كتاب جديد لأنطونيوس بو رزق: شربل بعيني رائد من روّاد الشعر المهجري/ موسى مرعي

الى محبي الاستاذ شربل بعيني..
الى الادباء و الشعراء والاعلاميين..
الى رؤساء الاحزاب و الجمعيات..
الى ابناء الجالية.. 
الى اخي وصديقي الاستاذ أنطونيوس بو رزق..
أشكرك على هديتك: كتاب بعنوان "شربل بعيني رائد من رواد الشعر المهجري"، العنوان طويل ولكنه ليس اطول من شربل بعيني. والمدح به كبير، ولكنه ليس اكبر من شربل بعيني بالعطاء والقيمة والمعرفة وقوة الاخلاق والادب .
قرأت الكتاب، واكتشفت انك جمعت، وذكرت، ومدحت كل شعراء وادباء الجالية اللبنانية، لا بل عموم ابناء الجالية بشخص شربل بعيني.
وقد اكتشفت انه يستوعب ويتحمل الجميع لانه يملك قلباً كبيراً كوطنه لبنان.
صديقي انطونيوس..
لقد أعجبني كتابك، فسألت الله ان لا يفرق بين الاحباء، وخاصة بيننا نحن كلبنانيين، وان يجمعنا على وحدة الوطن.
بينما انا جالس اتناول قهوتي ومندمج بقراءة كتابك، وزوجتي مشغولة بقراءة الايمايلات المرسلة، قالت لي اسمع هذه القصيدة لشهيد الجيش اللبناني، فوضعت الكتاب من يدي، ورفعت صوت الموبايل، واستمعت للقصيدة التي يلقيها الاستاذ شربل بعيني بصوته الجبلي. سمعتها.. واجهشت بالبكاء، وجدت نفسي اصرخ و اقول: كلنا قصرنا بالواجب.. كلنا شاركنا بقتل الشهداء.. كلنا طعنا لبنان.
تعليقا على ما ذكرته انت بالكتاب ص 36: العقل يميز الانسان عن سائر المخلوقات، لان العقل هو الشرع الاعلى للانسان، وهو الذي يعطي ويوجه ويأخذ، هو المدبر. ويمكننا أن نقول: ان العقل هو جزء من الخالق، اي الله، كوننا لا نراه الا من خلال العمل الخيري، بناء المحبة وجسر التواصل.
وممكن جدا ان نراه او نرى الاثنين العقل والله، ربما تحكم علي بالجنون قبل ان تفهمني، نقول: ان بلوغ الغاية يحتم اقتران الوعي والفهم بالتطبيق العلمي والممارسة والمحبة التضامنية الدائمة المستمرة حتى تصبح الممارسة بالغاية المطلوبة او المستهدفة أمرا عفويا بعيدا عن الالتزام بها بالقسوة والقوة. وهذه الحالة التي نرتقي اليها نحن اللبنانيين في المهجر هي غاية واحدة تجمعنا، وعقيدة وطنية عملية تجاوزت بشمولية نظرتها ومستوى فعلها العملي او النظري ولكن لا التطبيقي، ولكي نتجه الى التطبيق العملي والفعلي علينا بالتدبير العقلي اليقيني، فاذا جمعنا بين العمل النظري والفعلي و التطبيقي نكون اثبتنا فعل الايمان العقلاني، وكي أكون اكثر وضوحا، أطرح سؤالاً يختلج في نفسي، ويتردد دائما في بالي هو: هل نحن كجالية لبنانية قمنا بواجبنا نحو لبناننا الوطن الام؟  ام قصرنا بالواجب؟
لقد جئنا الى هنا وتركنا الوطن ينزف دماً من كثرة جراحاته، كلنا تركناه لاسباب متفاوتة، ولكننا حررنا انفسنا لحظة استقبال الدولة الاسترالية لنا، التي حضنتنا نحن واولادنا، وكل من جاء قبلنا منذ القرن الماضي. فامتلكنا المال و البيت والشركة، وأهم مستلزمات الحياة.
