف الكسوف.
عبرَ رحلة الثلاثين من العمر أدركت بوضوحٍ تام من كلّ المرموقين الذين ألتقيتهم في مجالات: الدراسة والكهنوت والأدب والفكر والثقافة وأصحاب الشهرة في الفن والرياضة والسلطة الذين جمعتني بهم الحياة من مُنطلق خدمتي الكهنوتية ورسالتي الأدبية، أنَّ الإنسان هو الإنسان مهما علا شأنه أو تواضع قدره، وأنَّ توزيع الأدوار في الحياة قد جاء في كثير من الأحيان عبثيًا وغير عادل، فهناك من يولد موهوبًا وهناك من يولد مُعاقًا! وهناك من تحظى بقدرٍ من الجمال وهناك من تحرم منه منذ لحظة الولادة! وهناك من يولد والظروف في خدمته، وهناك العكس تمامًا! أما عن شربل بعيني فلا يسعني ألا القول بأنه يمضي والتوفيق مع خطاه. يحالفه الحظ دائمًا ويمشي النجاح في ركابه أينما حلّ لأنه عرف كيف يختبر الحياة ويستوعب ما هو جوهري فيها ليرسم معانيها في كتاباته ويجسدها في سلوكياته النبيلة، وهذه نعمة ربانية من جهة، ومهارة ذاتية من جهة أخرى.
كتبَ شربل بحبر القلب، فقد كنتُ ألتهم صفحات كتبه قبل سنوات خلت مع غيرها من روائع الأدب العربي والعالمي وتراث الفكر الإنساني مثل الكثيرين من أبناء جيلي الذين استهوتهم المطالعة الورقية على خلافِ الجيل الحديث والمعاصر الذي اراه يميل بشدة إلى القراءةِ الالكترونية. ولعلّي هُنا اخبركم سرًا: خلال مطالعتي لمؤلفات شربل كان يعجبني فيها استغراقه الشديد بالتغني بلبنان وبالعراق الذي يعد من البلدان العربية التي نال منها إنتشاره العربي عبرَ المربد. إنّه المربد العراقي وما أدراكم ما المربد؟ كما شعرت أيضًا مع صفحات كتبه أنه أديب كبير وإنسان عظيم، يخفي وراء سطور كتاباته آراءً سياسية حبيسة ومواقف مختفية ممّن يديرون المشهد السياسي بلبنان الجريح.
سنوات مرّت من التألق والشهرة والالقاب والجوائز، لكن شربل  ظلّ يتحسس في قرارة نفسه أنَ حاجة واحدة تنقصه، وهذه الحاجة هي التقرب من الله، وها هو منذ سنوات منصرمة يبحث ويتعمق. وإن كان قد كرس ما مضى من رحلة العمر للشعر والأدب والكتابة، ها هو منذ زمن ليس بالبعيد قد كرس نفسه كراهب في صومعته  الكلمة يبحث عن الله.

شهادة للتاريخ أقولها في مسك ختام هذه السيرة: سيبقى شربل بعيني في ضمير القارئ العربي قمرًا مضيئًا وشمسًا ساطعة ونجمًا  لامعًا، لا ينساه  القارئ وكلّ من عرفوه عن قرب، ويكفي أن أقول إنه لا يغيب أبدًا عن ذاكرة أبناء لبنان بأعتباره البلد الذي جُبل من تربته، ولا يغيب عن ذاكرة استراليا التي قضي فيها ثلثي حياته وأطول مدة من النتاج الأدبي الجاد، فارتبط المشهد الثقافي العربي  باسمه واقترنت صورته الحديثة بإنجازاته الغنية، فالجميع يحملون شعلته المضيئة  ويكنون المحبة والولاء لاسمه الكبير.
وسيظلّ شربل كبحر لا يمكن سبر أغواره، نكتشف فيه كلّ يوم اللآلىء والأسرار الخفيّة، ونظلّ بحاجة إلى مزيد من الغوص والتبحر لاكتشاف كنوزه الإنسانية. ونظل بحاجة للنظر في فضاء أدبه الخالد للتحليق عاليًا، علنا نبلغ بعض أجوائه، ونستنشق قسطًا من أنسام عبير سُموّه.
