نعمان حرب..مات ولم يمت

غيّب الموت صاحب أشهر سلسلة أدبية في العالم العربي ( قبسات من الأدب المهجري)، فخسرنا بموته أخاً وصديقاً ومناصراً لأدبنا الإغترابي الذي آمن به حد التصوف، ولقد كان بيني وبين فقيدنا الغالي نعمان حرب اتصالات ورسائل ووعد بنشر أحد قبساته عني، كما نشر في الكثير من كتبه الأخيرة، وأقرت به صحف ومنشورات سورية، ولكن الموت حال دون تحقيق الحلم، فليرحمه الله، وليسكنه فسيح جناته، وليمن على جميع أفراد عائلته وأهل السويداء الكرام بالصبر والسلوان. وها أنا أعيد نشر ما كتبه ابن سوريا البار المهندس رفيق غنوم عني وعن المرحوم نعمان حرب، الذي مات بالجسد، ولم يمت بالعطاء، فعطاؤه خالد إلى الأبد
**
الأديب السوري الكبير نعمان حرب، يعتبر، وبدون أدنى شك، "والد الأدب المهجري"، إذ أنه أوّل من نشر سلسلة أدبيّة في الوطن العربي تعنى بأدب المهجر. وقد منحته رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا جائزة جبران العالميّة لعام 1987، تقديراً له على هذه السلسلة التي صدر منها العديد من الأجزاء، والتي أطلق عليها اسم قبسات من الأدب المهجري.ومن كان على هذا المستوى الرفيع من الإهتمام بأدب المهجر، لا بد من أن يهتم بأدب شربل بعيني، "شاعر العصر في المغتربات"، على حدّ تعبيره. فاعتبر بحق، من أهمّ الذين كتبوا عن شربل، ومن أوفى الذين راسلوه من البلدان العربيّة.المقالات التي كتبها نعمان عن شربل، ونشرها في مجلّة الثقافة السوريّة، بإمكانها، لو جمعت، أن تشكّل "قبسة مهجريّة" رائعة.. وأعتقد أن من الإجرام أن تبقى مقالات ورسائل الأديب حرب مدفونة في أرشيف شربل بانتظار المخلّص. وأعتقد جازماً أن ندرة الورق وسعره الخياليّ هما اللذان منعا نعمان حرب من إتمام وعده بإصدار "قبسة" عن شربل، كما جاء في رسالة أرسلها بتاريخ 4/2/1988، أنشر منها:"في رسالتي، أعلمتك بأنني قرّرت إصدار كتاب عنك، يشمل كل ما قدّمته للأدب العربي من أعمال غزيرة مبدعة...وصدقني أن كتاب عبد اللطيف اليونس منذ شهرين انتهيت منه، وجرى تنضيده، وتصحيحه، وتصويره، ولكن الطباعة توقّفت بسبب فقدان الورق. أما تدبيره من السوق السوداء، فإن قيمته الشرائيّة تزيد سبع مرّات عن قيمته في المؤسسة. ولا يستطيع أي ناشر حمل هذا العبء. كما أن الطباعة في بيروت أغلى وأكثر مشقّة وصعوبة.. وقد بدأنا العمل، ولدينا من مؤلّفاتك ومؤلفات الأخ الأديب كلارك البعيني، ما يغنينا ويحقّق دراستنا. وهذا الغنى الفكري، والنبع الغزير الفيّاض، يكفي لأصدار أكثر من كتاب، فكيف في المستقبل المشرق الذي أصبحت وإيّاه على موعد في الإبداع والإنتاج. ولا أحسب شاعراً يضاهيك في الإنتاج الشعري، وفي الإبداع في كل فنون الشعر. حفظك اللـه يا أخي من الحاسدين".هنا، أحب أن ألفت انتباهكم إلى آخر عبارة وردت في النص:"حفظك اللـه يا أخي من الحاسدين"، وكأن نعمان حرب أدرك، منذ زمن بعيد، أن شاعراً بمستوى شربل بعيني لا بدّ من أن يصبح عرضة لحسد الآخرين، وقد صدق ظنّه.