لكن علينا واجب مهم، لكي نرى الشرع الاعلى وهو العقل الذي صوره الله من نفسه، ووهبه لنا، بأمرنا بأن ننقذ لبنان واهله. من هنا يجب علينا ان نتعاون مع بعضنا البعض، وان نتوحد ولا نخاف الصعوبات، لا بل علينا ان نتغلب عليها تغلبا تاما.
وحتى نتغلب على الصعوبات، لدينا الشرع الاعلى الذي هو العقل، لذا على كل واحد منا نحن المغتربين ان يختلي بنفسه، ويحاسبها،  كي ينتصر عليها، عندئذ تسهل امامنا الوحدة والتلاقي الجدي للوصول الى غايتنا التي هي بناء وطن حر مستقل.
ان جاليتنا غنية بأبنائها: فيها الادباء والشعراء والاعلاميون والمثقفون والسياسيون والتجار والمتخصصون والمهنيون، ولكن تنقصنا ارادة الحياة. والحياة كما قال الفيلسوف انطون سعادة هي عز وشرف، عزنا وشرفنا هو الوطن الام.
الحياة ليست برفاهية مقتنياتها من قصور وسيارات وما شابه. حياة الانسان في وجود وطنه الحر، حيث تكمن قيمة الانسان العظيم المستقل كل الاستقلالية عن التدخلات الاجنبية في شؤونه الداخلية.
 الحياة هي بناء مجتمع حر يكون جديراً بالحياة من أجل ارادته المنبثقة من سيادته.. ومن صميم شعبه اي مجتمعه الحر.
يا ابناء جاليتنا العظيمة..
 قد نختلف في وجهات النظر سياسيا، وهذا لا يعني ان ننصب لبعضنا العداوة و الكراهية. والحلو فينا نحن اللبنانيين اننا لا نعرف الكره. لذلك وجب علينا كلنا ان نتوحد، وان نتجنب كل الاحزاب، ونحاول ان ننزع التعصبات الدينية والعشائرية والنزعات الفردية من انفسنا ومن صدورنا،  ونتجه لوحدة الوطن، ونسافر كلنا الى لبنان لنحسم الاوضاع مع جميع السياسيين والاحزاب هناك، ونكون بالمئات و بالالاف، شرط ان لا يتكلم احد باسم احد، ولا يكون صفا اماميا للوجهاء. كل اللبنانيين وجهاء الوطن وشرف الوطن. نعتصم في مطار بيروت الدولي، ونطالب فورا بانتخاب رئيس للجمهورية محايد ليس له شأن سياسي ولا حزبي، حتى ولو كان بائع خضار، المهم ان يكون شبعان اخلاقيا وان لا يكون طائفياً ولا لصاً، وليكن قادرا على تحمل شعبه، يعيش معهم وليس بعيدا عنهم.
هذا افضل من ان نهاجم بعضنا في الصحف عبر التعليقات والافتتاحيات و الخطابات وافضل من المهرجانات والاحتفالات  والصور وطاولات الشرف المضحكة في القاعات والصف الامامي، "ومين عرف على مين.. ومين نسي  يرحب بمين.. وفلان خرج زعلان  قوموا راضوه و فلان كيف وقف في الصف الامامي ليظهر بالصورة.. وايضا آخرين  يتغامزوا من تحت الطاولات على آخرين واطراف بيزعلوا اذا فلان دعي الى حفل هم مدعوون  اليه".
لاكون اكثر وضوحا كفانا لهوا ببعضنا وبأشياء لم ولن تكون اهم من الوطن.
 اللقاء الوطني للوطنين الاستراليين العرب
 رئيس اللقاء موسى مرعي