 لقد عاصر الرجل  زمنًا جميلاً احتفظت فيه الكلمة بجلالها والفكرة بعمقها والنظرة بموضوعيتها، ولا غرو أن قلت أنه من زمن الشوامخ ومن طينة الكبار كجبران وميخائيل نعيمة و سعيد عقل والجواهري وعبد الوهاب البياتي و يحيى السماوي، الذي أطلق عليه لقب "عميد الأدب المهجري" في كلمة منشورة بموسوعة شربل بعيني بأقلامهم الالكترونية.
إنّه شربل بعيني كما عرفته، فقد أدركته كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم  بالثمر، ولا عجب في هذا، فالمعادن الطيبة لا تصدأ أبدًا، وإنَّ شموخ الرجال العظام يجعلهم كالأشجار الطيبة الثمار واقفين باسقين حتّى نهاية رحلة العمر.
إنني  اليوم، أحني الرأس احترامًا لأسم شربل بعيني وأجلالاً لشخصه البريء وعطائه المتصل بالثقافة ودوره المرموق في تاريخ الأدب الحديث، فقد أقتحم بقلمةِ وكلمته الكثير من الأبواب الموصدة وعالج بحنكته العديد من الموضوعات الشائكة. تحية عراقية  مني لذلك الارز الشامخ الذي يبدو لي ولغيري دائمًا "كالصائغ" الذي ينتقي الفصوص النادرة والمعادن الاصيلة النفيسة ثم يصوغها أمام القارئ في حلة قشيبة،
هذا قليل من كثير عن قديس الكلمة شربل بعيني الذي يقف من زمنٍ على قمة هرم الثقافة المهجرية. آمد الله بعمرهِ . آمين.
 ــــــــــــــــــــــــــ
 (1) إن نسيت فلا أنسى أنطباعات أصدقاء شربل عن تلك المرأة؛ فقد سمعت منهم خلال أطراف الحديث ( الله يرحم أمك القديسة يا شربل). ولا أعلم أيّ صمت كان يراود الرجل يوم باح لي بما يخالجه في الاعماق: "ما اشتقت إلى شيءٍ في حياتي قدر اشتياقي إلى حضن امي". لقد طبعت والدته اثرها في حياته أكثر من أيّ إنسان آخر. وإنْ كانت الحكمة تنص:  وراء كلّ رجل عظيم أمراة،  فشربل كان وراءه سيّدة قديسة، رحلت عن عالمنا  الفاني هذا منذ سنوات خلت. عليها رحمة الله.
2) أطلق هذه التسمية على شربل كلّ من الأب يوسف جزراوي والمخرج المسرحي موفق ساوا.

يا مصر.. اسمعي/ فاطمة ناعوت

خِلسةَ المُختلِس

[أن تصادقَ شاعرًا بحجم "شَربل بَعيني"؛ فأنتَ على مَحَكّ الخطر. إنْ وددتَ الاقترابَ من عالمِه، عليكَ أن تتسلّح بِطاقةٍ روحية هائلة، وسُيوفٍ لُغويةٍ ماضية، وقدراتٍ خيالية مُحلّقة، وقلبٍ شاسع يحملُ البشريةَ والتواريخَ والتآريخَ وذواكرَ الأجداد وحدوسَ الأحفاد وإخفاقاتِ الحبيباتِ في سُقيا زهور الأرحام وإخفاقَ العشّاق في تحمّل طعنات الهوى، والهوى والتبتّلَ واليأسَ والإشراقَ والطفولةَ وكهولةَ الألف عام.]

يا مصرُ.... اسمعي 

الشعراءُ يتغنّون بالحبيباتِ في إشراقهنّ وزَهوهنّ وجمالهنّ. لكن الحسناواتِ وحدَهن من بين الحبيبات هن اللواتي يتغنى بهن الشعراءُ في إشراقهن وفي ذبولهن. في صَحوهن وفي رُقادهن. في عُنفوانهن وفي مرضهن. وإلا ما قال قيسُ بن الملوح: يقولون ليلى بالعراق مريضة/ فيا ليتني كنتُ الطبيبَ الُمداويا.”
