الأوبرا هاوس بين العيادي.. وناعوت



منذ مدة أهداني الكاتب التونسي كمال العيادي سور القيروان الشرقي، فأهديته بالمقابل دار الأوبرا هاوس ـ سيدني، فإذا بي أفاجأ بأن الشاعرة الكبيرة فاطمة ناعوت مغرمة منذ سنوات بالأوبرا هاوس، وتريدها لنفسها، وبما أنها مهداة للعيادي، بدأت رحلة استدراجه للتنازل عنها، وإليكم رسائلهما الجميلة حول ذلك

تعليق فاطمة ناعوت: 15 نوفمبر 2005 في الساعة 10:53 am
كمال العيادي الأعز
فكرت أمس في شيء، وتأكدتْ لي رغبتي فيه اليوم
ما رأيك لو أهديتني الباو هاوس؟ أحتاجه كثيرا منذ كنت أدرس بالجامعة ما تم داخل جدرانه من تنظيرات رائعة، والآن أحتاجه أكثر بسبب حنيني للعمارة والهندسة.(أظن أن بول كلي زار تونس من أجل السبب نفسه، فهو يضع عينه على الأوبرا هاوس منذ مدة وأنا ألاحظ ذلك، لكنني أثق أنني أهم منه لديك
طبعا هذا لا يَجُبُّ ولا يلغي إهداءك البحرَ لي، أم تراه يفعل؟ أنا لا أتنازل عن البحر مطلقًا، فانظر ماذا ترى. أظن من حق الأصدقاء أكثر من هدية، مو؟ (مو هذه شامية تعلمتُها من حسين سليمان وأحبتتها جدا لأنها تحمل قدرا عاليًّا من الموسيقى

أمرٌ آخر (ولا تقل طامعة)هذا العزيز شربل بعيني جعلني أغار، وأنا لا أغار عادةً. كونك دخلت موقعه وكتبت الخ. هنا السؤال، هل دخلت موقعي أبدًا أيها القيروانيّ؟ أدعوك إذن وأنتظر ملاحظاتك