كما أنّه حاول أن يبدّد شكوك المشكّكين بصدور كتابه عن شربل، وما أكثرهم في هذه الأيّام، فراح يخبره بنفس الرسالة عن العوامل التي دفعته لإصدار الكتاب:"ليس عامل المحبّة الذي يدفعني لإصدار الكتاب عنك، بل هنالك عامل آخر يضاهي الأول، هو تقديري لمواهبك، وإعجابي بالتقنيّة الشعريّة التي تجيدها، وبالحس الموسيقي الذي يرافق نغماتك".والظاهر أن ندرة الورق في الأسواق السورية، لـم تكن السبب الوحيد في عدم نشر كتاب نعمان حرب عن أدب وشعر شربل بعيني، بل راحت الأيدي البريدية تتلاعب برسائلهما، وتعمل على محو الفكرة تماماً من رأسيهما. وخير دليل على ذلك ما كتبه نعمان لشربل بتاريخ 5/2/1990:"قرأت رسالتك المكتوبة على صفحات أحد الكتب، ودهشت لعدم وصول جوابك على رسالتي التي بعثت بها إليك منذ سنة تقريباً، وفيها أعلمك عن استعدادي لإرسال الدراسة التي هيّأت عناصرها عن شعرك الجميل الرائع على أن تكون تابعة لسلسلة قبسات من الأدب المهجري لطباعتها في أستراليا. لأنه يتعذّر عليّ الطباعة عندنا لغلاء أسعار الطباعة، وفقدان الورق أكثر من ألف بالمئة. وانتظرت الجواب، وتأثّرت لعدم وروده، واعتبرت نفسي فضولياً باهتمامي بهذه الدراسة طالما أن صاحب الدراسة لا يكلّف نفسه عناء الرد على رسالة لأخيه الذي يريد تخليده وتعريف القارىء العربي على بلبل غريد يصدح في ديار الغربة بأجمل الألحان. حتى وردتني رسالتك الأخيرة في صفحة كتابك، وأنا لا أشك في قولك، وكنت أتمنى أن ترسل بالبريد المضمون، وأن تكون المراسلة بيننا بواسطة البريد المضمون، ويظهر أن أوضاع البريد، بين بلدينا، خاضعة لممارسات عديدة، ولا توحي بالثقة".هناك أشياء مهمّة في هذه الرسالة يجب التوقّف عندها. أولاً، إخفاء بعض رسائل شربل بعيني لنعمان حرب، والعكس بالعكس. وثانياً، عدم صدور كتاب نعمان عن شربل حتى يومنا هذا. وها أنا أكشف سرّاً استودعني إياه شربل، وأطلب منه المغفرة على ذلك. فلقد أخبرني أن ابن بلدي الأديب نعمان حرب يريد أن يضمّه إلى (قبساته الخالدة)، وعندما أبديت ارتياحي للخبر، وهنّأته عليه، تطلّع بي طويلاً وقال:ـ أنا لا أستأهل بأن أصبح (قبسة) من قبسات نعمان حرب، لأنني ما زلت في أوّل الطريق، وعندي الكثير كي أقوله، فإذا أعطاه اللـه وأعطاني عمراً، سنحقّق المشروع في المستقبل.وأعتقد أن هذا يكفي للرد على أولئك الذين اتهموا شربل بعيني بأنه يسعى للجوائز، وللتكريم، وللكتابة عنه. وكأن لا عمل لديه سوى السعي المتواصل لدى أصحاب الأمور!!.. وها هو أديبنا الكبير نعمان حرب يفقأ أعينهم بقلمه الناصع، ويخبرهم أن شربل بعيني هو الذي أخّر إصدار أهم دراسة عن شعره.. كانت ستدخله التاريخ وتضمّه إلى القبسات الأدبيّة المضيئة في البرازيل وفنزويلاّ والإرجنتين وغيرها. وأعتقد أيضاً أن الوقت قد حان لإصدار الكتاب، بعد أن أصبح العمر على شفير الهاوية. أطال اللـه بعمرهما معاً.