ليلى العامرية الجميلة، سوداءُ الجدائل، نجلاءُ العينين، مليحةُ القوام، لو لم تكن فائقةَ الحسن وضّاءةَ البهاء ما تغنّى عاشقُها بحُسنِها حتى في مرضِها وذبولها.
ومَن من بين البلدان تشبه "ليلى العامرية" في حُسنها بين النساء؟ إنها مصرُ. التي أحبَّها كلُّ مثقفي العالم، وقدّروها حقَّ قدرها، وعرفوا أنها هِبةُ النيل، كما قال هيرودوت، وأنها حاضنةُ الحضارات حاملةُ مِشعل التنوير للبشرية في فجر الضمير الإنساني وقت غبش التاريخ. أحبَّها الشعراءُ في مجدِها، وفي كبوتِها لم يُعيّروها، بل قالوا إنها استراحةُ المحارب التي بعدها تنهضُ وتثبُ من رقادها لتتأهبَ من جديد لرحلة التنوير والحضارة. 
هنا شاعرٌ من أرض لبنان الساحرة. بلد الثقافة وحاضنةُ الفنون الراقية. بلد شجرة الأَرز الخضراء التي قيل إن اسمها اِشتُقّ من السريانية: "لب" و"أنان"، بمعنى "قلبُ الله"، حين ظنّ الأقدمون أن جبالها كانت موطنًا للآلهة القدامى. وقيل إنها من كلمة "لُبني" أي شجرة الطِيب والبخور طيّب الرائحة. وقيل إنها من الكلمة السامية "لبن" بمعنى "أبيض" لنصاعة الثلوج التي تكلّلُ هاماتِ جبالها. 
شاعرُنا اللبناني ترك لبنان الجميلة لأسباب سياسية وهاجر إلى سيدني الاسترالية ليؤسس حصنًا ثقافيًّا يليق بمهاجر مثقف أسماه "الغُربة"، وراح يعلّم أجيالا إثر أجيال من أبناء الجاليات العربية، فنونَ اللغة العربية وأسرارَ آدابها وأشعارها، فأصبح أبًا لآلاف من البنات والبنين غدوا الآن زهورًا مشرقة تزيّن فضاء سيدني، وله مئات الكتب رفيعة الطراز. حينما كنتُ في سيدني في نوڤمبر ٢٠١٤ لاستلام جائزة جبران العالمية التي توّجت هامتي بالفرح والفخر، فاجأنا شاعرُنا اللبناني الكبير "شَربل بعيني" بقصيدة كتبها في حبّ مصر، تحيةً لي، ابنة مصر التي غدت تحمل لقب جبران بوثيقة بُنوةٍ رسمية، ومن قبلي، تحيةً للحسناء مصر التي أحبّها كما أحبها كلُّ مثقف حقيقي مفطور على التحضر. لكن المفاجأة أنه أهدى القصيدة لصوت مطرب جبلي من أرض العراق الحزين، التي الشمس أجملُ فيها من سواها لأنها تحتضن العراق، كما علّمنا بدر شاكر السياب.فأشرقتِ الكلماتُ اللبنانية على الحنجرة العراقية التي لا تشبه الحناجر. صديقُنا العراقي ذو الحنجرة المقدودة من حجر الفلاسفة هو المطرب العذب "إسماعيل فاضل"، الذي أيضًا ترك وطنه العراق الكريم ليهاجر إلى سيدني الأسترالية، يحفظ عن ظهر قلب اثنتي عشر ألف قصيدة من التراث العربي القديم، تجويدًا ونظمًا وفنًّا وشدوًا. لحنّ القصيدة وغنّاها وسمعناها، فتشبّثت أكفُّنا بالمقاعد لكيلا تطيرُ أجسادُنا نشوةً؛ فنبرحُ الأرضَ ونحلّق على مقربة من الله في عليائه. 
