أمير الشعر يا شربل بعيني/ روبير النجّار

أمير الشعر.. يا شربل بعيني
أنت الـ ساكن بقلبي وبعيني
لازم نلتقي مرّه بـ عيني
ونشرب كاس متلو ما انشرب

مارسيل منصور تهنىء شربل بعيني بعيد ميلاده

هل كتب عليّ الاغتراب الأبدي؟

   القضية الوحيدة التي لا أحب أن أخبر أحداً عنها هي قضيتي مع الغربة.
   قلت: قضيّتي، ولم أقل قصّتي، لأن مرافعاتي الطويلة المرهقة ضد الغربة، ما زالت أصداؤها تتردد في قاعة محكمة الضمير الانساني، الذي بدأ الصدأ ينخر خلاياه النتنة، بعد سكوته المشبوه المقرف عن حرب حصدت الأرض والمسكن والسكّان، ولم تترك لناً خياراً إلا الموت أو الرحيل. 
   وأذكر يوم ودّعت أهلي في أواخر عام 1971، كيف أجهشت أمي بالبكاء، وأخذت تقبّلني بنهم شديد، وهي تتأوّه وتقول:
ـ الى أين أنت ذاهب يا شربل؟ هل بإمكانك أن تجد بلاداً أجمل وأفضل من لبنان؟
ـ غربتي لن تطول يا أمي.. سنتان فقط وأعود.
ـ سنتان، سنتان، كلمة سمعتها مراراً من أخويك أنطوان وجورج اللذين سبقاك الى هناك. تصور أن عمّاتك وعمومتك هاجروا منذ عشرين سنة ولم يعودوا بعد!.
ـ وحياة عيونك سأعود.. صدقيني يا أمي.
ـ اخواك وعداني بالعودة.. وما زلت أنتظر..
ـ أنت تعرفين وضعي، والضغوط التي أعاني منها.
ـ كان بإمكانك أن تعيش "برواق"، من دون أن تجرح أحداً، أو تعاديه بكتاباتك.
ـ أريد رضاك يا أمي.. فبدونه لن أوفّق.
ـ ولمن ستترك وطنك، أهلك، أصحابك، ذكرياتك، مكتبتك، وكل الدفاتر التي كنت "تخرطش" عليها أشعارك.
ـ بخاطرك يا امي..
   وأقسمت أن أعود، وحاولت جاهداً أن أكون صادقاً معها، وأن لا أخنث بوعد قطعته أمام عينيها الطاهرتين، وعلى مسمع من الرب. ولكن رياحي المادية جرت بما لا تشتهي سفني، فمرت السنتان مثل لمح البصر، ورسائل أمي تتكدّس في أدراجي حاملة في طيّاتها ألف ألف تأنيب وسؤال عن يوم الرجوع.
   وفجأة تبدلت المقاييس بعد اندلاع الحرب اللبنانية اللئيمة، التي كانت قريتي الآمنة مجدليا مسرحاً لبعض فصولها، فأحرقت منازلها، وتشرد سكانها، وهاجر أهلي الى أستراليا، فانقطعت بذلك آخر صلة انسانية لي بالوطن، بعد أن سرقت الغربة معظم أقربائي، وقضى "الواجب الوطني" على من بقي منهم هناك.
   والمضحك المبكي هو أن أمي التي كانت تلح علي بالرجوع، بدأت تتغيّر، وتجابهني بأسئلتها الكثيرة كلما فاتحتها بالموضوع:
ـ لعند مَنْ تريدني أن أرجع.. إخوتك وعائلاتهم هنا، وأهالي مجدليا استوطنوا أستراليا، وأصبح عمري على شفير الهاوية؟
ـ إذا قال كل واحد منا ما تقولين، ستبتلعنا الغربة الى الأبد؟
ـ .. والعصابات، والغش، والتزوير، والواسطة، والزعيم الذي تطالب كل من يصفّق له أن يقطع أصابعه تكفيراً عن فعلته الشنيعة. عش يا شربل هنا، لأنك ستقتل هناك.
ـ إذا عدتِ معي، أعدك أن لا أكتب.
ـ لا تكذب يا بنيّ، أنت مدمن على الكتابة.
ـ هذه هي مكاتيبك لي، إقرئيها، هل نسيت ما بداخلها من تأنيب لعدم عودتي الى لبنان.
ـ من يوم ركبت الطائرة بصحبة أبيك، لم أعد أذكر شيئاً.
ـ أبي كان يحلم بالعودة..
ـ لو بقي حياً الى يومنا هذا، ورأى المجازر التي تحصل هناك لغيّر فكره.
ـ رحمه الله.. مات وهو يردد اسم مجدليا وبيروت ولبنان.
ـ وأصبح قبره مزاراً نقصده كل أسبوع.. أتريدني أن أتركه وحيداً في قبره؟ هل جننت يا ولدي؟
ـ سأنقل جثمانه الى مجدليا.. إذا وافقت على العودة.
ـ وهل بإمكانك أن تنقل ثلاثين ابن وكنة وحفيد وحفيدة؟
ـ لا، بالطبع، هذا شيء مستحيل.
ـ إذن، اتركني أمت هنا، واقبرني قرب والدك.
   وها هي الآن ترقد قرب أحب انسان الى قلبها، والدي سركيس بعيني. وصدقوني أن الغصة لا تفارق قلبي، فحبّي للبنان، ووفائي لهذه البلاد المضيافة، عوامل تتصارع في داخلي، وتقضّ مضجعي، لدرجة أصبحت معها أتساءل:
ـ هل كتب علي الاغتراب الأبدي؟
**
شربل بعيني
الرجاء قراءة التعليقات تحت المقال