بعدما تتجاوز رواق المدخل سوف تجد على يمينك صحنا دائريًا محاطا بنوافذ عليها مشربيات خشبية قديمة، من خلال ثقوبها سترى النيل. سأدعوك يومًا على الغداء على النيل في مركب شمس، ثم أهديك المركب والدلتا الشمالية. ما رأيك؟ هل الصفقة رابحة؟
محبتي
فاطمة ناعوت
***
بنت كلّ الفراعنة. بنت أولمب. فاطمة ناعوت
حين أكون معتعتا وعلى دين - الوليد ابن ابيه - فأنا لا أخون. أمّا وأنّني الآن صاحيا كقطعة فجل، فإنّي أهديك زوجك حسين وشربل بعيني واستراليا كلّها
لا تخف يا شربل، لن يطول صحوى وسأستردّ كلّ شيء. كعادتي
أمّا عن موقعك، فسآتيك غازيا. حبّا وكرامة. ولو اذنت لي باستضافته في موقعي فسأدخله ممطيا صهوه أحبّ بغلة - من الجنّ -أملكها, كما فعل ابن الغضنفر في حديث القنوط
تماما أيّتها الكبيرة التي لا تغلط بالنّحو وتسرف في الصرف. فراخ الشّعراء - يتقضربون- رعبا منك ومن سكاكين مقالاتك
حبّي وأخوّتي وصداقتي وقلبي الذي لا يكاد يخون
كمال العيادي - ميونيخ
***
تعليق فاطمة ناعوت: 15 نوفمبر 2005 في الساعة 1:29 pm
أيها النائم الآن كمال
قمْ على كأسٍ و (بعْ) بعض الضوء لأحد العمالقة ولا تفقْ إلا بعد أن تمهر عقد الإهداء بتوقيعك كيلا تسترده. (لم أكن أعرف أنك تسترد هداياك بعدما تفوق
أهديتني حسين وشربل بعيني واستراليا
حسنًا أما حسين فمقرّه القلب وأقبُله منك أشكرك عليه
وأما شربل فسوف تسترده بعدما تصحو كما وعدته، فهنيئًا له بانعتاقه
وأما استراليا فما كان لي فيها من رغبة سوى “أوبرا سيدني” تلك القوقعة التي خبأتُ فيها أحلامي منذ عشر سنوات
لكن الشرير شربل بعيني قد أهداها لك قبل أيام، وكم حزنت لكنني فكرت بمكر أن ربما ذات يوم وذات سكر منك، أستطيع أن أخدعك وأخطفها منك. فهل كل المقدمات السابقة تكفي كيلا ألحف في طلب الباو هاوس؟ أم انك قد تهورت وأهديته لغيري؟
اعترفْ فورًا ولا تخف شيئًا، فسيوفي وخناجري في غمادها الآن
أووه، كدت أنسى صباح الخيرقبل أن تطالني رصاصاتك
فاطمة ناعوت
***
بنت روح النّيل
روح النّيل.النيل
فاطمة ناعوت
الباو هاوس هديّة من حبيب. والهدايا لا تهدى ولا تباع ولا تقايض أبدا
خذي القيروان مبتورة
فرّقت منها شطر سور وماخور وستّة مساجد من 368 وحصير قديم وفناء مسج البامري, وقبر عزيز لي. ومئة متر من مقبرة الجناح الأخضر بها قبور, سأورثها ياسمين ابنتي وعيني. كلّ ما بقي لك حلالا. ولا تشطّي في طلب الباو هاوس. خذي موسكو ايضا. خذي بالمرّة كلّ مدن تونس. إجلدي إن شئت كلّ من شئت من الكبار بها. كما أفعل كلّ ليلة. خذي بغلة الأصفهاني, وهي ملكي بصكّ حقيقي. خذي ثلاثة أسابيع أعدك فيها بتقوى نصوح. خذي البنّيّ , ضمّيه للأزرق الذي أهديتك أيّاه من قبل. ما أشدّ إلحاحك يا فاطمة…
أعرف…أعرف…
أطلبي ذلك من شربل, سأقبل مقايضته.
هه ؟؟؟؟ ماذا تقولين ؟؟؟؟
كمال العيادي - ميونيخ
***
تعليق شربل بعيني: 16 نوفمبر 2005 في الساعة 12:52 am
أخي القيرواني الجميل كمال العيادي
رسائلك إلي ليست جدولاً صغيراً على موقعي.
إنها نهر الأمازون بطوله وعرضه، وستروي عطش الكثيرين في زمن شحت به مياه الحب.
دار الأوبرا هاوس في سيدني أهديتها لك، فلا داعي للمقايضة مع شاعرتنا الكبيرة فاطمة الناعوت.
فتّش لها عن مكان في القيروان، شرط أن لا تقترب من سورها الشرقي، فلقد أصبح محمية (بعينية) عالمية.
مسكينة فاطمة تهدي بيوتها الشعرية للعالم أجمع، ترسم بلوحاتها النادرة مساكن أجمل من الأوبرا هاوس.. ومع ذلك تريد أن تشلحك إياها. يا أخي، سأفض المشكل، وأهديها ديواني (معزوفة حب). ما رأيك؟
***
مقال من كمال العيادي ـ عن موقع دروب
شقيقة الرّوح, فاطمُة
اليوم, عزمت أن أزور موقعك صاحيا. كبرعلى نفسي أن أبخس حقّها, وألاّ ألبّي دعوتك لزيارة موقع أنت ضاربة خيامة, قولا وتصوّرا. ثمّ ما لا ينكر من فضل حبيبي وصديقي شربل بعيني الذي لا يخون. كونه فعلا لا يخون. ولمّا كنت أضيع الرّموز, فقد خجلت من سؤالك, رمز خيمتك, تلك التي كنت زرتها قبل شهر, وخرجت منها ولم ألمّ بسحرها لضرف لا زال يخون. حتّى جاء شربل كعادته, وأسرج بغلتي وقلبي لزيارة موقعك. متطهّرا من كلّ رجس الوقت ولهفة أحبّتي وما قد يشدّني ممّا يشدّني إلى حين. دخلت موقعك صافنا. هادئا. مرتويا بالقيروان التي لم أعد أملكها. كبيرا بكلّ صغائري. أبيض إلاّ من ألواني. وبقيت فيه كمّن يتذكّر لحنا قديما. تصاحبني موسيقى أنت من اختارها لا ريب. وصور هيّ لك لا شكّ. وقصائد تنهشك وتنهشني. وبين هذا وهذا وهذا وذاك ما لا طاقة لي به من ورد ولون وحبّ وسكينة وقنوط ومدّ وزجر وكبر و تواضع و كرّ وفرّ وسموّ وهبوط وحلم وصحو وقيام وقعود وحزن وفرح وإقبال وإدبار وحنان وقسوة وحلم وصحو وعناد وقبول وسلام وهجوم وحلو ومرّ وملح وسكّر وملائكة وشياطين وماء وطين وهواء وخبز وطحين ونار ونور وسماء وأرض وسائل ومجيب وقابل ورافض ومحسن وجبّار وساكن ومتحرّك ومقيم.