تقول القصيدةُ: 
يا مصرُ أنتِ الأُمُّ.. يا أُمُّّ اسْمَعي
منْ كثْرَة الأشواق ضاقتْ أضلـُعي
ما كلُّ هذا النيلِ نهرٌ واحدٌ
فلقد وهبتُُ النيلَ مَجْرى أدْمُعي
لو باحتِ الأهْرامُ بالحبِّ النقيْ
لعَلِمْتِ أنَّ القلبَ لمْ يرحلَْ معي
إبنُ المَهاجرِ غارقٌ في حزنِه
منذُ احتضنتُ الأرضَ غابَ توجُّعي
شَعَّتْ على ثغـْر الأحبّةِ بَسْمَةٌ
خِلْتُ النجومَ تـساقطتْ بتـَسَرُّعِ
يا أمَّ دُنيا.. هل صحيحٌ ما أرى؟
هل تسمعُ البلدانُ صوتَ تضرّعي؟
مُدّي اليدينِ إلى الحبيبِ ترفـُّقاً
من ليسَ يأتي المجدَ.. ليْسَ بمُبْدعِ
ها قد سكبْتُ الحبَّ عِطْرَ قصيدةٍ
فتنعّمي بالحُبِّ، ثمَّ تدلّعي..
كوني كما أنتِ احْتِضانَ أُمومَةٍ
مَنْ يجمعُ الأبناءَ.. إن لمْ تجمَعي؟
أنصتوا إلى الصوت العبقري يشدو بالكلمات العبقرية على هذا الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=SQWYfad3Fuo&feature=youtu.be
ثم ترقّبوه قريبًا على خشبة المسرح الكبير بدولة الأوبرا المصرية، حيث أنصتتْ إليه جميلةُ "الفلوت"، ومديرةُ دار الأوبرا، د. "إيناس عبد الدايم"، وراقَ لها عذوبةُ الصوت، فقررتْ أن تقتنصه ليشدو لجمهور مصر الحبيبة. شكرًا لكل من أحبَّ مصرَ، لأنها الجميلةُ التي تستحقُّ الحبَّ.
***
* من مقال: "حذارِ أن تصادق شَربل بعيني" |مجلة "٧ أيام" |فاطمة ناعوت | ٣٠ ديسمبر 2014.

أغنية يا مصر.. عظمة فنية/ ايلي كلتوم رحمة

ما أن استمعت لأغنية "يا مصر"، حتى صحت بأعلى صوتي: رائعة. وقررت أن أكتب عنها، وأبيّن "عظمتها الفنية" كما وصفتها الشاعرة الجبرانية فاطمة ناعوت. انها، وباختصار شديد، عمل فني اغترابي عراقي لبناني رائع. جاءت كأجمل هدية مهجرية لأم الدنيا مصر.
القصيدة كتبها الشاعر اللبناني المهجري شربل بعيني، ولحنها وغناها الفنان العراقي اسماعيل فاضل، ووزّع موسيقاها الفنان أحمد جميل، وعزفتها فرقة موسيقية اغترابية محترفة. 
وكان الفنان اسماعيل فاضل قد غنى "ارتجالياً" على المسرح قصيدة "فافي" للشاعر شربل بعيني، يوم تكريم الشاعرة فاطمة ناعوت على فوزها بجائزة جبران 2014.  قلت "ارتجاليا" لأن "البعيني" أعطى "الفاضل" قصيدة "فافي" قبل ساعة من صعوده المسرح، فعزف موسيقاها "ارتجاليا" ايضاً، الفنان أليكس حدشيتي، ورغم "ارتجاليتها" فقد لاقت إعجاب الجمهور، وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، نظراً لصوت اسماعيل فاضل الخلاب، وحنكته الفنية، وتمكنه من اللغة العربية.
أما "يا مصر" فلقد جاءت مدروسة ومتينة شعرا، ولحناً، وغناء، وتوزيعاً، وعزفاً. ومتى اكتملت هذه الأقانيم بأغنية واحدة تأكدوا من أنها ستصبح "عظمة فنية" بكل ما للكلمة من معنى.