عندما صفعتني أمي

 
لم تضربني أمي، وأنا صغير، رغم مشاغباتي الكثيرة، ولكنها ضربتني وأنا في الثالثة والثلاثين من عمري، بعد مشاركتي باحتفال أدبي أقيم في قاعة "ثانوية مدرسة وايلي بارك"، تكريماً لأمير الشعراء أحمد شوقي. وكانت المناسبات الأدبية في ذلك الحين تجلب أناساً عديدين، عكس اليوم تماماً، وكنت، وللأسف، مغروراً بنفسي، أمشي بين الناس كالطاووس، ولسان حالي يردد:
أنا ديك من الهند
جميل الشكل والقدّ
وأذكر أنني ألقيت يومذاك قصيدة رائعة، ألهبت الأكف، وأجبرت دكتوراً مصرياً، أعتقد أن كنيته "العريان"، قادماً من العاصمة كانبرا، على الوقوف وهو يصفق، ويصيح:
ـ برافو.. برافو
ورغم أنني كنت آخر المتكلمين، إلا أنني أحسست بتفوقي عليهم جميعاً، فنفخت صدري، ونزلت عن المسرح، وابتسامة أمي التي استقبلتني بها، أطول من مترين، كيف لا، وابنها شاعر.
وبعد انتهاء الندوة لم أعد أعرف من سيقبلني ويهنئني من المتكلمين والجمهور، وكنت أزداد انتفاخاً، لدرجة أحسست معها، أنني سأنفجر إن لم أترك القاعة، فقلت لأمي:
ـ هيّا بنا الى البيت..
وبينما كنت أقطع المسافة الفاصلة بين منطقتيْ "وايلي بارك" و"ماريلاندز"، دار بيني وبينها حديث لن أنساه ما حييت، فلقد قلت لها واللعاب يتطاير من بين شدقيْ:
ـ أرأيت يا أماه كيف مسحتهم، كسحتهم، حطّمتهم. لقد وضعوا اسمي في الآخر، فوضعتهم في جيبي. ابنك الأول رغم أنوفهم.
فإذا بأمي تصفعني على فمي، وتصيح بأعلى صوتها، وهي تفتح باب السيارة كي تنزل منها، رغم سرعتها:
ـ أوقف السيارة، أنزلني هنا، لا أريد أن أكمل الطريق مع ابن مغرور، تافه، فارغ. 
ـ إنهم يحاربونني، ألمْ تريْ كيف وضعوني في آخر البرنامج.
ـ لا يحارب شربل بعيني إلا غرور شربل بعيني.
ـ ولماذا تغتاظين إذا قلت عن نفسي "الأول"؟.
ـ ومن أنت حتى تكون "الأول"؟ فإذا كنت "الرابع" بين إخوتك الستة، فكيف ستكون "الأول" بين الملايين؟ أجل أنت الرابع بين أبنائي، وأشكر الله على ذلك، كي لا أكنى باسم ولد يحقّر الآخرين كي يرفع كعب حذائه. 
ـ لا تفهميني غلط..
ـ بربك قل لي يا شربل: ماذا تريد منهم؟ أنهم رفاقك، زملاؤك.. هنأوك، قبّلوك، أشادوا بقصيدتك، وأبدوا كل احترام لك، فلماذا تغدر بهم؟ هل هذا جزاء محبتهم لك؟ أنت مريض يا بنيْ.. فساعد نفسك.. تخلَّ عن غرورك وتمسك بإبداعك. كرّم الآخرين كي يكرّموك.. مدّ يد المساعدة لكل من يطلب مساعدتك كي تصبح تينة مثمرة لا يلعنها أحد.
ـ ولكنك ضربتني يا أمي!
ـ وسأضربك مرة ثانية إن انت حقّرت غيرك لترفع من قدرك. موهبتك نعمة من عند الله، فلا تلوثها بغرورك. وتذكر دائماً يا ولدي أن الأدب فقر، لا يطعم خبزاً.
ـ أنا آسف يا أماه..
ـ عدني أن لا تزاحم أحداً، وأن لا تتكبّر على أحد، لأنك "تراب" في النهاية.
وما أن وطأت قدماي عتبة البيت، حتى أمسكت بورقة يتيمة وجدتها على مكتبي، ودوّنت عليها تلك العبارة التي نشرتها فيما بعد بكتاب "خواطر":
ـ منْ يشتُم يُشتَم، ومنْ يكرّم يُكرَّم
وما أن انتهيت من كتابتها، حتى وجدت أمي واقفة ورائي، تقرأ ما كتبت، والابتسامة تتوج ثغرها الجميل، وتهمس في أذني ذلك القول المقدس:
ـ هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
رحمك الله يا أمي كم كنت حكيمة.
**
شربل بعيني
الرجاء قراءة التعليقات تحت المقال