وبما أن همّ والد الأدب المهجري نعمان حرب، كان وما يزال، جمع أولاده في بيت واحد، فقد طرح على شربل فكرة الإنتساب إلى إتحاد الكتّاب العرب، بأسلوب دبلوماسي رائع. وإليكم بعض ما كتب بتاريخ 14/7/1987:"لديّ تطلّعات كثيرة حول نشر وتعميم الأدب العربي في أستراليا، وتعريف القارىء العربي على النخبة الأدبيّة في هذا المهجر، وسوف يكون الحديث عنكم مفصّلاً في لقائي مع الأستاذ علي عقله عرسان رئيس إتحاد الكتّاب العرب. وعمّا إذا كان من الممكن تنسيبكم أعضاء في الإتحاد، وبذلك نكون قد اجتزنا خطوة ممتازة، وأقمنا جسراً قوياً يكون له شأنه في المستقبل. لأن مؤسسة إتحاد الكتّاب العرب من أكبر المؤسسات الأدبيّة في البلاد العربيّة كافة".وبما أن نعمان من الأدباء الذين إذا قالوا فعلوا.. فقد بدأ بتحويل تطلّعاته إلى واقع، ونشر كل ما يعجبه من أدبنا الإغترابي، كما جاء في رسالة أرسلها بتاريخ 18/1/1987:"عدد مجلّة الوفاق الأخير طافح بالمواضيع القيّمة، والإبداع في الشعر والنثر. وكذلك العدد الذي سبقه. اخترت من الأول رائعتك (صدّقيني يا بهيسة) ونشرتها في الثقافة، وسوف تنشر في جريدة حمص.إنني أفاخر بك يا أخي، باعتبارك من شعراء العرب المبدعين، ولا يقف شعرك عند حدود لبنان، بل يمتد إلى كل الساحات العربيّة. ولعلّ الأيام تعطينا (القروي) الجديد المؤمن بقوميّته العربيّة وبوحدة أمته من المحيط إلى الخليج، فيملأ دنيانا ألحاناً وأنغاماً".عام 1987، شارك شربل بمهرجان الشعر العربي في العراق، فأرسل إلى صديقه نعمان رسالة يخبره بها بأنه سيكون على مقربة منه، أي في العراق جار سوريا، فاعتقد نعمان أن شربل سيقوم بزيارته في السويداء، المدينة السوريّة البطلة، فاستعد لاستقباله أجمل استقبال، ولكن شربل عاد وأخبره برسالة لاحقة أنه سيزور بغداد وليس السويداء، وهكذا يصبح على مقربة منه. فأرسل له نعمان رسالة بتاريخ 2/11/1987، يقول فيها:"المسافات لا تقاس بين الأخوة الأحبّاء، وقد فسّرت بأن ستكون في السويداء، فغمرتني الفرحة، لأن كلمة (سأكون على مقربة منك) تعني بأن اللقاء سيتم. أما أنت، فإنك بالقرب مني دائماً ولو بعدت عنّي بالمسافات".ألـم أقل لكم أن الجميع اعترفوا بمحبّة شربل بعيني لهم، وبمحبّتهم لشربل بعيني، قابلهم أم لـم يقابلهم، "فالمسافات لا تقاس بين الأخوة الأحبّاء"، حلى حد تعبير أديبنا الكبير نعمان حرب.وكما نصحه نزار قبّاني ومحمد الشرفي، لـم يتأخّر نعمان حرب عن إسداء نفس النصيحة لشربل، خاصة بعد أن فتح معه جدالاً بسبب حذف كل أبياته الشعريّة العاميّة التي استشهدت بها الدكتورة سمر العطّار في دراستها القيّمة عن دور المرأة في شعره، والتي نشرتها مجلّة الثقافة السوريّة في 24/1/1987، وجريدة حمص في 6/2/1987، واعتبر شربل أن في تصرّف المنشورتين إهانة للتراث الزجلي اللبناني والسوري معاً، لأن زجل البلدين واحد. فما كان من نعمان إلاّ أن أجابه بتاريخ 24/3/1987، بما يأتي:"تساءلت عن سبب عدم نشر محاضرة الدكتورة سمر العطّار بكاملها، والإقتصار على دور المرأة العربيّة عبر التاريخ. فأجيبك بأن ضيق المجال في هذه المجلّة الثقافة هو الذي حال دون نشر الدراسة بكاملها عن شعرك. لأن هذه المجلّة هي المنبر الحر الوحيد للأقلام الحرّة في القطر، ويساهم في الكتابة كثير من أدباء الأقطار العربيّة الأخرى. وأعتقد بأن البارز في الدراسة هو دراسة شعرك، والقارىء يدرك ذلك. أما لجهة الشعر العامي ونظرتي إليه، فإنني أحب هذا الشعر، شعر الشعب، شعر كل الناس. وهو أقرب إلى قلب الجماهير وعواطفهم من الشعر الفصيح. هذا رأيي الخاص، وهذه قناعتي. ولكن نشر الشعر العامي في الصحف والمجلات الصادرة في القطر فهذا قليل قليل جداً. ومن النادر أن تنشر مجلّة أو دوريّة قصيدة عاميّة مهما بلغت من العمق والجودة والفنيّة".