وقد لا أغالي إذا قلت: ان الفن في الوطن العربي لم يعد ينتج أغنيات بهذا الحجم، فمنذ وفاة الكبار كعبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ووديع الصافي، وفريد الاطرش، وناظم الغزالي، ووردة، وصباح، واسمهان، بدأ العد التنازلي للأغنية العربية الجيدة، وبدأ العد التصاعدي للأغنية التافهة، وما أكثرها. والتي ينقصها الشعر والصوت واللحن والتوزيع، وتكتفي فقط بالأرداف والفساتين الجميلة، وأحمر الشفتين، وهذا ليس انتقاصاً للفن إذا وجد الشعر واللحن والصوت، فأناقة الشحرورة صباح مشهود لها، ولكنها في نفس الوقت تتمتع بصوت متى صاح "أوف" يرتفع فوق السلم الموسيقي، ويجبر الموسيقيين على الاستراحة، حتى بعود صوت الصبوحة الى قواعد السلم الموسيقي سالماً.
واسماعيل فاضل أيضاً، له خامة صوتية، أقل ما يقال فيها، انها نادرة، لا بل نعمة الهية، وقد أثبت في رائعته "يا مصر" أنه الملحن الفذ، والمؤدي الناجح.
عملان فنيان فقط لاسماعيل فاضل مع شربل بعيني هزا الفن الاغترابي والعربي، وأثبتا أننا أهل إبداع، شعراً، ولحناً، وصوتاً، وتوزيعاً، وعزفاً. فألف مبروك لحبيبتنا مصر، والى عمل فني جديد بإذن الله.

سركيس كرم.. الزغرتاوي الثائر

 عرفت سركيس كرم منذ سنتين فقط، دخل الى مكتبي حاملاً بعض كتبه بالعربية والانكليزية، فاجأته بانتقادي له، كونه ذكر في كتابه "تجربتي مع التيار ـ لبنانية لبنان 2010"، أسماء معظم الشعراء اللبنانيين في المهجر الأسترالي ولم يذكرني، وفاجأني بجوابه المقنع:
ـ لقد ذكرت أسماء من تعاملت معهم، وأنت، وللأسف، لم أتعامل معك أبداً.
ولكي تكتشف معدن أي انسان انتقده بإخلاص وصدق، أي دون أن تتجنى عليه، وانتظر ردة فعله، وهكذا فعلت، فلقد انتقدت طريقة كتابته للشعر العامي اللبناني، وأنه بحاجة الى الموسيقى والوزن، فوافقني الرأي دون تردد، وأذهلني بجوابه:
ـ أنا لست شاعراً، وما أكتبه هو للتعبير عن فكرة ما خطرت برأسي.
ومن خواطره الشعرية أختار:
اهدن جنة وللمجد ينبوع
فيكي النسر بيطال ابواب السما
وكرمال العز يعلي بها الطلوع
بدو الهوا الطالع من باب الهوا
وكما ترون، فسركيس لم يهتم بالوزن، ولا بالقافية، اذ أن البعد بين "السما والهوا" بعد "الميم" عن "الواو". كل همه أن تصل صورته الجميلة هذه الى القراء، وقد وصلت.
هنا، بدأت أعجب بتواضع سركيس بك كرم، كما يحلو لي أن أناديه، رغم رفضه للقب، وإصراري عليه. فقليلون جداً هم الذين يتقبلون النقد، ويعتبرون أنفسهم أنصاف آلهة، وهنا تقع المصيبة الكبرى، فإما أن تقول الصدق وإما أن تكذب عليهم. وقد شجعني سركيس على قول الصدق لأنه صادق.. ويرفض أن يكون نصف اله.
قابلته تلفزيونياً عدة مرات، ولم يتلعثم أمامي، لدرجة شعرت معها أنه المحاور والمجيب في آن واحد، وأن دوري في المقابلة لم يكن سوى الوقوف خلف الكاميرا.
هاجم الزعماء، واعتبر أن لا خلاص للوطن إلا بتحجيمهم، وأن الشعب اللبناني مرغم على الانصياع لهم لأنهم يسيطرون على كل شيء:
ـ قال البطل "فلأضح أنا وليعش لبنان"، وما كان كلامو مجرد كلام. أما الشعار الفعلي ل كتار من "أبطال" اليوم فهو للأسف الشديد "فليضحى لبنان لأعش أنا".