الى أمي


أيا أمّاهُ.. ما بَرِحَ الرّحيلُ
يُدمّرُني.. أنا قلبي عليلُ

أعيشُ الهجرَ سَكراناً بدمعي
ظلامُ الليلِ جرّحه الْعويلُ

أجلْ أشتاقُ للحُبّ المُصفَّى
لضحْكةِ ثغرِكِ الجذلى أميلُ

أريدُ الزّندَ يغمرُني بعطفٍ
وَدِفْءَ الصّدرِ غَفْواتي يُطيلُ 

لقدْ كُنْتِ الحياةَ لكلّ طفلٍ
رعيلٌ يَنْزوي.. يأتي رعيلُ

شعوبُ الأرضِ قدْ أهدتكِ مجداً
شبيهُ الأمّ، يا أمي، قليلُ

رأيتُ الناسَ تفتخرُ بطولٍ
وطولُك، كم تَمنّاه النخيلُ

حبيبُ الزّهرِ إنْ أعطوْهُ إسْماً
فزهرُ الأمّ للدنيا خليلُ

إذا قلتُ الإلهَ.. أقولُ أمّي
فعندي حبُّها ربٌّ جليلُ

وعندي حُضنُها جنّاتُ خُلْدٍ
لماذا الهجرُ، يا ربّي، طويلُ؟

أعِدْني.. لا تُطِلّْ فيَّ اشْتياقاً
جميلٌ قربُها منّي.. جميلُ
**

الى روح صديقي المرحوم نعيم ناصيف

ـ1ـ
نعيم ناصيف،
صاحب الابتسامة المشرقة كشمس كفرصارون،
حمل أعماله الصالحة ورحل،
إلى أين؟
إلى المكان الذي يحمل اسمه.. النعيم.
ـ2ـ
عرفته عن طريق أخيه الحبيب ايلي..
كان يرافقه كظله،
حتى لتحتار أيهما ايلي وايهما نعيم.
كانا القدوة الأخوية النادرة
في زمن طغت فيه المادة على كل شيء.
إلا على محبتهما لبعضهما البعض..
وللآخرين.
ـ3ـ
كفرصارون ستفتقد "نعيمها"،
ستبكيه بكاء الأم على ولدها،
فلقد غاب عنها بالجسد،
وعاشت معه بالروح.
خدمها بعينيه، كما يقول المثل.
فصح فيه القول المقدس:
هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
ـ4ـ
سأفتقدك يا صديقي..
سأفتقد سلامك الحميم
الذي كنت تسبقني اليه دائماً.
ـ كيف حالك يا أخي شربل؟
أتريد جواباً صريحاً يا نعيم؟
ـ صحتي ليست جيدة، فلقد فاجأني موتك..
وأحسست أن كل ما في الأرض زائل.
إلا وجودك في قلبي،
وقلوب محبيك.
ـ5ـ
يوم جنازتك يا نعيم