إذن، فمسألة حذف أشعار شربل العامية لـم تكن بسبب ضيق المجال في الثقافة السوريّة، بل بسبب "الفيتو" الذي تضعه الصحف والمجلاّت في قطرنا السوري على هذا الشعر، مهما بلغ من العمق والجودة والفنيّة، على حد تعبير نعمان. وأعتقد أن شربل بعيني لـم يقتنع بما قرأ، وكيف يقتنع؟.. فراح يجادل نعمان حرب جدالاً لا رجوع عنه، خاصّة وأنه اعترف في رسالته بأن الشعر العامي هو أقرب إلى قلب الجماهير وعواطفهم من الشعر الفصيح. فلنقرأ ما كتب شربل لنعمان بتاريخ 9/7/1987:"تقول أيّها الحبيب في حديث أجرته معك ميسون الجيرودي: "إن بناء الشعر يقوم على أركان الإلهام والوزن واللغة. والقصيدة التي تتوفّر فيها هذه العناصر تشد المتلقّي إليها، وتجعله يعيش في جوّها السحري، والشاعر المهجري يدرج عالياً في عطائه الشعري على هذه القواعد.. فلا يتنكّر لعمود الشعر..".وفي مكان آخر تقول: "فشعراء المهجر عامة يعتمدون في نتاجهم الشعري على تعلّمهم الأصول والقواعد واللغة قبل هجرتهم.. ويعتبرون أن الوزن والقافية في الشعر هما ممتزجان في الدم العربي، فإذا تخلّوا عنهما فكأنهم يحاولون الإبتعاد عن النفس العربيّة، أو العبث في بناء اللغة العربية العتيد الزاهر".كلام جميل، ولقد أعجبني من الألف إلى الياء. ولكن ألا تعتقد أن الوقت قد حان لنطلق سراح الشعر العربي من قمقمه الضيّق؟.. ألا تعتقد بأن الوزن والقافية وعمودية القصيدة ليست بالتحديد شعراً؟.. إنك يا أخي تحكم عليّ وعلى كل من ابتعد عن وحدة القافية والوزن وعمودية القصيدة بالتنكّر لدمهم العربي، وبالإبتعاد عن النفس العربية، وبالعبث في بناء اللغة العربية. لا يا أستاذي.. أدبنا المهجري أعطى حريّة الإختيار لأدبائه ولشعرائه، وقال لهم: هذه لغتكم العربية اللامحدودة الأفق، لوّنوها، زيّنوها، علّقوا في أذنيها حلق المجد، وفي عنقها عقود الإنفتاح على الأجمل. هي لكم ومنكم، وجدت لتستوعب الأحسن لا لتتوقّف وتنتن وتتلاشى.نحن نشكر الخليل بن أحمد، ولكن الخليل مات، وآثار حوافر بغلته محتها أقدام المارّة. الشعر شعرنا.. فلماذا لا نعطي حريّة قصوى لشعرائنا في اختيار طرق ابتكار الأفضل؟.. أفلا تعتقد أن الإنعتاق من القيود قد يؤدي إلى مستوى أدبي عالٍ؟".هنا بدأ والد الأدب المهجري بتقديم نصيحة نزار والشرفي لشربل علّه يقنعه بوجهة نظره، وإليكم ما كتب: "تفضّلت في رسالتك ببدء جدل حول الشعر. وهذا يطول ويتشعّب. وإذا كان الفراهيدي قد مات، فإن ما تركه من المأثورات لا يموت. وأسألك، لماذا أطلقتم على الرابطة الأدبيّة في أستراليا إسم "رابطة إحياء التراث العربي"؟. أنا معك في كل تجديد وتطوير. وأرى أن لغتنا العربية الغنية لا يمكن أن تغيب عن كل إبداع، وهي من ركائز حياتنا ووجودنا. أنا مع كل جديد، ومع كل تطوير، على أن يبقى تراثنا حيّاً. وتهمّني اللغة الصحيحة في كل عمل إبداعي. أما الأوزان الشعريّة فأراها ضروريّة في الإيقاع، وفي الموسيقى، وفي المضمون. وقد تعوّدها وألفها العرب منذ الجاهلية حتى عصرنا هذا، ويجدون فيها تلك النسمة المنعشة التي تدخل في أعماقهم.