وأيضاً:
ـ يا حرام ع لبنان.. كل سياسي فيه فاتح ع حسابو.. ولا حسيب ولا رقيب طالما الجمهور بينسا وبيسامح بسرعة البرق كرمال المصلحة "الوطنية العليا"!!.
هذه ثورة شاب زغرتاوي، هجرته عن "مرقد عنزته" سياسات تافهة، وزعامات شرسة، وطائفية بغيضة، فصرخ بأعلى صوته:
ـ "عم نحلمك يا حلم يا لبنان" من دون طائفيي ومذهبيي وآذاريي وزعامات وتصاريح سياسيي.
وكمغترب، لم أجد أصدق من كلامه هذا في حب لبنان:
ـ فينا نهاجر من لبنان بس ما فينا نخليه يهاجر من قلوبنا.
سركيس كرم ديموقراطي حتى العظم، ولكي يثبت القول بالفعل كان الرئيس الوحيد في هذه الجالية الذي تخلّى عن رئاسته كي يفسح المجال لغيره، رغم نجاحه المنقطع النظير بإدارته لجمعية بطل لبنان يوسف بك كرم الزغرتاوية، وهو القائل:
ـ كم أتشرف وأكبر واعتز بأن أكون من أصغر العناصر بين رجالك يا يوسف بك.. أحارب بقلمك، وأتعلم من قيمك، وأحيا بسيرتك.
وأنا أيضاً، يا صديقي سركيس، أتشرف وأكبر وأعتز بصداقتك، بقلمك، بقيمك، وبسيرتك.
المرجع:
ـ خواطر وأحلام.. من غربة لا تنتهي ـ سركيس كرم، مطبعة القارح ـ زغرتا، 2014
شربل بعيني
**
الرجاء قراءة التعليقات

إباحية يحيى السماوي الشعرية ذروة القداسة

قبيل دخوله لاستلام جائزة جبران العالمية، أهداني الشاعر العراقي يحيى السماوي ديوانه الأخير "أنقذتِني مني"،  دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع 2014 ، ورغم تعجبي من عنوانه، رحت أتصفحه، لأعرف لماذا اختاره، وكنت كمن يمشي على رمال متحركة، كلما قرأت كلما غرقت أكثر فأكثر في بحوره الشعرية، وصوره الخلابة.
من القصيدة الأولى، يعلن السماوي غرامه الاباحي، الذي استنجد من أجله بآيات وقصص دينية مستقاة من الكتب الإسلامية والمسيحية واليهودية، ليثبت أن اباحيته الشعرية ذروة القداسة، وها أنا أبدأ رحلتي معه:
خلعتْ فستانها الوردَ..
فأعشى نورُ نهديها
مرايا مقلي
صرخت بي: "هَيْتَ لكْ"
فاخلع قميصاً
انك الآن بخدري
فالتحفني إن تكن بردانَ..
مصّ التوتَ لو تعطشُ
واطحنْ سنبلي.
في هذا المقطع نراه يستعين بقوله تعالى في سورة يوسف: "وغلّقت الأبواب وقالت هيتَ لك".
وفي مقطع آخر من القصيدة نراه يستعين بعصاة موسى ليشق البحر، لا ليخلص شعبه، كما فعل موسى، بل لتظهر حوريته الحبيبة، ويعطينا هذه الصورة الرائعة:
ما أذكره أن حريقاً بارد النيران 
شقّ البحر
صار الموج عشباً
طلعت من بينه حورية
تلبس فستاناً من الورد
عليها هالة ضوئية..
أو ربّما شبّه لي.
وهنا أيضاً يستعين بقوله تعالى في سورة آل عمران: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".
ورغم تلك الاستعانات الدينية المتكررة، نراه يعلن فجوره الايماني، لا بل كفره المطلق، من أجل مضاجعة الحبيبة:
ناسكاً بتّ..
عفيف الإثم..
لكن
فاجرُ الايمان!
فالحوريّة المعصومة اللذات "لاتي" 
وسريري "هبلي".