شيئان لفتا نظري،
الاول: توزيع شموع كهربائية بيضاء كقلبك، 
أضاءت أرجاء الكنيسة، 
إثر انتهاء كلمة ابنك المؤثرة جداً جداً.
ـ6ـ
أما الثاني،
فكان تلك الالتفاتة الرائعة من أهلك
لجموع المعزين في الكنيسة،
فبعد أن أدركوا أن الحرارة المرتفعة ستؤثر على صحة البعض،
قام شباب جمعية كفرصارون، 
بتوزيع قناني المياه الباردة على المصلين، 
وكنت أول من احتاج اليها. 
فألف شكر لهم.
ـ7ـ
ولأنني أعلم أنك كنت الجناح لأخيك ايلي
اسمح لي أن أبث هذه الهمسة في أذنه:
لا تقل يا حبيب القلب أنك خسرت أخويك وليم ونعيم،
وأصبحت مقصوص الجناح،
فوالله والله، سأفرد يديّ جناحين لك،
لتحلق بهما عالياً، 
وسأعلن للناس أجمع انك أخي. 
حماك الله وأطال بعمرك.
ـ8ـ
أخيراً..
لن أترحم عليك..
لأنني واثق من أن الله يحبك.
فهنيئاً للنعيم بك،
وهنيئاً لك بنعيمه السماوي.
**
شربل بعيني

ردّي عليّ


ردّي عليَّ إذا ندهتُ: تعالي
فالوردُ دوماً يَستجيبُ لحالي

النارُ حَولَكِ.. والغرامُ نزالي
ولقدْ دخلتُ النّارَ كالأبْطالِ

حاربْتُ أثقالاً من الأثقالِ
والنصْرُ لا يَأتي بدونِ نضالِ

كلُّ القُيُودِ نزعْتُ بالأفعالِ
إلاّ بقلبي لَمْ تزلْ أغلالي

أنتِ الأميرةُُ.. زينةُ الأجيالِ
وانا الحبيبُ تنعّمي بجَمالي

أنتِ الكمالُ إذا غمرتِ كمالي
والرّيحُ أنتِ إذا رسمْتِ زوالي

أحببتُ فيكِ ربيعَكِ المُتتالي
حاشا أردُّ عن الرياضِ ظلالي؟

إنّي أخافُ عليكِ من أحمالي
فالحبٌّ عندي مضرَبُ الأمثالِ

الحبُّ مملكتي.. وعطفُكِ مالي
مدّي اليدينِ وحقّقي آمالي

هذا أنا.. من فتيةٍ ورجالِ
متعفِّفٌ، مترسملٌ بخصالي

قولي: أحبُّكَ.. غَيّري أَحوالي
متعطِّشٌ، بعدَ السكوتِ، سؤالي

شعّي كشمسٍ.. أرهقتْها ليالِ
آنَ الأوانُ لتلتقي بهلالي
**
شربل بعيني