وفي مهرجان شوقي، إشارة إلى أن قصيدتكم كانت باللغة الفصحى، فطربت وانتظرت ورودها إليّ. أنا أحب الشعر العامي، وأعرف أن له جماهيره، ولكنني أرى أن الشعر الفصيح أقرب الى البقاء والخلود. ولأن العرب في كل أقطارهم يحفظون المعلّقات، والمتنبي، وأبا تمام، وشوقي، وغيرهم. والشعر الزجلي لا تحفظه العرب في كل أقطارهم لاختلاف اللهجة العاميّة، على الرغم من حلاوته وعمقه وموسيقاه. فأنا لا أستطيع أن أفهم الشعر العامي في مصر، أو في الخليج، أو في السودان.إن الموهبة تغمرك من الرأس حتى الأخمص. والأجواء الرحبة تحيطك، والأرض الخصبة في متناولك. فليكن الجنى مستطاباً، ولتبق السنابل يانعة. ولنحلّق كالنسور في أجواء الدنيا العربيّة الواسعة، ولا يقتصر تحليقنا على مساحة لبنان. فالسماء العربيّة واسعة، وأرجو أن أراك محلّقاً فيها كنسر لقمان، حتى إذا عجز جناحاه عن التحليق استعان بقوادمه".ولكن نعمان، وبعد دراسته العميقة والواعية والمتفهمة لأشعار شربل بعيني المكتوبة باللغة الفصحى، أو باللهجة اللبنانية، بدأ يلين بعض الشيء ويعترف بأن القارىء هو صاحب القرار الأخير، حسبما جاء في رسالته المؤرخة في 4/2/1988:"وقد كنت أوضحت عن رأيي في شعر النثر، وحرام أن يسمّى شعراً، ولكن أنا معك بأن الشعر هو الشعر، حسب المصطلحات التي يطلقها الناس، عندما تهزّهم الكلمة الحلوة المموسقة. وعلى كل فإن الدراسة سوف تتناول هذه الأمور كلّها، والقارىء هو صاحب القرار، وقد يكون بجانب الشاعر ولا يهتم ببقيّة الآراء".إنّه، والحقّ أقول، جدال أدبي هام بين قمّتين في الأدب، وبين رأيين مختلفين ومتحابّين في آن معاً، فكيف يسمح لنفسه صديقي شربل بأن تبقى رسائل نعمان في أرشيفه كل هذه المدّة، وفيها ما فيها من آراء ومناقشات نحن بأشد الحاجة إليها؟!.قد يتساءل البعض: لماذا لـم يأت نعمان حرب، في رسائله، على ذكر مجلّة ليلى التي أصدرها شربل؟!.. وأعترف بأنه أتى على ذكرها في معظم رسائله، كونها كانت تعني له الكثير، وكان ينتظر وصولها إليه بفارغ صبر.. وها هو يختصر كل اهتمامه بمجلّة ليلى بآخر رسالة أرسلها لشربل في السابع من كانون الثاني 2001:"أيها الحبيب شربل.. تأخّرت في الكتابة إليك، بعد احتجاب ليلى عن الصدور، لأن هذا الإحتجاب أثار في نفسي الألـم والحزن، لأن بقاء ليلى على قيد الحياة، كان بيرقاً خفّاقاً في سماء المهاجر، يمثّل الأدب العربي في كل أشكاله وألوانه ومعطياته، ونقاء الفكر القومي بكل ما له من ميزات في عالـمنا المطلوب لتفعيل الحياة. وما أحوجنا إلى مثل هذا الصوت يعلو بنبراته في بلدان الإغتراب، ويعبّر عن تاريخنا وحضارتنا وأمجادنا. وكانت ليلى تحمل هذه الرسالة وتضيء كل الجوانب المعتمة من حياتنا.