ولكي يثبت أنه "الكل"، رغم انتسابه لطائفة معينة، نراه يستعير من الانجيل معجزة السيد المسيح، حين سار على الماء، مرتين ص 23 و56، علّه يتمكن من جمع قطبين معاً، الجنوب والشمال:
ليس لي معجزة المشي على الأمواج
كي أجمع ما بين جنوب وشمالْ!
لا بل أراد أن يعقد قران الصبح والليل من أجل أن تمطر "شمسه" لذتها في حضن "هلال":
ليس ما ينبىء عن أن جنوني
سوف يفضي بي الى
عقد قرانِ الصبح والليل
فنغفو في سرير العشق شمساً
تمطر اللذة في حضن هلالْ!
أعرفتم الآن كيف يتلاعب "السماوي" بمفرداته الأدبية، دون خوف من رقيب، فيحوّل الشمس حبيبة، ليصبح هو الهلال، أما اللذة فلسوف تجدونها في كل قصائد الكتاب. خذوا هذه مثلا:
قديسةَ الشفتين جفّ دمي
لو مسّدت شفتايَ غيرهما!
كيف لا وهو شاعر عاشق، ويجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره:
ما دمتِ في قلبي
فسوف يجوز لي
ما لا يجوزُ.
فالحب عند "السماوي" محللٌ من فوق، وما حلل من فوق لن يعرف الحرام:
شاخ الزمان
ولم نزل طفلين لهوهما حلالٌ
ليس يقربه الحرام.
وفي رسالة مدروسة وجهها للارهاب الكافر، الذي يذبح ويحرق ويشنق ويعدم الابرياء باسم الله، طالبه فيها بطريقة شعرية رائعة بالابتعاد عن الاجرام والتمسك بالحب، كما يتمسّك هو تماماً:
فخّخت بالقبلات ثغري..
وارتديت حزام شوقي..
يا التي
أضحت لبستاني الربيعَ السومريّ
وجدولَهْ
وصنعتُ من عطشي لمائك
قنبله!
أرايتم ما أجمل حزامه الناسف، وما أروع قنبلته. فالشعر يجمّل القبائح، مهما كانت مخيفة. وصدقوني أن ارهاباً كهذا سينزل صاحبه:
في جنّة أنهارها القبلاتُ
والحورُ الملائك أنتِ
والغلمان أزهار السفرجل
والخزام!
فالقداسة عند "السماوي" لا تتم بدون حب، ويرفض أن تكون أمنا حواء قد ارتكبت معصية حين أطعمت أبانا آدم "تفاحتها"، وكلكم تعلمون ماذا تعني "التفاحة":
اشك ان اكون قديساً
اذا لم ارتكب
معصية اقتطاف تفاحة فردوسك
وارتشاف خمر تين بستانك والزيتون
...
أشكّ أن أفهم ـ لولا خبز تنورك ـ معنى
سورة "الماعون".
فحبيبته ليست كباقي النساء، انها مؤمنة، فريدة عصرها، أول امرأة بالتارخ، إنها مؤذّنة.. إنها بلاده. أجل انها العراق.
الحب سيماء القلوبِ
المؤمنةْ
يا اول امرأة بتاريخ المآذن والقباب
مؤذنةْ
يحيى السماوي في ديوانه " أنقذتني مني" عرف كيف يسخّر تعاليمه الدينية كلها من أجل الحب، وكأنه يريد أن يقول: بدون الحب، لن ينتهي تشرّدي، ولن أعانق العراق.
شربل بعيني
نعليق من الشاعر الكبير يحيى السماوي
صديقي الشاعر الكبير شربل بعيني : لك من قلبي نهر تحايا يحفّ ببستان شاسع من شجر المحبة . 
عرفتك شاعرا كبيرا وفلاحا رائعا في حديقة المحبة الكونية ... واليوم عرفت الناقد الفذ فيك ياصديقي .
أبهجني حذقك النقدي وإضاءتك غير المرئيّ من تضاريس ديواني .
**
المقال في منتدى الرافدين للثقافة والفنون
**
 الرجاء قراءة التعليقات