نجمة حبيب في قصتها "امومة اخجلتنا" تصفع أمتها العربية دون رحمة

  
نادراَ ما يضحك لي القدر، ولكنه فعلها الأسبوع الماضي حين حمل لي ساعي البريد ثلاثة كتب للدكتورة نجمة خليل حبيب:
1ـ رؤى النفي والعودة في الرواية العربية الفلسطينية.
2ـ .. والأبناء يضرسون.
3ـ ربيع لم يزهر
   ولشدة فرحي بها لم أعد أعرف من أين أبدأ. وعن أي موضوع أكتب، فكل ما في الكتب رائع، ومصقول بعناية فائقة، إن كان في الأبحاث الأكاديمية أم في السرد القصصي.. الى أن أوصلني حظّي الى قصة محزنة جداً، قرأتها عدة مرات، عنوانها: "أمومة أخجلتنا".
   نجمة حبيب في قصتها هذه تصفع أمتها العربية دون رحمة بأفعال جعلتها تتراكض أمامنا كعقارب سامة: ماتت.. انتحرت.. كفرت.. يئست. هذا ما حصل لـ"صفية" الأم المسكينة التي خطفوا ابنها الوحيد "علي".. "وكلنا يعرف أن صفيّة ترملت وعلي دون الثانية من العمر"، ورفضت، رغم صغر سنها، أن تتزوّج ثانية، بل أرادت أن تهب عمرها لفلذة كبدها.
   وفجأة خطفوا "علي"، من خطفه، لا أحد يعلم، "خطفوه وكفى.. ذهب ولم يعد"، انشقت الأرض وابتلعته، لينشق معها قلب أمه صفية الى نصفين، نصف يستصرخ "ضمائر البطرك والمفتي والامام وشيخ العقل" والنصف الآخر يزور " كهوف العرافين والمنجمين".
   ولكي تغرقنا نجمة أكثر فأكثر بمستنقع ألم "صفية"، أخبرتنا أنها "كانت على استعداد أن تبيع لحمها ودمها كي يعود علي".. ولكن دون جدوى. و"يوم إثر يوم تغور صفية في عزلتها، تهزل حنى تكاد تمسي نصف ما عهدناها، وتساءلنا، ترى ماذا يدور بعقل صفية؟".
   صفية، عند نجمة حبيب، هي صورة مصغرة لملايين الأمهات اللواتي خسرنَ أبناءهن، لأسباب لا حصر لها، معظمها مخجل ومقرف، في شرق لا هم له سوى سلب الأطفال من أحضان الأمهات.
لماذا خطفوا علي؟
ما جريمته؟
هل لأنه ينتمي الى بلد معين.. أم الى طائفة معينة؟
   فالخطف ما كان ليتم إلا لأسباب طائفية: قف، من أنت، الى أي طائفة تنتمي؟ هذا ما كان يدور على الحواجز أثناء الحرب اللبنانية اللعينة، وأعتقد أن نجمة عاشت الكثير من أهوالها، ومن يدري فقد تكون هي "صفية" أو إحدى قريباتها.
   ورغم هجرة نجمة حبيب من فلسطين الى لبنان الى أستراليا، ورغم مرور عشرات السنين على خطف "علي بن صفية"، نجد أن القصة تتكرر اليوم بشكل أكثر دموية، وأشد فتكاً.
   صفية لم تكن طائفية المشرب، كونها زارت البطرك، "وأضاءت الشموع في كل المزارات" المسيحية منها والاسلامية، إنها امرأة عربية منفتحة، تخطت بحسّها الإنثوي، جميع الحواجز الذكورية المفبركة، التي ما زالت تعاني منها أمتنا العربية.
   ولأنها خسرت الأمل برجوع ابنها، الذي هو "العقل" لأمتها العربية، قررت الخروج من لعبة التجاذب الطائفي والعقائدي والسياسي، والخلود الى الراحة. أجل لقد انتحرت صفية.. "ماتت.. كفرت.. استشهدت.. لم يعد يهم".
   أمومة صفية لم تخجلني أبداً، لا بل جعلتني أصفّق لها كبطلة، والدموع تنهمر من عينيّ، كونها، ساعة انتحارها، قد نحرتنا جميعاً. 
   نجمة خليل حبيب وهي تكتب، تتقمّص شخصيات أبطال قصصها، لدرجة تجعلك معها ضائعاً بين الحقيقة والخيال، لتتمكن، بأسلوبها الأخّاذ، من الاستيلاء على جميع احاسيسك. 
شربل بعيني