لماذا توقّفت ليلى عن الصدور؟ لماذا توقّف البلبل الغريد عن الشدو على أفنان أستراليا؟.. لماذا احتجبت ليلى.. وهي كانت المرآة الصادقة للأدب والفن والتاريخ؟!كل هذه التساؤلات أحاطت بي، لأنني أجهل السبب المقنع، ولا أظن أن النفقات الماديّة قد حالت دون الصدور، ولا النبع الفيّاض بالإبداع والفكر قد توقّف. أحتار في السبب، وأحتار كيف أفسّر تراجع الفرسان في حلبة الخلود القومي!!حبيبي شربل.. حاول أن تقنعني بالأسباب التي أدّت إلى احتجاب صدور مرآة الأدب والعروبة والفكر عن الإستمرار في حلبة الحياة، كي لا يستمر قلقي وألمي لغياب نجمة وضّاءة من سماء الإشعاع".قبل أن يقنع شربل بعيني صديقه نعمان بالأسباب التي أدّت إلى اجتجاب صدور مرآة الأدب ليلى، عليه أن يقنعنا نحن أولاً، لأنه أوقف المجلّة دون استشارة أحد منّا.. هكذا واللـه. فبعد وفاة والدته أم أنطوان مباشرة، قال:ـ لقد أوقفت ليلى وألغيت مهرجان عيدها الرابع، الذي توزّع فيه جائزة شربل بعيني السنويّة.ولكي أكون منصفاً مع شربل، أعترف بأنه أخبرني، وقبل توقّفها بأشهر، بأن المجلّة تأخذ كل وقته، وتدمّر موهبته الشعرية، لذلك لـم يتمكّن من إصدار ديوان شعري واحد بسبب الإرهاق الذي تسبّبه له. كما أن سفره المتواصل خارج أستراليا قد يؤخّر صدور المجلّة في مطلع كل شهر، وهو الذي لـم يؤخر صدورها يوماً واحداً طوال أربع سنوات. أخيراً، جاء رحيل والدته عن هذه الفانية، بينما كانوا في زيارة أحد أقاربهم، ليقعده عن التفكير، أي أنه، وبصريح العبارة، أصبح مشلول التفكير تماماً. فأحسّ بأن ليلى ستتأخّر عن الصدور عدّة أشهر ريثما يستعيد قواه العقلية، ويتخلّص من صدمته النفسيّة، فآثر أن يوقفها تماماً.ومن حقّ نعمان أن يلوم شربل على حجب مجلّة ليلى عن أعين القرّاء، وهو الذي كتب عنه الكثير من المقالات التي نشرت على الصفحات الأولى من الثقافة السوريّة. وهو الذي أرسل له تحيّة الفجر والأمل، وبسمة الأرض والوطن، في مقال نشره في الثقافة عام 1986، ومنه أختار:"ولـم يكن الشاعر الرقيق شربل بعيني، إبن لبنان البار، المهاجر إلى أستراليا، إلاّ واحداً من تلك البلابل المغرّدة التي خطّت بأجنحتها الأرجوانيّة على أغصان شجرة العروبة الشامخة في المغارس الأجنبيّة، يزفرون، ويتألمون، وترى أوراق هذه الشجرة تتساقط الواحدة تلو الأخرى، على أرض ممزقّة تئنّ من جروحها، وتندب أبناءها المتخاصمين المتباعدين. وصوت الشاعر هو صوت الأمّة وضميرها. هو نفحة علاء، وثورة شرايين، وصرخة حقّ. هو لهيب النزوح المستعر، وصدى التوجّع والغربة. هو انتفاضة الأصالة العربية لبعث التراث من جديد.وأطلّ الشاعر على أرض الوطن، يحمل ريشة فنان، ويراعة إبداع، وكلمة حقّ، فرسم لوحة الأرض الممزقّة، وحمل إليها شوقه وحنينه، وأسند رأسه إلى حضنها، وخاطب الذين شوّهوا الصورة، وتحالفوا مع الشيطان، بأن مصيرهم إلى القبر، ومن القبر إلى البحر.