جبت أزقّتك كلّها حتى حسبت أنّني طلتُ بعض قلاعك. ولكنّني عدت مكلوما حسيراً.
لم أترك فاصلة لم أتحقّق من قدرتها على الفصل, ولا نقطة, لم أتبيّن هويّة رسمها, لا والله. ولا لون لم أتثبّت في لونه, ولا اتّجاه وردة مشتعلة وموجّهة عكس القلب ولم أحدس وجهتها.
ثمّ دخلت السّوق, الذي سمّيته دفتر الزّوار كرما وتسامحا, فرأيت من العجب ما دغدغني ثانيّة لبنت العنب. ولكنّني بقيت ثابتا. ثقيلا. عنيدا. كمّن لم يولد أبدا بين قطط القيروان, وكمّن لم ينم في محطّات باريس وكمّن لم تلفظه شوارع لندن وكمّن لم تتفخّذه غرف ميونيخ الرّماديّة. سكتّ. سكتّ يا فاطمة عن بعض من آذاني وما كان أكثرهم.غفرت لهم بك, وبلغة تخون.
أمّا ما شدّني يا فاطمُة بدفتر الزّوّار, فكلمة, ثمّ ردّة من زوجك العظيم حسين سليمان.رأيتك في مرآتيه كأجمل ما تُرى عروس بحر تخرج من البحر الذي تملكه. وفرحت. ذلك أنّك أخت خلقتها وحدي, لم يهبنها الله ولا بطن أمّ ولم تدنّس أعضاءها دماء نفاس.
ثمّة آخرون كبار. و قد كان ثمّة يا فاطمُة أيضا ما ثمّة. كان ثمّة حكايات وحكايات جمّة. صدّقيني يا فاطمُة… . لقد زرت موقعك, وسأعود. كوني سأقرأ قصائدك وحدي. كما أفعل مع سورة مريم. مرّة و مرّة وألف ألف مرّة. أهديك سورة مريم أحبّ سور القرآن إلى نفسي . سورة مريم يا فاطمة
كمال العيادي ـ ميونيخ
***
تعليق فاطمة ناعوت: 16 نوفمبر 2005 في الساعة 7:42 pm
أيها القيروانيّ يعلم حسين ويعلم أصدقائي المقربون كم أنا بحاجة إلى ذاك الأخ الذي لم تلده الأم ولم ينجبه الأب، الذي مات مبكرًا جدا دون سبب وجيه، ولم يقدّر الرب منحَه إلا مجازًا. يعلم الجميع أنني أحتاج إلى ذاك الأخ أكثر - ربما - من احتياجي إلى الشعر، ذاك أن الشعر نكتبه حين تضيق الدروب بنا أو تتسع الأرض جدًّا حتى نضيع، فماذا لو فرحنا بالحياة؟ ما حاجتنا للشعر وقتها؟
نعم، زُر موقعي، وحطْ رحالك جوار خيامي، واطمئنْ على رحلِك، فأنت أخٌ كريم وابن أبٍ كريم، وحرّاسُ مدائننا يعرفون الأحبة ويكرمون وفادتهم.
هذا المجنون زوجي القامشليُّ، الذي جاء من أقصى الأرض يسعى كي يحط ناقته في أرض مصر بعد طوال سعيٍّ وطوال تطواف، مجنون كما تعلم بعض جنوني وجنونك، كتب ما كتب ثم خاف من الناس ومن نفسه ومني، فاستنطق أناه الأخرى وكتب ما كتب، لم أشأ أن أمحو أيًّا من الرديْن كدليل على الحياة التي تفور داخل البحر الساكن. تركتهما كي تتلون بالونات الأطفال وكي تزغرد النسوة في أحياء القاهرة القديمة وأحياء حلب.
أجبني الآن يا كمال، ما معنى أن يبكي محمود سالم في الهاتف اليوم؟ وما معنى أن يمرض رجاء النقاش؟ وما معنى أن تبتّلَ الكي بورد الآن حول أصابعي؟ وما معنى أن يصمت عمر إلى الأبد؟ وما معنى أن يحزن حسين سليمان لأنه وحيدٌ في أرض غريبة؟ وما معنى أن تسقط سعاد حسني من الطابق العاشر؟ وما معنى ان تكبر فيروز مثلما نكبر نحن وتصل السبعين بعد أيام وكأنها بشرية من لحم ودم؟ وما معنى ان يصاب شاعرٌ بجلطة المخ فيكتب ديوانًا يمدح المرضَ فيه؟ وما معنى أن يبيع الشعراء أجزاء من لحمهم؟ وما معنى أن يغوصَ الحُلم ولا نمد أيادينا لنساعده على الحياة؟ معنى كل ذلك أن شيئا ما خطأ بالحياة؟ لامعناه أننا موجودون وليس الله مصنوعًا من “المربى” كما كنت أظن وأنا طفلة.
سأعدُّ لك كوبًا من الشاي الأخضر الآن، ريثما تنتهي عفراء من إعداد الغداء وشي العنزة.
أما سورة مريم، فأحب ما في القرآن إلى قلبي، ومثلها سورة يوسف.أقبلُها منك شاكرةً وأتنازل مقابلها عن الباو هوس وعن أوبرا سيدني. لأن مريم ستفتح لي ذراعيها وتضم وجعي، فما حاجتي للحجر؟
أهلا بك يا قيروانيُّ وأهلا بالأصفر وبعيني وبكل الرفاق المتعَبين.
فاطمة ناعوت

هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف11:44 ص

    روح أدبية مرحة نحن بأشد الحاجة لها

    ردحذف