سايد مخايل في "صيّاد البال" يرافق الجميع ويبقى وحيداً/ شربل بعيني

لم يصطدني من الشعر في ديوان "صيّاد البال" للشاعر سايد مخايل سوى ثلاث قصائد هي:
ـ مشلوح.
ـ كلن حكو
ـ بيت الزمان الراح.
وهذا لا يعني أن القصائد الباقية ليست ذات قيمة أدبية، معاذ الله، فكل كلمة يخطّها قلم أديب، أو شاعر، هي عندي بمثابة البؤبؤ للعين، ولكن القصائد التي ذكرت تركت في نفسي أثراً عميقاً، فاستوقفتني بصورها الرائعة، وسحرتني برنين جرسها الموسيقي المميّز، فسايد مخايل عندما قال:
مشلوح وحدي بهالطريق
وحدي.. وما في عندي رفيق
مشلوح ع شقفة حجر
بالليل والضو انكسر
والكون شقفي بحر والتاني بشر
وتنينهن موج وغريق.
أعادتني من حيث لا أدري إلى بداية سني غربتي الطويلة في أستراليا، عندما كنت:
مشلوح ناطر شي أمل
يلمع بهالليل الطويل
والصمت أتقل من جبل
وعيون تغرق بالرحيل
أتلمّس طريق مستقبلي من خلال الدموع والأحلام الكاذبة التي كان يصوّرها طموحي، هذا الطموح الذي دفع بشعب كامل الى مغادرة قراه ومدنه بحثاً عن وضع اجتماعي أفضل، وما أن يصله حتى يدرك أنه يعايش السراب والخيبة، فلا الأصدقاء أصدقاء، ولا الأهل، كما في الوطن، يعطفون ويشفقون:
.. ورجاع فتّش ع الطريق
بهالدني مالك رفيق
ت الدني تشتّي بشر.. غير البشر
ت السما تضوّي قمر.. غير القمر
بتبقا حياتك غيم وعيونك مطر
بتبقا طريقك وهم ووجودك سفر
وبتضل وحدك ع الطريق
وحدك ما في عندك رفيق
كلام رائع.. توّج بجائزة برنامج ليالي لبنان، لمنطقة الشمال عام 1984.
وتشاء الصدف أن أختار أيضاً قصيدة "كلن حكو" التي نال عليها شاعرنا "جائزة الجيش اللبناني 1983"، فضحكت في سري وقلت:
ـ كان من الأفضل أن يكون سايد حكماً لا متبارياً.
لأن ما من شاعر خاطب جيش لبنان المغلوب على أمره بلغة كهذه:
يا جيش خلّي الحق سيف وينكتب
متنا ع جمر الانتظار
ولبنان كلّو اصفرار
وتا ترد لون الاخضرار
بالدم.. لون الدم أحلى من الدهب.
وأعتقد أن هذا يكفي للدلالة على قوة معاناة ابن بحويتا القرية الشمالية الحالمة، ورفضه للوضع الأمني، وللمتاجرة بأرواح الأبرياء.
أما سبب اختياري لقصيدته "بيت الزمان الراح" فلأنه يصوّر فيها بيتي، أجل بيتي أنا، الذي كنت كلما دلف علينا سطحه أصرخ بهزج الأطفال:
ـ بيي، بيي عن تدلف.
فيسرع، رحمه الله، الى ارتداء معطفه الجلدي، وإنارة قنديل الكاز، والصعود الى سطح البيت كي "يحدله":
بترسم صور من هز المصابيح
وبتزيّح حبوب الدلف تزييح
وبتصير فيها تخربش وتكتب
ولو لم يعش شاعرنا في بيت "كبيتي" لما تمكن من رسم هذه الصورة:
جسرك عتيق وخشبك شوي اهترا
وبعدك بقلبي متل أغلى جوهرا
ما زال عنّا شعر: قلم ومحبرا
تا نخرطش بيوت الشعر ع حيطنا
سؤال أخير أحب أن أوجهه لسايد مخايل:
ـ بالله من أخبرك أنني كنت أكتب الشعر على حيطان بيتي في مجدليا؟ هل زرته يا سايد؟ أم أن الشعراء كلهم ذوو عقلية واحدة، متى داعب الشعر مخيلتهم، تراهم يكتبونه حتى على الحيطان؟
سايد مخايل شاعر خلاّق، فما عليك أنت، أيها القارىء العزيز، سوى استغلال موهبته الشعرية هذه، وتجييرها لمصلحتك الخاصة، وللتنفيس عن معاناتك الشخصية.
صدى لبنان، العدد 526، 16/12/1986
**

لا ترقصي/ شربل بعيني


قصيدة كتبتها بعمر 16 سنة ولم تنشر بعد

لا ترقصي.. ولا تهزهزي بخصرك
عم ترجف جفوني
وتعبت جريكي.. وانكسر ضهرك
ووقعتي بعيوني
بكرا بيقولوا الناس مين أمركْ
تا بسهرتي تكوني
ومين الـ عصر ع فرشتو صدرك
بلحظات ملعونه
سحرك سحرني.. آخ من سحرك
طيّر جنوني
ومن دون وعي بوّستك بشعرك
بوسات سكروني