هل يفقهون سر الألـم الكامن في هذه القصيدة الرائعة التي تنضح سمّاً مذيباً: "دعوة إلى الجنون"؟. هل يعرفون كيف يعودون إلى رشدهم؟.. فصرخة الشاعر هي صوت الأمة، ودمعة الشاعر هي دمعة الأمّة، وإيمانه هو إيمان كل ذي إيمان. إن الفجر يشرق من خاصرة الليل، والأمل يطلّ من أنات الجريح.. وإلى شربل بعيني، تحيّة الفجر والأمل، وبسمة الأرض والوطن".كما أنه كان يدرك أن المادة لـم تكن السبب في احتجاب ليلى، لأن شربل، بنظره، يعيش ليكتب لا ليكسب. وها هو يؤكّد ذلك عام 1990، في الثقافة السوريّة:".. والشاعر شربل بعيني يحتضن هذا الأدب، وينفق عليه بسخاء، ويعمل لنشره في الأقطار العربيّة على الرغم من الغلاء الفاحش في الطباعة، وفي التوزيع، لأنه يعيش ليكتب لا ليكسب، وكأنه ينشد دائماً أغنية الشاعر الفرنسي بيرانجيه: أنا لا أحيا إلاّ كي أنظم أغاني، فإذا انتزعت مني مكاني ياسيدتي، فإنني سأنظم أغاني كي أحيا".قيمة شربل الأدبية عند نعمان لا تعلوها قيمة. لذلك لا يريده أن يتراجع إلى الوراء، بل أن يفتّش أبداً عن المرتفعات والأماني والأحلام ليوقظها، كما جاء في مقال نشرته الثقافة عام 1996:"الشاعر المبدع شربل بعيني، أبداً يفتّش عن المرتفعات، ويغوص في أعماق الوجود، ويفتّش عن الأماني والأحلام ليوقظها، ويبعث فيها النبض والحياة. وأين تكمن الآلام والجراح، ليصف لها الدواء، ويوقف أوجاعها ونزفها.أبداً يعود إلى المنابع الأصيلة ليعب منها الراح والكوثر، ويصطفي منها القلائد والعقود الحيّة المضيئة المشرقة. لا يقف عند الحدود التي رسّختها أجيال المبدعين والملهمين، وإنما يتجاوزها ويبني على شموخها تماثيل الجمال والإبداع في رؤياه الجديدة. يحب بإخلاص ما بناه أهله فوق سطح المجرّات، ويبقى وفيّاً لهذا الإشعاع المنبعث من خيوط الشمس. لأنه تعبّد في محراب الكلمة الصادقة، وعاش في دنيا الحرف العربي العريق في تاريخه وحضارته. لا ينكر الذين سبقوه على دروب الخلود، ولكنّه يتّخذ منهم مثالاً وريادة، ويستشفّ من بريقهم الألوان والأنغام الحلوة، ويضيف إليها الفريد الجديد المطرّز بالحبكات المذهّبة، والخيال الرائع، والبلاغة في المضمون، والإشراق في المبنى". وصدّقوني أن ما من كتاب صدر عن شربل بعيني، إلاّ وقرَّظه قلم نعمان حرب، وخير دليل على ذلك مقال نشرته الثقافة السوريّة أيضاً عام 1995، مدح به نعمان الأديبة مي طبّاع مؤلفة كتاب شربل بعيني قصيدة غنّتها القصائد بمقدّمة رائعة.. قال بعدها:"هذه المقدّمة كان لا بد منها، ليعرف القارىء العربي، ولو لمحة موجزة عن هذه الأديبة الكبيرة مي طبّاع، التي أصدرت دراستها المتميّزة عن شاعر عربي كبير، يغترب في أستراليا منذ أكثر من عشرين سنة، وقد أصبح من الشعراء العرب البارزين الذين أعادوا سيرة جبران ونعيمة والقروي وفرحات وغيرهم من الرعيل الأدبي الذين رفعوا راية الأدب العربي في كافة أنحاء المهاجر، وخلّدوا لغة الضاد بكل ما فيها من جمال وفصاحة وبلاغة، وأبرزوا بمآثرهم الحضارة العربية وأصالتها وشموخها.شربل بعيني أحد العباقرة العرب في أدبه وعطائه الوفي، ونهجه الجريء في كل ما يعطيه من نثر وشعر، ومن إخلاص للعروبة والوطن، ومن تقديس للإنسانية والمثل العليا".أما قنبلته الأدبيّة الشهيرة، فلقد ألقاها عام 1993، على الصفحة الأولى من الثقافة السوريّة، غير عابىء بمن سيزعل أو بمن سيرضى، فضميره الأدبي لا يسخّره لمراضاة أحد. ومن هذا المنطلق، لقّب شاعرنا شربل "بشاعر العصر في المغتربات". ومن غيره يقدر على منح هذا اللقب دون أن يلتفت إلى الوراء. أليس هو من ألّف أكثر من عشرين كتاباً عن شعراء المهجر؟.. أليس هو المطلّع على كل شاردة وواردة في أدب الإغتراب على مساحة الكرة الأرضيّة؟!.. بلى.. وألف بلى.. لذلك، لن يتجاسر على لومه لائـم إذا قرأ إطراءه هذا لأدب شربل بعيني:"إنّني على صلة دائمة بأدباء وشعراء المهجر في كافّة أنحاء المعمورة، وأرى أن الشاعر شربل بعيني هو شاعر العصر في المغتربات، لا يوازيه أي أديب مهجري بغزارة الإنتاج الأدبي، ووضع مجهوده، وعبقريته، وماله، رهناً لإعلاء الأدب والفكر، وغرس الكلمة العربيّة في القلوب والنفوس، وبذل الذّات للحفاظ على ألق الحضارة العربيّة، وشدّ العلاقات والأواصر بين أبناء المغتربين وإخوتهم المقيمين".عندما توفّى اللـه فلذة كبد نعمان حرب، المرحوم عادل، بكاه شربل كما يبكي العمّ ابن أخيه، وأخبرنا في افتتاحيّة مجلّة ليلى العدد 32، الصادر في حزيران 1998، عن غصّته وألمه على المرحومين نزار قبّاني وعادل نعمان حرب، وإليكم ما كتب:"الغصّة التي اجتاحت قلبي عندما علمت بوفاة صديقي الشاعر نزار قبّاني، سأظلّ عاجزاً ما حييت عن التعبير عنها، كيف لا، وقد ذهبت خصّيصاً إلى لندن من أجل التنعّم بطلّته البهيّة التي تنعّمت بها منذ أكثر من ثلاثين سنة، عندما أهديته باكورة أعمالي مراهقة. ولكن سارت الرياح بعكس ما تشتهي سفني، فعدت إلى سيدني خائباً، لأتلقّى بعد يومين من وصولي خبر وفاته.. وها نحن نهدي العدد القادم من مجلة ليلى لروح نزار، معطراً بدموع أدباء وشعراء من دول عديدة، أحبّوا شعره، وآمنوا بعبقريّته.وما أن بدأت مشاعري تتأقلم مع الفاجعة، إذ بي أستلم رسالة من صديقي الآخر نعمان حرب، بعد انقطاع دام أكثر من سنتين ونصف، فإذا بغصّتي تعود إلى سابق عهدها، تحرق صدري، وتؤجج فؤادي.. ولكي تعرفوا السبب، ها أنا أترككم مع مقطفات من رسالة الحبيب نعمان:(.. أكتب إليك بعد غربة عن الكتابة استغرقت سنتين ونيّف. ولكن غربة الكتابة لـم تؤثـر على دفء العاطفة وحنين القلب والروح، ولـم تنزع منها جبال الشوق والوداد، وقد جار عليّ الزمن، واختطف من بيتي إبني الشاب، عادل، وهو في الخامسة والأربعين، في شهر كانون الأول عام 1995. ثـم اختطف من جانبي شقيقي الأكبر مني في شهر كانون الأول أيضاً عام 1996، ثـم اختطف خلال عام 1997 ثلاثة شباب من أبناء العـم.. هذه المصائب المتلاحقة كادت أن تفقدني ما أملك من صبر عليها، تلجمني، بل وتوثق أصابعي عن الإمساك بالقلم، لأنها أقوى وأعنف ما يستطيع الإنسان أن يواجهه في حياته..).وبعد هذا كلّه، ألا يعذرني القرّاء إذا أخبرتهم عن غصّتي على نزار، وغصتي على ألـم وحزن نعمان، وهما من أغلى الغوالي، رحـم اللـه الأول، وأطال بعمر الثاني".هناك مشروعان يجب أن يتحقّقا حالاً: تنفيذ إصدار كتاب نعمان عن شربل، ونشر رسائله إليه
*******

هناك تعليقان (2):